بسم الله الرحمن الرحيم

000الكـــــــــــــذابـــــــون000؟؟


الكذب من أقبح الذنوب..

هو دين المنافقين، الذين هم في الدرك الأسفل من النار، قال الله تعالى فيهم: -
{إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}.

وهكذا يلقون المؤمنين، بوجه غير ما في قلوبهم، قال تعالى: -
{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون}.

وفي قصة معركة أحد، يصف الله تعالى حالهم فيقول: -
{وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون هل لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لايبدون لك}.

-
{وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون}.


الكذب في العادة صفة من يعيش حياتين متناقضتين، بوجهين مختلفين:

- وجه فيه المحبة والرضى، وهذا الظاهر..

- ووجه فيه البغض والعداوة، وهذا هو الباطن والحقيقة.

والسبب والحامل على رضاه أن يعيش هكذا ممزقا:
خشيته من التصريح بما في قلبه، أن يطرد، أو ينبذ، أو يكفر، أو يقام عليه الحد؛ فيمنع جوارحه من التعبير عن مكنون نفسه، طلبا للسلامة..

كذلك لغرض آخر هو: التلبيس والخديعة..

وهؤلاء المنافقون يوجدون في حالتين:

- إذا كان سلطان الشريعة ظاهرا، من خرج عنه أدب وعزر، وأقيم عليه الحد.

- إذا كانت البيئة والمجتمع على الإسلام، وتعظيم شعائره، وإعلان البراءة والعداوة ممن خرج عليه. هنا يخشى على نفسه، فيضطر أن يخفي فلا يعلن، ويكتم فلا يظهر..

أما إذا ما كان السلطان للكفر فلا وجود للمنافقين، لزوال السبب، وهو الخشية من التصريح بما في القلب، ولذا في العهد المكي لم يكن إلا مسلمون وكافرون، لأن الحكم كان لكفار قريش، فالعداوة ظاهرة، لكن في العهد المدني، صار الحكم للمسلمين، فتبطنت عداوة فئة من الناس، لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذات الوقت لم يقدروا على الخروج من بلد الإسلام، خشية على مصالحهم وأموالهم، فآثروا البقاء، مع إظهار الإيمان وإبطان الكفر، فانقسم الناس لذلك إلى:

مؤمنين، وكافرين، ومنافقين.


وقد فضحهم الله تعالى في سور القرآن: في سورة التوبة، حيث هي الفاضحة للمنافقين، ذكرت كثيرا من أوصافهم:

- الحلف الكاذب: {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون}.

- ابتغاؤهم الفتنة: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون}.

- الفرار من الجهاد: {ومنهم من يقول ائذن ولا تفتني إلا في الفتنة سقطوا}.

- الاستهزاء بالصالحين: {قل أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}.

- أمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون}.

كما فضحهم في سورة سماها باسم: "المنافقون"، فذكر أنهم كالخشب المسندة، وأنهم جبناء ضعفاء، يحسبون كل صيحة عليهم، {ولكنهم قوم يفرقون}.

وفي سورة النساء بين من حالهم أنهم مع المنتصر على المغلوب، كذلك في سورة الحشر، وأنهم كاذبون في ولائهم، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، لكن تربصهم بالمؤمنين: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين}.

وبالجملة، فإن أوصافهم كثيرة، والله تعالى ذكرهم بها في القرآن، تحذيرا من سلوكهم، وتحذيرا للمؤمنين منهم، حتى إنه جعلهم العدو الحقيقي الأكبر، فقال:

-
{هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون}.

فهذه الصيغة: الضمير مع أل التعريف المصاحب لكلمة:
"عدو":

تفيد أن الأعداء على مراتب، وإن هؤلاء المنافقون هم الأخطر، والأسوأ، وذلك أن الأعداء من الكافرين يضربون المؤمنين من الخارج، فهم مكشوفون، والحيطة منهم ممكنة، لكن هؤلاء يضربون من الداخل، والحيطة منهم متعذرة، فضررهم كبير، وشرهم مستطير، ولا سبيل إليهم، مع إظهارهم الإيمان والصلاة.


فهم يحيكون للمؤمنين المؤامرات، يفسدون ذات بينهم، يخذلونهم في مواطن النصرة، يشككون المؤمنين في دينهم، يبثون الشبهات، وينشرون الشهوات، وأخطر وسائلهم وطرقهم:

- تلبسهم بالإسلام، ودعواهم حبه، ونصرته، ثم تضمينه ما يضاده، ويناقضه، جملة وتفصيلا.

فهم يكرهون الإسلام، ويكرهون المؤمنين، والنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، وفي زمن ضعف سلطان الشريعة، يظهرون زندقتهم وكفرهم، وهم مطمئنون آمنون من العقاب، فلا يأتيهم..فينتقلون من النفاق إلى الكفر الصريح، فيتفق ظاهرهم مع باطنهم.

لكن إذا كان الإسلام عزيزا في قلوب الناس، يكرهون، ويبغضون من يجاهر بكفره، وفجوره، ويحذورن منه، ويزجرونه، ويهجرونه، فإنهم يرتدون إلى النفاق تارة أخرى، فإذا كان النفاق لباسا للمنافقين زمن عز الإسلام وسلطانه وحكمه بالسيف، فإنه لباسهم أيضا في زمن عزه في قلوب ونفوس المسلمين بعامة، خشية على أنفسهم من النبذ والمهانة على أيدي المؤمنين.

ففي الأول خافوا سلطان الشرع، وفي الآخر ضعف سلطان الشرع، لكن حل محله قوة المؤمنين في الاعتزاز بدينهم، ورفض كل من يمس هذا الدين بسوء، بأي شكل من الأشكال..

وهذا من الخير المبني على دعوة الناس إلى الدين، ونشر العلم الصحيح، فإن الناس إذا فهموا دينهم فهما صحيحا، كانوا حماة له من المعتدين الظالمين، بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

ولباس النفاق الذي يلبسه المنافقون هذه المرة، تتفق وتختلف مع النفاق الأول:

تتفق في كونهما نفاقا، وهو إظهار خلاف الباطن.

وتختلف أن النفاق الأول كان بإيهام المؤمنين أنهم معهم على الإيمان ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا لقوهم قالوا: آمنا؛ وإذا خلوا استهزءوا بهم؛ ويشهدون معهم الصلاة، فإذا غفل المؤمنون تخلفوا، كما كانوا يتخلفون عن صلاة العشاء والفجر للظلمة، حيث لا يراهم أحد..

أما النفاق الثاني فإنه يكون بصورة أخرى، هي:

تفسير النصوص الشرعية بصورة أخرى غير ما استقر عليه الإسلام، ومات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل به الصحابة رضوان الله عليهم..

بشتى أنواع الدعاوى والاعتذارات:

- تارة بأن العصر يستلزم أحكاما جديدة، وأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان.

- وتارة بتتبع خلاف العلماء، والانتقاء من أقوالهم ما يوافق أهواءهم، ولو كان قولا شاذا.

- وتارة بالاستشهاد ببعض الأقوال والوقائع في الصدر الأول، مما ظاهره تأييد لدعاويهم.

- وتارة بالاستقلال بفهم النصوص، ورفض كلام العلماء، واعتبار العقل حجة مطلقة في الفهم.

وحقيقة قولهم تعطيل الإسلام، جملة وتفصيلا، وهم يعلمون ذلك، وقد كانوا يوما يدعون إلى ذلك صراحة، ويطعنون في الإسلام، ويتهمونه:

بالرجعية، والجمود، والتخلف، والظلامية، وتراثه بالعفونة، والأوراق الصفراء، وغير ذلك..

لكنهم باءوا وخسروا، وانحطت مرتبتهم عند الناس، وخافوا على أنفسهم من البؤس، ولأفكارهم من البوار، فأوصوا تلامذتهم وكتبوا لهم:

أن يغيروا منهجهم في الكيد للإسلام بنقل المعركة، من معركة مع الإسلام، إلى معركة مع رموز الإسلام، الذين هم العلماء، وتحديهم في فهم الإسلام، واعتبار أنفسهم ندا لهم في تحليل نصوص الشرع، واستنباط أحكامه..

حتى يبدو أن الخلاف ليس حول الإسلام، إنما حول تفسيره ومعناه..

وهذا ما يريدون الوصول إليه..!!!!..

وبذلك ظنوا أنهم قادرون على استعادة ما فقدوه من مكاسب خاسرة، في إضلال الناس، لكن الواقع أن عامة الناس صار يدرك حقيقة قولهم قبل العلماء، فما عادوا يضلون إلا من هو ضال أصلا..


إن الخلاف مع هؤلاء حول الإسلام نفسه، وليس في تفسيره، كما يوهمون:

- فإنهم يقولون إن الحقائق نسبية، لا يحتكرها أحد.. كل من يعتنق شيئا فهو حق..

وهذا ليس من الإسلام في شيء، فكل دين سواه باطل، فالإسلام يحتكر الحقيقة، قال الله تعالى:

{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.. والمسلم يملك الحقيقة في الدين.

- إنهم يقولون: نصوص الكتاب والسنة لها أوجه في التفسير كثيرة، كل وجه هو حق، بحسب فهم القارئ للنص..

أي أن الإسلام هلامي الشكل، ثوب فضفاض، يلبسه كل متلاعب، وذي هوى؛ يقرأ الآية، أو الحديث، فما فهمه منه فهو عين الصواب، ولعمري هذا هو الإلحاد في آيات الله، ولو كان الأمر كما يقولون لما أوجب الله تعالى إقامة الحدود، وقسم الناس إلى فريقين: مؤمنين وكافرين، لكن حتى هذه عندهم فيها نظر:

- فإنهم يقولون: اليهود والنصارى مؤمنون، كالمسلمين؟.

لكن الله تعالى يقول:
{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}..

- إنهم يرفضون التحاكم إلى شريعة الله تعالى، يرفضون الحدود، من قطع يد السارق، وجلد الزاني، والقصاص من القاتل، وينكرون حد الردة، وهكذا كل الحدود.

وهي ثابتة في نصوص صريحة، لكنهم يرفضونها، أو يرفضون تفسيرها على النحو الثابت عن الصحابة رضوان الله عليهم، ويعللون رفضهم بإحدى الدعاوى الآنفة، يستترون بها، والله أعلم بما يكتمون..

- إنهم يرفضون الحجاب، ويدعون إلى السفور والاختلاط، ومنع قوامة الرجل على المرأة، ويثيرون المرأة على دينها وسترها.

وقضية المرأة من أكبر قضاياهم، ويراهنون عليها في كل ميدان.. ومع أن من المسلمات أن الإسلام جاء بالحجاب ومنع الاختلاط، إلا أنهم يثيرون كلاما كثيرا حوله، بتأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، يبتغون الفتنة.


إن آية المنافقين هو الكذب:

{اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون}..

فهم مستعدون لفعل أي شيء، لتحقيق ما يريدون، والأيمان أهون شيء عليهم، فلا يخافون من الله تعالى أن يغمسهم في جهنم جزاء حلفهم الكاذب، لكن مهما حلفوا فإن آثار النفاق ظاهر عليهم:

- في أقوالهم، كما قال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول}، فقولهم فيه اللحن، وهو الميل، فالقلوب الصحيحة تكشفهم، وتعرفهم.

- وفي آرائهم، كما تقدم، فإنهم يأتون بما يناقض الإسلام جملة وتفصيلا، وما هو معلوم بطلانه من الدين بالضرورة، مثل زعمهم أن اليهود والنصارى ليسوا كفارا.

- وفي أفعالهم، من تزيين أخلاق الكافرين وعاداتهم، والتقرب إليهم، وإظهار حبهم، والوقوف دائما في صفهم، وفي المقابل الاستهزاء بالمؤمنين، ومن عليه آثار التدين، وربما ببعض النصوص الشرعية.

- إنهم يقولون القول، ثم ينكرونه، ويحلفون أنهم ما قالوا، كما قال تعالى عنهم: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم}.

- إذا كان الكلام فيه إدانة لهم، زعموا أن الناس لم يفهموا كلامهم، فحملوه محامل بعيدة، مع أن كلامهم ظاهر كالشمس، فإذا كان الكلام مما يدينهم صار محتملا، ولو كان واضحا، وما هو محتمل المعنى في نصوص الشرع فهو قاطع وواضح، إذا كان لهم فيه غرض، وهكذا يتلاعبون في الكلام والمواقف.

فهذه جملة من أوصاف هؤلاء، نفسها أوصاف أهل النفاق، فهم أهل نفاق:

إذ كان همّ بعض المنافقين سلامة نفوسهم، ولو بخزي الآخرة..

فإن هؤلاء نافقوا ابتغاء إضلال المؤمنين والمؤمنات عن دينهم، فادعوا حب الإسلام، وهم يضمرون كرهه، فسعوا في إفساده، وتغيير معالمه، حتى لا يبقى له أثر، فهؤلاء أضل من أولئك..


المنافقون مستهزءون، يستهزءون بالمؤمنين، ويضحكون في سرهم أنهم لبسوا عليهم، لكنهم في الحقيقة إنما يستهزءون بأنفسهم، يخدعونها، قال الله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون}، فهم يخادعون، أي يجتهدون في الخداع، وربما لم ينجحوا، لكن المؤكد أنهم يخدعون أنفسهم، ولذا جاء التعبير في حقهم: {يخدعون}، تحقيقا، بخلاف قصدهم: {يخادعون}، فهذا غير محقق..

وهم كما يحلفون في الدنيا كذبا، فإنهم يوم القيامة يستخفون أنفسهم فيحلفون على الله كذبا، ظنا منهم أن الله لن يعلم ما صنعوا:
{يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون}..


فرصة

ولعل المنافقين سمعوا كثيرا من هذه المواعظ، من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه حري بهم أن يتوبوا، قبل أن يأتي أجلهم، فباب التوبة مفتوح، يقول الله تعالى:

{إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما}.

أبو سارة
[email protected]

الصفحة الرئيسة