بسم الله الرحمن الرحيم

فتوى في قضيّة شراكة

 
السؤال :
دخل معى شخص برأس المال في مشروع تجاري ، و أعطانى المال على أساس الشراكة ، وقال لي : إنّ المشروع في حال نجاحه أو فشله فسيكون لي ، و بالفعل بدأت الإعداد للعمل ، و حدث خلاف بيننا فلمّح لي بأنّه يريد ماله فهل له الحق في ذلك ؟
أم أن هذا المال يعتبر هبةً ؟ مع العلم أنَّه لم يكن بيننا شهودٌ و لا عقود مكتوبة و لا موثّقة يمكن الرجوع إليها عند الخلاف .
الجواب :
أقول مستعيناً بالله تعالى :
هناك تناقض واضحٌ في صياغة هذا السؤال ، حيث قال السائل في البدايةِ : إنّه أخذ المال على أساس الشراكة ، ثمّ قال لاحقاً : إنّ شريكه أخبره أنّ المشروع سيكون في حال فشله أو نجاحه ملكاً للسائل ، و عليه فلا يمكن إعطاء حكمٍ فصلٍ في المسألة لعدم ضبط السؤال .
و لكن يحسُنُ بنا توضيح الحكم في كلتي الصورتين على حدةٍ تعميماً للفائدة ، فنقول و بالله التوفيق :
إذا كان المال قد دُفِع بنيّة الشراكة ، بحيث يساهم أحد الشريكين بماله ، و الآخَر بجهده و كدّه فهذا عقدٌ صحيح ، و هو عقد مضاربةٍ ، فإن ربحت الشركة فالربح يُقسَم بينهما على ما اتّفقا عليه عند العقد ، و إن خسرت بغير تفريط من المضارب فالخسارة كلّها على رأس المال ، و ليس على المضارب بجهده منها شيء .
و إن لم يكونا قد حددا نسبة الأرباح لكلّ منهما رُجِع في تحديد ذلك إلى عُرف الناس ، و ما جَرت عليه عاداتهم في مثل هذه الحال ، لأنّ القاعدة الفقهيّة تقول : ( العادة مُحكَّمةٌ ) .
أمّا قول السائل : إنّه لا يوجد بينهما اتفاقيّات أو عقود مكتوبة ، فالكتابة ليست شرطاً في صحّة العقد ، و ما دام الشريكان قد اتّفقا على شيءٍ لزمهما شرعاً الوفاء و الالتزام به ، و إن لم يكُن مكتوباً أو مسجّلاً عند الجهات الرسميّة ، لما رواه البخاري معلّقاً و أبو داود و الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «‏ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ »‏ ، و القاعدة الفقهيّة تقول : ( المشروط عُرفاً كالمشروط شرطاً ) .
و الذي يَظهَر لي أنّ قول أحد الشريكين للآخَر : المشروع لك إن رَبح و إن خَسر ، قولٌ مُبهَم يحتاج إلى تفصيل ليُعرَف مراد قائله منه ، فقد يكون أراد تمليك شريكه المال فعلاً ، و أجراهُ مجرى الهبة ، و قد يكون مُرادُه مجرّد تشجيع صاحبه على العَمَل ، فلا بُدّ من استبيان قصده قبل الحُكم عليه .
فإن كان أراد جعله هبةً لشريكه ، فلا يصح له الرجوع في هبته ، لما رواه الشيخان و غيرهما عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ، أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلّم قال : ( إن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ) .
و إن كان مراده مجرّد تشجيع صاحبه و حثّه على العمل ، فالمال ماله ، و له الحقّ في فسخ الشرِكة و استرداده متى شاء .
هذا و الله أعلم و أحكم ، و لو رَجَع السائل و شريكه إلى القضاء الشرعي في بلَدهما لفضّ النزاع لكان أولى ، خاصّة و أن السؤال غير واضحٍ كما أسلفتُ .

كتبه
د . أحمد عبد الكريم نجيب
Dr.Ahmad Najeeb
alhaisam@msn.com