بسم الله الرحمن الرحيم

بيان و تبيين لبعض ما يجب في الإنكار على السلاطين

 
الحمد لله عظيم المنن ، دافع النقم و المِحَن ، ذي الفضل و النعماء على من آمن به و تولاه ، و ذي العزة و الجبروت و البأس الشديد على من حادَّه أو عاداه .
و صلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد و آله و صحبه و من والاه ، ثم أما بعد .
فإن الله تعالى مذ خلقنا و كرمنا و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً لم يتركنا هملاً نهيم على وجوهنا دون أن يبين لنا سبل الرشاد ، بل بعث فينا نبيه المصطفى صلى الله عليه و سلم بما يصلح العباد و البلاد ، و يسوس الدنيا و أهلها إلى يوم المعاد ، فتوفي عليه الصلاة و السلام و ما من خير إلا و دلنا عليه ، و لا شر إلا حذَّرنا منه ، و أخذ بحُجَزِنا يصرفنا عنه ، و لا علم ينفع في دينٍ أو دنيا إلا أوقفنا عليه .
و لحق رسول الله صلى الله عليه و سلم بربه و ما من طائر يقلِّبُ جناحيه ، في السماء إلا و قد ذكر لأصحابه منه علماً ، كما روى الطبراني في معجمه الكبير عن أبي الدرداء و أبي ذرٍّ رضي الله عنهما .
فهل يظن عاقل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد عرف ما ستؤول إليه أمور أمته من بعده و أخبر به و بالغ في بيانه ، و ذِكْرِ أشراطه ، و التحذيرِ من أشراره ، يدعنا و شأننا في مجابهة المحن ، و مواجهة الفتن ، دون أن يبين لنا في ذلك سبيلاً رشَداً ، فيأتينا العقلاء منه بقبسٍ أو يجدوا في شرعِه هدى ؟!
كلا و الله ! ما كان الأمر كذلك ، و ما ينبغي له أن يكون ، فقد علَّمنا من لا ينطق عن الهوى كيف نعامل الأمراء في كل حال ، فقال في موعظته التي ذرفت لها العيون و وجلت منها القلوب : ( عليكم بتقوى اللّه ، و السمع و الطاعة ، و إن عبداً حبشياً ) ، رواه ابن ماجة و غيره بإسنادٍ صحيح عن العرباض بن سارية رضي الله عنه .
و روى الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أنه قال : دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ ، فكان فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا : أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، فِي مَنْشَطِنَا وَ مَكْرَهِنَا ، وَ عُسْرِنَا وَ يُسْرِنَا وَ أَثَرَةٍ عَلَيْنَا ، وَ أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ ، إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً ، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) .
فقيَّد صلى الله عليه و سلَّم منازعة الأمر – الحُكمَ – أهله ، بظهور الكفر البواح من المنازَع .

و ههنا مسائل يحسن التنبيه إليها بين يدي هذا الحديث الشريف :
أُولاها : التفريق بين إنكار المنكر و بين الخروج على الحاكم ، إذ ليس كل من أنكر منكراً على حاكم ذي سلطة ( شرعية أو غير شرعية ) خارجاً عليه بمجرد الإنكار فضلاً عن أن يكون خارجي المنهج و الفكر و المذهب ، كما يصوره البعض ، لأن الأمَّة مازالت تنكر على حكامها و ولاة أمورها سرّاً و جهراً ، بحسب الإمكان ، و ما يقتضيه الحال ، و لم نقف في تاريخنا المديد على من اتُّهم بالخروج ، أو نسب إلى الخروج أصلاً ، فضلاً عن أن ينسب إلى الخوارج ( كطائفة ) لمجرد إنكار المنكر – علانيةً - على الحاكم ، و دعوته إلى العدل و الإنصاف و ردِّ المظالم و إحقاق الحق .
و يشهد لهذا تبويب الإمام مسلم في صحيحه بما يؤكد على التفريق بين الإنكار الواجب و الخروج المحرم بقوله : بَابُ وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ ، وَ تَرْكِ قِتَالِهِمْ .اهـ .
و ما رواه ابن ماجة في سننه بإسنادٍ صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) ، و في رواية : ( كلمة حقًّ ) .
و ما صح في سننه أيضاً من حديث أبي أمامة رضي الله عنه ، أنه قال : عرض لرسول الله صلى الله عليه و سلم رجلٌ عند الجمرة الأولى ، فقال : يا رسول الله أيُّ الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه . فلما رمى الجمرة الثانية سأله ، فسكت عنه . فلما رمى جمرة العقبة وضَعَ رِجْلَه في الغَرْز ليَركب ، قال : ( أين السائل ؟ ) قال : أنا يا رسول الله . قال : ( كلمة حق عند ذي سلطان جائر ) .
قلتُ : لو كان إنكار المنكر على السلطان الجائر منكَراً ، لما كان القيام به أفضل الجهاد في سبيل الله ! و لما جعل من قُتِل دون ذلك في مقام سيِّد الشهداء ، كما صح بذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلَّم إذ قال : ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، و رجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله ) رواه الحاكم في مستدركه عن جابر بإسناد صحَّحه ، و أقرَّه الذهبي .

و ثانيها : أن تقييد الإنكار بالإشهار أو الإسرار أمر تحكمه مقاصد الشريعة ، و يجب ضبطه بضوابطها ، و ينظر إليه من خلال المصالح المترتبة على القيام به ، و المفاسد المترتبة على تركه ، و هذا يختلف بحسب الأمور المنكرة ، و حال المنكِر ، و المنكَر عليه ، و أسلوب الإنكار ، لذلك رأينا أئمة السلف ينكرون المنكر على الحاكم علانية تارةً ، و خفيةً تاراتٍ أُخَر ، فيما بينهم و بين الحاكم ، دون أن يتحجَّر أحدهم واسعاً ، أو يحمل الناس على رأيه مكرَهين .
و قد اشتهر من الإسرار في الإنكار موقف أسامة بن زيد من عثمان بن عفان رضي الله عنهم و عن سائر الصحابة الكرام ، حيث كان يتخوله بالموعظة و النصيحة سراً .
فعَنْ شَقِيقٍ بن سلمة ، عَنْ أُسَامَةَ بن زيد ، قَالَ : قِيلَ لَهُ : أَلا تَدْخُلُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَتُكَلِّمَهُ ، يَعْنُونَ عُثْمَانَ ، فَيَقُولُ : أَتَرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ ، وَ اللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ ، وَ لا أَقُولُ لأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيراً إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ : ( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ فِي الرَّحَى ، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ : مَا لَكَ ؟ أَلَمْ تَكُ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَ تَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى ، كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ ، وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ آتِيهِ ) ، رواه أحمد و أصله في صحيح البخاري .
قال القاضي عياض رحمه الله [ كما في فتح الباري : 13 / 57 ] : ( مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك ، بل يتلطف به ، و ينصحه سراً فذلك أجدر بالقبول ) .
و هذا منهج مبرئٌ لذمة من يقدر على الوصول إلى الأمير أو الوقوف بين يديه ليأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر ، و لكن ليت شعري كيف تبرأ ذمة من لا يملك حيلة و لا يستطيع سبيلاً إلى الإنكار إلا من وراء جُدُرٍ ، إن لم يبذل وُسعَه في قول الحق و العمل به و لو عن بُعدٍ ؟
و معاذ الله أن نبرر الإنكار علانية أو ندعو إليه مع إمكانية تحقيق الغاية المرجوة من الإنكار بين العالم و الحاكم .
أخرج الإمام أحمد في مسنده عن سعيد بن جهمان قال : ( أتيت عبد الله بن أبي أوفى ، و هو محجوب بالبصرة ، فسلمت عليه . قال لي : من أنت ؟ فقلت : أنا سعيد بن جهمان . قال : فما فعل والدك ؟ قال : قلت : قتلته الأزارقة . قال : لعن الله الأزارقة لعن الله الأزارقة ، حدثنا رسول الله أنهم كلاب النار . قال : قلت : الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها ؟ قال : بل الخوارج كلها . قال : قلت : فإن السلطان يظلم الناس و يفعل بهم . قال فتناول يدي ، فغمزها بيده غمزةً شديدة ، ثم قال : ويحك يا ابن جهمان ، عليك بالسواد الأعظم ، عليك بالسواد الأعظم ، إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته ، فأخبره بما تعلم ، فإن قبل منك ، و إلا فدعه ؛ فإنك لست بأعلم منه ) .
و هذا مقيد بقول عبد الله بن أبي أوفى صراحةً : إن كان السلطان يسمع منك .
قلتُ : أما إن تترس الأمير بحاشية السوء ، و لم يمكن إيصال الحق إليه ، فلا أقل من تبصير العامة بضررٍ لا يدفع بأقل من العلم به .

و ثالثها : أنَّ حمل معنى الكفر البواح على الخروج من الملة بالكفر الأكبر دون غيره من كبائر المعاصي و فواحش الذنوب ، أمر يسوغ فيه الخلاف ، بل قد وقع الخلاف فيه يقيناً ، بذهاب بعض العلماء إلى تأويل الكفر البواح بالمعاصي ، كما فعل الإمام النووي رحمه الله إذ قال في شرحه لصحيح مسلم [ 12 / 229 ] :
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ : ( إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) هكذا هو لمعظم الرُّواة . و في معظم النُّسخ : بواحاً بالواو . و في بعضها : براحاً ، و الباء مفتوحة فيهما . و معناهما: كفراً ظاهراً ، و المراد بالكفر هنا : المعاصي . و معنى ( عندكم من اللهِ فيه برهان ) أي : تعلمونه من دين اللهِ .
و معنى الحديث : لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، و لا تعترضوا عليهم ؛ إلاَّ أن تروا منهم منكراً محقَّقاً تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم ، و قولوا بالحقِّ حيث ما كنتم ، و أمَّا الخروج عليهم و قتالهم فحرام بإجماع المسلمين ، و إن كانوا فسقة ظالمين ، و قد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته ، و أجمع أهل السُّنَّة أنَّه لا ينعزل السُّلطان بالفسق ) .
فتأمل وفقك الله لهداه كيف ذهب الإمام النووي رحمه الله إلى تأويل الكفر البواح بالمعاصي ، و لم يحمله على الكفر المخرج من الملة ، فضلاً عن أن يقصره عليه ، و لم يرَ بأساً في منازعة ولاة الأمر و الاعتراض عليهم حال وقوعهم في المعاصي و المنكرات المحققة المعروفة بما يُعلَم من قواعد الإسلام ، شريطة أن لا يكون ذلك بالسيف ما لم يُتيقَّن خروج الحاكم من الملة بالكُليَّة .
و مع ذلك فقد نقل [ في شرح صحيح مسلم أيضاً 2 / 26 ] عن إمام الحرمين رحمه الله القول بمشروعية التواطؤ لخلع الإمام الفاسق بما هو أقل من الكفر و إن استلزم ذلك إشهار السلاح في وجهه و محاربته ، حيث قال : ( قال إمام الحرمين رحمه الله: و إذا جار والي الوقت و ظهر ظلمه و غشمه و لم ينزجر حين زُجِرَ عن سوء صنيعه بالقول ، فلأهل الحلِّ و العقد التَّواطؤ على خلعه ، و لو بشهر الأسلحة و نصب الحروب ، هذا كلام إمام الحرمين ، و هذا الَّذي ذكره من خلعه غريب ، و مع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه ) .
فاتق الله في يا من يعيب على إخوانه القيام بما هو أدنى مما ذهب إليه إمام الحرمين و أقره عليه النووي بشرطه المذكور ، و ارأف بإخوانك الذين ينكرون منكراً قعدت عن إنكاره ، و لولا ما حملوه عنك من القيام بالواجب الكفائي لكنت من الآثمين ، فادع لهم ، و احفظ ظهورهم ، و لا تكن عوناً للظالمين عليهم .
و حذار من أن تتوهم في كلامنا هذا تحريضاً على ارتكاب أعلى المفسدتين مع إمكانية تحاشيهما أو الاكتفاء بارتكاب أدناهما ، لأن الدعوة إلى إنكار المنكر على الحاكم المسلم علانية خلافُ الأصل الذي ندعو إليه ، و نحتسب الأجر عليه .
إذ إن الإنكار على الحاكم المسلم سراً هو الأصل ما دام ذلك كافياً و كفيلاً لإحقاق الحق و دفع المنكر بأقل منه .
أما إن تعذر ذلك و خُشيَ من تفشي المنكر ، و شيوع الفاحشة في الذين آمنوا فيعدل عن هذا الأصل إلى ما لا يتم الواجب إلا به ، و من ذلك الإنكار علانية علَّ ذلك يبلغ من كان له قلبٌ أو ألقى السمع و هو شهيد ، فيبذل وسعه ، و يبرئ ذمَّته في التصدي للمنكر و أهله قبل فوات الأوان ، و يكون ذلك في حالات منها :
الحالة الأولى : إذا شهد العالم وقوع المنكر أو وافق حضور الوالي المتلبس به ، فيجب الإنكار في الحال ، و لا يسعه تأخيره عن وقت الحاجة لبيانه .
و مثال ذلك ما عرف من إنكار أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، و غيره على مروان بن الحكم تقديم خطبتي العيد على الصلاة ، خلافاً للسنَّة الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم .
فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده عن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ مَرْوانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ؟ فَقَالَ مروان : قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ . فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ) الحديث .
الحالة الثانية : إذا غلب على الظن تعالي الحاكم على الحق و أهله ، و تطاوله على من يأمره و ينهاه بسيفه و بطشه ، فعندئذ يجد الداعية مندوحة من المواجهة مع من لا يتورع عن إراقة دماء مخالفيه و معارضيه ( بالحق ) ، فيعدل إلى إنكار المنكر بما تيسر من وسائل أُخَر ، و أقلها تحذير العباد من المنكر الذي يقره الحاكم و لا ينكره .
روى ابن ماجة في سننه بإسناد حسن عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ) قالوا : و كيف يذل نفسه ؟ قال : ( يتعرض من البلاء لما لا يطيقه ) .
و روى ابن سعدٍ في طبقاته عن عمارة بن مهران ، قال : قيل للحسن : أَلا تَدْخُلُ عَلَى الأمَرَاءِ ، فَتَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَ تَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ : ( لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ ، إِنَّ سُيُوفَهُمْ لَتَسْبِقُ أَلْسِنَتَنَا ، إِذَا تَكَلَّمْنَا قَالُوا بِسُيُوفِهِمْ هَكَذَا ، وَ وَصَفَ لَنَا بِيَدِهِ ضَرْباً ) .
و لا يستفاد من هذا أن الحسن ، ترك الأمراء و شأنهم فلم يأمرهم و لم ينهَهم ، و حاشاه من ذلك و هو الغيور على دين الله ، الذي لا يخاف فيه لومة لائم ، و لكنه لم ينكر منكرهم في مجالسهم دفعاً لمفسدة أكبر ، و لم يعدِم وسيلةً أخرى لإحقاق الحق و الأمر به ، و إبطال المنكر و النهي عنه ، كما يبدو ، و الله أعلم .
الحالة الثالثة : إذا كان المنكر الواجب إنكاره يبلغ في ضرره و شرِّه عموم الأمة ، و لا يقتصر في ذلك على الحاكم العاصي أو خاصته ، فهذا لا بد من أن يحذَّر منه كل من قد يقع فيه ، أو يلتبس عليه أمره ، أو يتضرر به ، و من هذا القبيل إسقاط الجهاد حال كونه فرضاً متعيناً على المسلمين كما هو الحال اليوم في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس ، فلو قدِّرَ أن حاكماً دعا إلى وضع الحرب مع العدو ، و تنازل عن الحَرَم و الحُرُمات ، و الديار و المقدَّسات ، فقد أتى منكراً جسيماً يجب إنكاره عليه ، و تبصير الأمة بخطره كي لا تموت فيهم الغيرة على الدين ، و العزيمة على مجاهدة المعتدين .
و مثل ذلك التحذيرُ من المنكرات السارية كالتعامل بالربا ، و إشاعة الفواحش ، و سائر ما يعم شره ، و لا يؤمن الوقوع فيه ، و من أخطر ذلك ما تبثه وسائل الإعلام و الإجرام من لوثات العقول و الأفكار و السلوك و الأخلاق ، فهذه و أمثالها أمور يجب على القادر أن ينكرها على الحكام ، و يحذِّر من خطرها المحكومين ، نصيحة لله و لرسوله و لعامة المسلمين و خاصتهم .
و لا تبرأ الذمة في هذه الأحوال بمجرد الهمس في أذن الحاكم بوجود هذه المنكرات ، إن لم يفض ذلك إلى تغييرها ، و يعصم المسلمين من الوقوع في شرورها ، بل لا بد من إنكارها علناً ، و بيان مفاسدها و مخاطرها على رؤوس الأشهاد ، ليهلك من هلك عن بيِّنة و يحيى من حيَّ عن بيِّنة .
روى الحاكم في مستدركه أن أميراً من أمراء الكوفة دعا ساحراً يلعب بين يدي الناس ، فبلغ جندباً ، فأقبل بسيفه و اشتمل عليه ، فلما رآه ضربه بسيفه فتفرق الناس عنه ، فقال : أيها الناس ، لن تُراعوا إنما أردت الساحر ، فأخذه الأمير فحبسه ، فبلغ ذلك سلمان ، فقال : ( بئس ما صنعا لم يكن ينبغي لهذا و هو إمام يؤتم به يدعو ساحراً يلعب بين يديه ، و لا ينبغي لهذا أن يعاتب أميره بالسيف ) .
و يظهر من سياق هذا الخبر أنَّ تغيير المنكر بالسيف كان لعموم شرِّه و خطره ، حيث كان الساحر يلعب بين يدي الناس ، و هذه فتنة ظاهرة يتعين إنكارها و دفعها ، و هذا ما أقدم عليه جندب بعد أن بيَّن للناس أنَّه ما خرج ليريعهم ، بل خرج ليقيهم الفتنة بسيفه ، و هذا اجتهاد منه ، أنكر عليه سلمان خروجه بالسيف فيه ، و لم ينكر عليه مجرد مخالفة الحاكم أو اعتراض سبيل الساحر الفتان ، و الله أعلم .
الحالة الرابعة : إذا بلغه أن الحاكم قضى قضاءً ، أو أمر أمراً يخالف كتاب الله و سنَّة رسوله ، فيجب إنكار المنكر حينما يبلغه ، إذا بلغه من ثقةٍ ، و لا يجوز له الكف عن الإنكار أو التوقف فيه ، أو إرجاؤه إلى حين لقاء الأمير ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، و لو سكت العالم عن المنكر لحظة سماعه به أو بلوغه إيَّاه لأوهم إقراره له ، خاصَّةً إذا كان عالماً يُتَّبَع ، و إماماً قدوةً علَماً .
روى عبد الرزاق في مصنَّفه عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ و قد سَأَلَهُ رَجُلٌ ، أَتُحَرِّمُ رَضْعَةٌ أَوْ رَضْعَتَانِ ؟ فَقَالَ : ( مَا نَعْلَمُ الأُخْتَ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلا حَرَامًا ) ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - يُرِيدُ ابْنَ الزُّبَيْرِ - يَزْعُمُ أَنَّهُ لا تُحَرِّمُ رَضْعَةٌ ، وَ لا رَضْعَتَانِ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : ( قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قَضَائِكَ وَ قَضَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ) و رواه بنحوه الدارقطني ، و سعيد بن منصور كلٌّ منهما في سننه .
الحالة الخامسة : إذا نهى السلطان عن تبليغ حق ، أو إحياء سنَّةٍ أو إماتة بدعةٍ ، فإن على الداعية الصادق أن يؤثر طاعة الرحمن على طاعة السلطان .
روى عبد الرزاق في مصنَّفه عن الشعبي ، عن عمه قيس بن عبدٍ قال : اختلفتُ إلى عبد الله بن مسعود سنةً فما رأيته مصلياً صلاة الضحى و لا صائماً يوماً من غير رمضان ، قال : فبينا نحن عنده ذات ليلة أُتيَ فقيل له : هذا رسول الوليد ، فقال عبد الله : ( أطفئوا المصباح ) ، فَدَخَلَ ، فقال له : إن الأمير يقول لك : اترك هؤلاء الكلمات التي تقول ، قال : ( و ما هن ؟ ) قال : ( هذه الكلمات ؟ ) قال : فلم يزل يرددهن ، قال : قولَك : كلٌّ مُحدَثَةٍ بدعةٌ ، قال : ( إني لن أتركهن ) ، قال : فإنه يقول لك : فاخرج ، قال : ( فإني خارج ) ، قال : فخرج إلى المدينة .
قلتُ : و غير بعيدٍ عن هذه الصورة ما ( قد ) يعمد إليه بعض ولاة المسلمين اليوم من تغييرٍ لمناهج التعليم ؛ يراد منه التغاضي عن بعض أحكام الشريعة ، أو كتمان بعضها ، أو تضييع بعض حدودها و أحكامها كتلك المتعلقة بباب الولاء و البراء و الإعداد و الاستعداد و الخروج في سبيل الله للجهاد .
و الموفَّق من عرف الطريق فسلَكَها ، و أعرض عن الشُّبَهِ و من عَرَضَها .
الحالة السادسة : إذا وقع الحاكم في منكر ، أو اقترف مظلمة بسبب فتوى حملت على غير وجهها من عالم ثقة ، فالواجب على العالم أن يسعى حثيثاً لتبرئة ذمته ، و رفع الظلم الواقع بسببه .
رواه أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عن أَبي بَكْرٍ الْمَروذِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ شَرِيكٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يُونُسَ ، يَقُولُ : صَلَّيْتُ عِنْدَ الْمَقَامِ عِشَاءَ الآخِرَةِ ، وَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عِنْدَ الْمَقَامِ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ ، فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ : يَا سُفْيَانُ ، بِأَيِّ شَيْءٍ تَسْتَحِلُّ أَنْ يُحْبَسَ ابْنِي بِسَبَبِكَ ؟ وَ كَانَ أَرَى مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : فَرَأَيْتُ سُفْيَانَ قَدْ قَامَ إِلَى الْمَقَامِ ، فَإِذَا الْوَالِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : لِمَ تَحْبِسُ رَجُلاً بِسَبَبِي ؟ قَالَ : فَقَالَ لَهُ الأَمِيرُ : أَوْ قَالَ : الْوَالِي - شَكَّ الْمَرْوَزِيُّ - : هَذَا اللَّيْلُ ، وَ بَابُ السِّجْنِ مُغْلَقٌ ، قَالَ سُفْيَانُ : ( لا أَبْرَحُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ حَتَّى تُخْرِجَهُ ) ، قَالَ : ( فَأَرْسَلَ وَ جِيءَ بِالْمَفَاتِيحِ ، وَ فَتَحَ بَابَ السِّجْنِ ، وَ جِيءَ بِابْنِهَا ، حَتَّى دُفِعَ إِلَيْهَا ) .

قلتُ : خليق بعلمائنا الأثبات في هذا الزمان أن ينكروا على الحاكم استغلال فتاوى الأئمة للزج بشباب الأمة في غياهب السجون ، و دياهب المعتقلات ، و أجدر بهم أن يكفوا عن الإفتاء بما من شأنه أن يوقع الحاكم في المظالم ، و يولجهم أبواب الجور و الحيف بتبرير من يقذف شباب الأمة بالخروج على الحكام و المروق من الشريعة لمجرد حماسهم و غيرتهم على دينهم و ديارهم و أهليهم الذين يُعمل فيهم الأعداء القتل و التشريد .
و لست إذ أرى مشروعة الإنكار العلني على الحكام في الحالات الست التي أوردتها أقصر الحق على ما ذكرت ، و لكنه استقراء واقع المسلمين ، والنظر حال السلف الصالحين ، و ضبط ذلك بضوابط الشرع المتين ، فإن وفقت في عرضه فالحمد لله ربِّ العالمين ، و إلا فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .
و ما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت و إليه أنيب
هذا و الله الهادي إلى سواء السبيل ، و بالله التوفيق .

وكتب
د . أحمد بن عبد الكريم نجيب
Dr.Ahmad Najeeb
[email protected]

الصفحة الرئيسية      |      صفحة الشيخ