بسم الله الرحمن الرحيم

المــولد النبـوي، ما وراءه؟! .. (2)


مقدمة موجزة..
ذكرنا في المرة السابقة أن الذين يدعون محبة رسول الله ـ ممن انحرف قصدهم وفسد مذهبهم ـ اتخذوا فكرة: المولد... والتوسل.... وشد الرحل إلى القبر... سترة لغاية إلحادية من آمن بها خرج من الإسلام ودخل في الزندقة..
وفي هذه المرة نبين حقيقة هذه الغاية الإلحادية…
الإنسان الكامل...
الإنسان الكامل، فكرة فلسفية صوفية كانت رائجة في الأمم المتصوفة من قبل الإسلام.. أطلق هذا اللقب من قبل الصوفية القدماء من أهل فارس والهند واليونان على أول موجود وجد في الكون حسب نظريتهم... حيث زعموا أن هذا الموجود الأول فاض عن الله تعالى كما يفيض نور الشمس عن الشمس، لم يخلقه بل صدر عنه، فهو نور من نور، ونوره امتد إلى جميع ذرات الكون:
فبه قامت الحياة.. وهو الإله الذي صنع وخلق الموجودات.. وهو الواسطة بين الخالق والخلق لما له من شبه بهما.. فله صفات الإله وله صفات البشر..
ولأنه بهذه المرتبة فهو يعلم الغيب ويدبر أمر العالم، وربما سموه الروح الأعظم أو العقل الأول أو الفعال وغيرها من التسميات، هذه خلاصة فكرة الإنسان الكامل التي في تلك الثقافات القديمة قبل الإسلام..
انظر الإنسان الكامل، عبدالرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية 1/136، بنية العقل العربي، الجابري ص378
ثم إن الله تعالى كتب لهذا الدين أن ينتشر في بلاد فارس والهند فدخل فيه كثير من حملة هذا الفكر أبناء تلك البلاد، ومع قلة الوعي بحقيقة الإسلام بقي كثير منهم على هذا الاعتقاد الفاسد ظانين عدم منافاته لما أنزل الله، فصاروا يدعون إليه بحسن نية وقصد..
لكن طائفة أخرى تعمدت نشر هذا الفكر بين المسلمين خبثا وكيدا لما كانت قلوبهم تنطوي على حقد عظيم على هذا الدين الذي أزال دولهم الظالمة الكافرة..
وبما أن لقب الإنسان الكامل غريب على المجتمع الإسلامي تحاشوا أن يصطدموا به فاتخذوا بدلا منه لقب الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي..
فإذا سمع السامع هذا اللقب تبادر إلى ذهنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن أعظم شخصية في تاريخ المسلمين هو محمد صلى الله عليه وسلم، وله خصائص ليست لغيره بإجماع المسلمين، وكثير من المسلمين ممن عدم الفقه والعلم لا يمانع من الزيادة والغلو في حقه عليه الصلاة والسلام..
هنا وظف هؤلاء هذه الشخصية لإبراز فكرة الإنسان الكامل من خلالها..
فقالوا عن رسول الله أنه:
أول موجود فاض عن الله تعالى كما يفيض نور الشمس عن الشمس..
وهو نور ونوره ممتد إلى جميع ذرات الكون..
وكل العلوم قطرة من بحره..
وهو محل نظر الإله..
له شبه بالصفات الإلهية والصفات البشرية..
فهو واسطة بين الخالق والخلق..
فصارت الحقيقة المحمدية هي حقيقة الإنسان الكامل بغير فرق... إلا أنهم ومحاولة منهم لترويج تلك الفكرة الفلسفية حرفوا الآيات واختلقوا الأحاديث للتدليل عليها..
( الحقيقة المحمدية = الإنسان الكامل)
والذي يثبت هذا التوافق ما يرد في أقوالهم وأشعارهم من أوصاف غالية في حق النبي الكريم لا يمكن أن تفسر إلا من خلال فكرة الإنسان الكامل، وهانحن نورد طرفا منها..
يقول ابن عربي: " بدء الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية" الفتوحات المكية 1/118
ويقول الحلاج:
" أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم سوى نور صاحب الكرم... همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم... العلوم كلها قطرة من بحره.. والأزمان ساعة من دهره" الطواسين 13
وقال ابن الدباغ:
" اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات وحجب وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها وجدت بعضا من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليه لتهافتت وتساقطت" هذه هي الصوفية ص87 نقلا عن محبة الرسول ص203
يقول البوصيري في البردة:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به .......... سواك عند حدوث الحادث العمم
فإن من جودك الدنـيا وضــرتها ........... ومن علومك علم اللوح والقلم
هذه هي الحقيقة المحمدية عندهم، فكل كلماتهم وأشعارهم تنطق بحقيقة الإنسان الكامل لايجادل في ذلك إلا جاهل أو ماكر.. وهم وإن كانوا قد استتروا خلف هذا اللقب المحمدي زمنا إلا أنهم عادوا وحنوا إلى لقبهم القديم فصاروا يصرحون به..
فهذا إمامهم الأكبر ابن عربي الطائي يطلق لقب الإنسان الكامل في كثير من مؤلفاته وله مؤلف بعنوان: "الإنسان الكلي"..
وهذا عبدالكريم الجيلي وهو منهم يضع كتابا بعنوان: "الإنسان الكامل"..
وهناك آخرون غيرهم قدماء ومحدثون..
الإنسان الكامل، الحقيقة المحمدية مرتبة عامة
وإن المدقق في أقوالهم وأحوالهم يعلم يقينا أنهم لا يعظمون رسول الله ولا يحبونه، بل يتخذون محبته ذريعة إلى تحقيق فكرة الإنسان الكامل بين المسلمين.. ولذا فإنهم عندما يطلقون لقب الحقيقة المحمدية أو غيره مما يقوم مقامه لايقصدون به ذات النبي عليه الصلاة والسلام خاصة، بل كل ذات تتحقق فيها الأهلية ـ حسب شروطهم ـ لأن تصير في مرتبة الإنسان الكامل..
فليست هذه المرتبة حكرا على النبي أو غيره من البشر، بل هي مشاعة ينالها كل من هذب نفسه وصفاها على طريقة فلسفية خاصة حتى تصل إلى مرحلة الاتحاد بذات الله تعالى كما يقولون، تعالى الله عما يقولون، فإذا صارت كذلك نالت مرتبة الإنسان الكامل..
لذا فإنهم يعتقدون في مشايخهم ما يعتقدونه في الإنسان الكامل، فهم نور، وهم يعلمون الغيب، ويدبرون شؤون الكون، ومن هنا نفهم لماذا يصرون على تعظيم أولئك المشايخ هذا التعظيم الغالي الذي لا يجوز أن يكون إلا لرب العالمين..
يقول الجيلي:
" اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان... فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم هو في صورة شيخي إسماعيل الجبرتي" الإنسان الكامل 2/73
قال بعضهم:
كل النبيين والرسل الكــرام أتــوا ............ نيابة عنه في تبليغ دعـواه
فهو الرسول إلى كل الخلائق فـي ............ كل العصور ونابت عنه أفواه
(النفحات الأقدسية للبيطار ص17)
وإذا كنا قلنا إنهم لا يحبون رسول الله حقيقة، بل يتخذون المحبة ستارا لغاية علمناها من التفصيل السابق، فإننا نشير كذلك إلى أن لهم غاية أخرى يتوصلون إليها بهذه الدعوى ألا وهي: تعظيم ذواتهم، وإستذلال العباد، وتسخيرهم في شهواتهم.. وذلك حين يزعمون أن ذواتهم تمثل الحقيقة المحمدية، وقد مهدوا لذلك بقولهم إن هذه الحقيقة تظهر في كل زمان ومكان في صورة ولي من الأولياء..
ولعل هذا هو السبب الأول في الدعوة إلى محبة الرسول...
(( فهم ينتقلون منها إلى تعظيم ذواتهم))..
يظهر ذلك جليا من حيث إنهم لا يقفون عن حد الاحتفال بمولد النبي الكريم والتوسل به وشد الرحل إلى قبره، بل: (( يجيزون ويدعون إلى الاحتفال بمولد كل شيخ من مشايخهم والتوسل بهم وشد الرحل إلى قبورهم للتضرع والسؤال))..
كما هو معلوم، تحت اسم الولاية والتعظيم وطلب البركة..
ولو فرضنا صدقهم لكان ينبغي لهم ألا يشركوا أحدا مع رسول الله في تلك القضايا الثلاث، ولو كانوا صادقين لنهوا أتباعهم عن دعاء النبي وسؤاله ما لايقدر عليه إلا الله، وحينذاك نقول: إنهم صادقون في المحبة، مخطئون اجتهادهم...
لكنهم ما فعلوا هذا ولا ذاك، بل جعلوا لكل شيخ مرتبة تضارع مرتبة النبي وتفوقه حتى تصل إلى مرتبة الإله، وأذنوا في تقديم القربات إليهم من دون الله، فهم مشركون زنادقة متبعون لأهواءهم:
{ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لايهدي القوم الظالمين }...
( تلك هي الحقيقة.. لكن كثيرا منهم لا يعلمون)
فهذه هي حقيقة محبة رسول الله عند هؤلاء القوم، كما رأينا:
ليس فيها إلا تعظيم الذوات وإحياء دين الفلاسفة الوثنيين من فرس وهند ويونان، وفكرتهم تناقض الإسلام... فليس أحد فاض عن الله، بل كل الموجودات مخلوقة لله تعالى ليست من ذاته ولا من نوره.. وليس أحد من خلق الله يملك علم اللوح والقلم، ولا يقدر أحد على التصرف في الكون..
فمعتقد هذه الاعتقادات كافر بالله تعالى..
والحق أن كثيرا من أتباع هذه الفكرة لا يدركون حقيقتها..
وكثير من الذين يحتفلون بالمولد لا يعلمون أصل هذا الأمر..
بل كثير منهم صادقون في محبتهم وشعورهم تجاه الرسول لكنهم مخطئون حين لم يلتزموا المحبة الشرعية القائمة على الاتباع..
لكن البلية فيمن يعتنق هذا الفكر الإلحادي ويدعو إليه متخذا محبة رسول الله ستارا..
فهذا أصل الضلالة مصدر الغواية، إذن هذه هي الحقيقة، فمن جادلهم فليجادلهم فيها، وليحذر من الخديعة والحيلة فيظن أن القضية قضية مولد أو توسل أو سفر إلى قبر، بل القضية أخطر من تلك بكثير كما قد رأينا.

أبو سارة
[email protected]

الصفحة الرئيسة