بسم الله الرحمن الرحيم

إياك أن تؤذي ولدك!!


ثمة شبه بين الإنسان الفرد، وبين الأمة التي تتألف من أفراد كثيرين، نلمسه في ناحيتين:
ناحية تاريخية طويلة المدى..
وناحية جسدية متآلفة الأعضاء..

فكما أن للإنسان عمرا يبدأ من حين ولادته وينتهى عند مماته، فكذلك للأمة تأريخ يبدأ من حين مولدها وينتهى حين هلاكها أو تغلب أمة أخرى عليها..
وكما أن للإنسان أعضاء وأجزاء هي اليد والقدم والرأس وغير ذلك، فكذلك للأمة أعضاء وأجزاء يمثلها هؤلاء الأفراد من البشر الذين ينتمون إليها..
ولأجل هذا التشابه في هذين الجانبين فإن كليهما يخضعان لسنة واحدة تجري عليهما إلى قيام الساعة، وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا الشبه بقوله:
( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)..
الإنسان مدة بقائه في هذه الدنيا يحصد ما زرعته يداه، إن أحسن أحسن الله إليه، وإن أساء فعلى نفسه، فالإثم لا ينسى، والبر لا يبلى، والديان لا ينام، كما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل..
قد يجني الجاني جنايته اليوم، ثم تمضي الأيام والشهور والسنون ولما ير الأثر، فيظن أن الله قد نسي أو تجاوز، وبينما هو في غفلته، وفرحه بالسلامة، ونسيانه لما جنى، إذا بالعقوبة تحل به في شكل مصيبة أو كارثة في نفسه أو ماله أو أهله، فيصيح: " أنى هذا؟"..
{ قل هو من عند أنفسكم}..
لما طالت مدة العقوبة نسي جنايته، وحينما حلت العقوبة لم يدرك أنها بسبب ذلك الذنب القديم، فالعقوبة وإن تأخرت لا يعني العفو والتجاوز، بل الخوف من تأخرها، لأنها تأتي حينذاك بغتة، أي تأتي بعد الشعور بالأمن والسلامة، وليست العقوبة المتوقعة مثل العقوبة المفاجئة، والله تعالى قال:
{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}..
فالله يؤخر عقوبة الكافرين إلى الآخرة ليزيد عليهم العذاب، قال:
{ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب أليم}..
فتأخير العقوبة شر وبلاء، قال عليه الصلاة السلام:
( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذ لم يفلته).
{وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}..
نظر رجل إلى غلام جميل نظرة ريبة، فقال له أحد الصالحين:
" لتجدن غبها ولو بعد حين"..
قال: " فأنسيت حفظ القرآن بعد أربعين سنة"..
فلا يشترط في العقوبة أن تكون تالية للذنب (انظر الجواب الكافي لابن القيم ص61، تحقيق الفواعير).
وهذا ما سميناه بالجانب التاريخي، فكما أن الإنسان ربما قد يعاقب على الذنب بعد أمد طويل، فكذلك الأمة قد تعاقب على عصيانها بعد أمد طويل، فما يجنيه الآباء يتجرعه الأبناء، فإن الآباء إذا خالطوا المنكرات بكافة أشكالها عقدية أو أخلاقية وشابوا أو ماتوا على ذلك تجرع الأبناء العذاب، وبيان ذلك:
أن الكبار إذا فعلوا المنكرات ولم يجدوا من يزجرهم ضعفت الأمة، لأن قوة الأمة في صلاح أفرادها، وضعفها في فسادهم، ومن ثم تكون عرضة للغزو والأسر والتشريد والتقتيل والسلب من قبل الأعداء، ولا يتجرع تلك العقوبات في الغالب إلا الأبناء، ولذا كثيرا ما نرى أطفالا يقتلون ويعذبون ويؤسرون..
ونحن نجزم أن هؤلاء الأطفال ما جنوا ذنبا، فهم غير مكلفين، وهم على الفطرة، ولو ماتوا لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة، فما ذنبهم أن يتحملوا أخطاء آبائهم؟..
ليس الذنب ذنبهم، إنما ذنب آبائهم، ومصابهم في صحائف سيئات آبائهم، وليس هذا من باب:
{ولاتزر وازرة وزر أخرى}، ولكن من باب: " مثل الجسد الواحد".
وإذا تذكرنا أن عمر الأمة كعمر الإنسان، وتاريخها كتاريخه، والسنة الواقعة عليهما واحدة، عرفنا الحقيقة:
أن هؤلاء الأباء أذنبوا فأخر الله عقوبتهم إلى حين، لينظروا إلى أنفسهم وأهليهم وأطفالهم وهم يؤخذون بجريرتهم..
وأما هؤلاء الأبرياء فلسنا بأرحم لهم من الله تعالى، لكن هذه عبرة لكل الآباء والكبار أن يتقوا الله في أهليهم وعيالهم، فإن كل معصية يرتكبونها لربما عوقب بها أطفالهم، وهو في الحقيقة عقوبة عليهم، فإن ما يصيب أبناءهم يصيبهم ويؤذيهم.
وهذه الحقيقة دليلها قوله تعالى:
{ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنـزهما رحمة من ربك}..
قيل: إن الأب الصالح كان الجد السابع لهما، فصلاح ذلك الجد كان سببا في أن يحفظ حق أحفاده، فإذا كان ذلك لصلاح الجد البعيد فكيف إذا صلح الأب القريب، إن الرجل الصالح ليجازى بصلاحه أن يجمع الله بينه وبين أبنائه في الجنة ولو لم يكونوا بمنزلته، قال تعالى:
{ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امري بما كسب رهين}.
وعكس ذلك أن يقال:
إن فساد الأب يكون سببا في ترك الله له ولأبنائه، ولا شك أن ما يصيب بنيه يصيبه، فيألم لألمهم، ويحزن لحزنهم…
---------
وأما الجانب الآخر في الشبه بين الإنسان والأمة فهو الجانب الجسدي المتآلف الأعضاء، كلنا يعلم أن الجسد الحي هو الذي يشعر بما يقع عليه، والأعضاء إذا كانت سليمة صحيحة فإنها تشعر بما يصيب بعضها، لذا فإن الجسد والأعضاء كلها تتألم وتسهر إذا أصيب عضو من أعضائها..
وعلى ذلك فما يقع على عضو يؤثر على العضو الآخر، ولأجل هذه الحقيقة أجاز الشرع أن يوقع عقوبة الحدود على جميع الأعضاء أو على غير العضو الجاني..
فمثلا إذا زنى الإنسان جلد ظهر إذا كان بكرا، وإذا شرب الخمر كذلك، وإذا فقأ بيده عينا فقأت عينه، ونحن نلحظ أن العضو الجاني هنا لم يعاقب بل الذي عوقب أعضاء أخرى، لماذا؟.
لأن الجسد واحد، والجناية وإن صدرت من أحد الأعضاء إلا أن العقوبة إن وقعت على بقيتها حصل المقصود من الزجر لكون الأعضاء تتألم، لأن نفسها واحدة، على أنه لا يمنع أن يعاقب نفس العضو الجاني كما في حالة السرقة، ذلك يقودنا إلى أن نقول:
إن الأمة كذلك يجري عليها نفس هذه الأحكام التي جرت على الإنسان، فكما أنه لا يشترط في العقوبة أن تكون تالية للذنب، كذلك لا يشترط فيها أن تكون على ذات العضو الجاني، بل قد تقع على غيره، والسبب:
أن الأمة كالجسد الواحد، فإذا وقع الاعتداء من بعضها ولم يكن ثمة زاجر عوقبت كلها، كما تعاقب جميع أعضاء الإنسان، أو عوقب بعضها وسلم الجاني، كما تسلم اليد من القصاص إذا فقأت عينا أو كسرت سنا وتعاقب العين والسن..
وكذا قد يرتكب أحد أفراد البيت جناية مثل الزنى، فلا تمر الأيام إلا وقد طرق الزنا باب هذا البيت، الجاني فعل فعلته، والعقوبة وقعت على عرضه، لأن الألم يلحقه لا محالة، فالبيت الواحد كالجسد الواحد..
هذا في الأسرة..
وأما في المجتمع، فمثلا إذا تركنا المستهين بأعراض المسلمين يفسد أعراض الآخرين مطمئنين إلى أنه لن يصل إلى أعراضنا نحن لبعدنا عن مواطن الريبة والفساد، فإن غيره سيتعلم منه، والآخر يتعلم منه ثالث، والثالث يتعلم منه رابع، حتى يصل الداء إلى من يمر بطريقنا أو يسكن في بيتنا أو جوارنا، فيطمع في أعراضنا كما طمع الأول في أعراض غيرنا، فربما تمكن من إيذائنا.. ولو أننا منعنا الأول لما وصل الداء إلى هذا الأخير..
وعلى هذا قس كل المنكرات الأخلاقية والعقدية.. قد يدعو إنسان إلى بدعة فنتركه، فما يزال يدعو حتى يدخل ببدعته بيوتنا..
وهذا يعلمنا أنه من الخطأ أن نرى بعض أفراد الأمة يرتكبون الجنايات والأعمال المشينة والاعتقادات المخالفة ثم لا نسعى في نصحهم ومنعهم، لأن تركهم من غير منع يفضي إلى انتشار تلك الأعمال المنكرة في الأمة، كما ينتشر المرض في الجسد، فيلحق كل فرد فيها من الألم والعذاب بقدره ما يلحق كل عضو في الجسد إذا وقعت الجناية من بعضه..
ولأن ذلك السكوت على الخطأ الذي وقع من ذلك الإنسان يوجب أن تقع العقوبة على أفراد آخرين إذا لم ينكروا ..
إن هذا المنكرات المخالفة للشرع كالمرض الذي يلم بالجسد، إذا لم يكافح جرى في كافته، وإذا منع وسعى الناس في علاجه انكمش وتراجع، والوقاية خير من العلاج..
إن الإنسان إذا عمل صالحا وسع الله له في رزقه ونسأ له في أجله، وإذا عمل سيئا ضيق الله عليه في رزقه وعجل بهلاكه، وكذا الأمة إذا صلحت وسع عليها وأطال عمرها، وإذا فسدت ضيق عليها في الرزق وعجل بهلاكها، فإن الأرض لا تطيق أن تعيش أمة على ثراها، تستظل سماءها، إذا كانت ظالمة، لذا فهي تدعو بهلاكها، فإذا هلكت {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}..
إن الأرض إذا خلت من الصالحين ألبتة جاءت الساعة، قال رسول الله:
( لا تقوم الساعة حتى لا يبقى في الأرض من يقول: الله الله).

أبو سارة
abu_sarah@maktoob.com

الصفحة الرئيسة