بسم الله الرحمن الرحيم

حُكْمُ التَطَوُعِ بَيْنَ أَذَانِ الصُّبْحِ وإِقَامَتِه


المنتفض .
جوابا على سؤالك :

أولا : ما ورد من الأحاديث المرفوعة :
وردت أحاديث عن النبي في النهي عن التطوع بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر إلا ركعتي الفجر ، والحديث ورد عن عددٍ من الصحابة ، وإليك هذه الأحاديث :
1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر .
أخرجه الطبراني في الأوسط (1060 - مجمع البحرين ) ، وقال : لم يروه عن يحيى إلا إسماعيل تفرد به أحمد بن عبد الصمد .
قال الهيثمي في المجمع (2/218) : رواه الطبراني في الأوسط وفيه إسماعيل بن قيس وهو ضعيف .ا.هـ.

2 - ‏عَنْ ‏يَسَارٍ ‏مَوْلَى ‏ابْنِ عُمَرَ ‏قَالَ ‏: رَآنِي ‏‏ابْنُ عُمَرَ ‏‏وَأَنَا أُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ : يَا‏ ‏يَسَارُ ؛‏ ‏إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّيةَ فَقَالَ :‏ ‏لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ ، لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ أخرجه أبو داود (1278) ، والترمذي (419) ، وأحمد (2/23 ، 104) .
قال الترمذي عقب الحديث : ‏حَدِيثُ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏حَدِيثٌ غَرِيبٌ ‏لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ‏قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى ‏، ‏وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَا

3 - عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر .
أخرجه البيهقي (2/466) ، وقال : الأفريقي غير محتج به ، وله شاهد من ابن المسيب مرسلا .
وقال الهيثمي في المجمع (2/218) : رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم واختلف في الاحتجاج به .ا.هـ.

4 - عن ابن المسيب مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
أخرجه البيهقي (2/466)
قال العلامة الألباني في الإرواء (2/233) : بإسناد صحيح .
وقد حكم على هذه الأحاديث كلها ابن حزم في المحلى (3/54) بالضعف ، بل حكم بأن روايات الحديث ساقطة ، مكذوبة كلها .
ورد عليه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المحلى ، وناقشه ورجح صحة الحديث .
وأيضا صححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (5881 ، 4756) ، وجامع الترمذي (2/280) .

وتعقب العلامة الألباني الشيخَ أحمد شاكر في الإرواء (2/236) فقال : ومنه تعلم أن قول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على الترمذي أنه إسناد صحيح ، غير صحيح ، ولو أنه قال : حديث صحيح بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لما أبعد ، على أنه لا يفوتنا التنبيه إلى أن بعض هذه الطرق لا يستشهد بها لشدة ضعفها ، فالاعتماد على سائر الطرق التي خلت من متهم أو واهٍ جدا .ا.هـ.

ورواه ابن المنذر في الأوسط (2/399) موقوفا ، وهو ضعيف لأن في سنده الأفريقي .
ومن أراد التوسع في تخريج الحديث فليرجع إلى تخريج العلامة الألباني في الإرواء (478)
والذي يظهر - والله أعلم - أن العمدة في هذه المسألة حديث حفصة .

5 - عَنْ ‏‏ابْنِ عُمَرَ ‏عَنْ ‏‏حَفْصَةَ ‏‏قَالَتْ :‏ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا ‏‏يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ .
أخرجه البخاري (618) ، ومسلم (723) .

ثانيا : ما ورد من أثار عن الصحابة والتابعين :
1– عن القاسم بن محمد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل المسجد يوما فرأى الناس يركعون بعد الفجر ، فقال : إنما هما ركعتان خفيفتان من بعد الفجر قبل الصلاة ، ولو كنت تقدمت في ذلك لكان مني غير .
ذكره المقريزي في مختصر قيام الليل ( ص 316) .

2 – عن ابن المسيب أنه رأى رجلا يكرر الركوع بعد طلوع الفجر ، فنهاه فقال : يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة ؟ قال : لا ، ولكن يعذبك على خلاف السنة .
أخرجه عبد الرزاق (4755) ، والبيهقي (2/466) .

وصحح سندها العلامة الألباني في الإرواء (2/236) ، وقال : وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى ، وهو سلاح قوي على المبتدعة الذين يستحسنون كثيرا من البدع باسم أنها ذكر وصلاة ، ثم ينكرون على أهل السنة إنكار ذلك عليهم ، ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذكر والصلاة ، وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنة في الذكر والصلاة ونحو ذلك .ا.هـ.

3 - عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : رَآنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَنَا أُصَلِّي بَعْضَ مَا فَاتَنِي مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ بَعْدَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ الصَّلَاةَ تُكْرَهُ هَذِهِ السَّاعَةَ إلَّا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ .

أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصلاة ، كتاب صلاة التطوع والإمامة وأبواب متفرقة ، من كره إذا طلع الفجر أن يصلي أكثر من ركعتين (2/355) . وسنده حسن .

4 - عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا رَكْعَتَيْنِ . أخرجه ابن أبي شيبة (2/355) .

5 - عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الصَّلَاةَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ حَتَّى يُصَلُّوا الْمَكْتُوبَةَ . أخرجه ابن أبي شيبة (2/355) .
وفي إسنادهما ( 4 ، 5 ) المغيرة بن مقسم قال الحافظ في التقريب : ثقة متقن إلا أنه كان يدلس ، ولا سيما عن إبراهيم .

ثالثا : الخلاف في المسألة :
حكى الإمام الترمذي الإجماع على أنه لا نافلة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر الراتبة فقال :
‏وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ كَرِهُوا أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .ا.هـ.

ورد الحافظ ابن حجر على هذا الإجماع في التلخيص الحبير (1/191) فقال : دَعْوَى التِّرْمِذِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ عَجِيبٌ , فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَشْهُورٌ حَكَاهُ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ .

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَفْعَلَهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ . وَقَدْ أَطْنَبَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ .ا.هـ.

وأما الخلاف في المسألة فقد حكاه ابن المنذر في الأوسط (2/399) فقال :
واختلفوا في التطوع بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر ، فكرهت طائفة ذلك ، وممن روي عنه أنه كره ذلك عبد الله بن عمرو ، وابن عمر ، وفي إسنادهما مقال ...

وكره ذلك الحسن البصري ، وقال : ما سمعت فيه بشيء ، وقال النخعي : كانوا يكرهون ذلك ، وكره ذلك سعيد بن المسيب ، والعلاء بن زياد ، وحميد بن عبد الرحمن ، وأصحاب الرأي .

ورخصت طائفة في ذلك ، وممن قال : لا بأس أن يتطوع الرجل بعد طلوع الفجر الحسن البصري ، وكان مالك يرى أن يفعل ذلك من فاتته صلاته بالليل ، وروينا عن بلال أنه لم ينه عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ...ا.هـ.

وممن فصل في المسألة الإمام النووي في شرحه لمسلم (6/2 ، 3) فقال عند شرحه لحديث حفصة رضي الله عنها :
‏قَوْله : " كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْر لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ "
‏قَدْ يَسْتَدِلّ بِهِ مَنْ يَقُول : تُكْرَه الصَّلَاة مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَّا سُنَّة الصُّبْح , وَمَا لَهُ سَبَبٌ , وَلِأَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَوْجُه :
أَحَدهَا : هَذَا , وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ مَالِك وَالْجُمْهُور .
وَالثَّانِي : لَا تَدْخُل الْكَرَاهَة حَتَّى يُصَلِّي سُنَّة الصُّبْح .
وَالثَّالِث : لَا تَدْخُل الْكَرَاهَة حَتَّى يُصَلِّي فَرِيضَة الصُّبْح , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا , وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل ظَاهِر عَلَى الْكَرَاهَة إِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَار بِأَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي غَيْر رَكْعَتَيْ السُّنَّة وَلَمْ يَنْهَ عَنْ غَيْرهَا .ا.هـ.

فالإمام النووي يرجح أنه لا كراهة في التنفل بين الأذان والإقامة من صلاة الفجر .

وممن ذهب إلى جواز التنفل بين الأذان والإقامة من صلاة الفجر شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (23/205) ولكن لا يتخذ سنة ، فقال :
فَهَذَا فِيهِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ أَذَانَيْ الْمَغْرِبِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَاهُمْ وَيُقِرُّهُمْ عَلَى ذَلِك ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ بَيْنَ أَذَانَيْ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ بَيْنَ أَذَانَيْ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ ، لَكِنْ بَيْنَ أَذَانَيْ الْفَجْرِ الرَّكْعَتَانِ سُنَّةٌ بِلَا رَيْبٍ ، وَمَا سِوَاهَا يُفْعَلُ ، وَلَا يُتَّخَذُ سُنَّةً ؛ فَلَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ ، وَيُؤْمَرُ بِهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ حَالُ السُّنَّةِ فَإِنَّ السُّنَّةَ تَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُدَاوِمُ عَلَيْهَا كَمَا أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مَسْنُونٌ لَهُمْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا .

فَإِذَا قِيلَ : لَا سُنَّةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَانِ فَهَذَا صَحِيحٌ وَأَمَّا النَّهْيُ الْعَامُّ فَلَا . وَالْإِنْسَانُ قَدْ لَا يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ السَّلَفُ لَهُ قَضَاءَ وِتْرِهِ بَلْ وَقِيَامَهُ مِنْ اللَّيْلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى الضُّحَى.ا.هـ.

وأكتفي بهذا القدر ، ومن كان عنده إضافة ، أو تعليق ، أو تعقيب فجزاه الله خيرا .

http://www.baljurashi.com/vb/showthread.php?s=&postid=12748#post12748 

رابط الموضوع

كتبه عبد الله زقيل
[email protected]