بسم الله الرحمن الرحيم

يـــروى أن ســبب:...


ـ يروى أن سبب هداية الإمام الزاهد مالك بن دينار:
أنه كان مارا في طريق فوجد ورقة في مزبلة مكتوب عليها: "لا إله إلا الله"..
فأخذها وأزال عنها الوسخ، واشترى بدينار كان معه طيبا، فطيبها وجعلها في مكان مكرم...
فسمع في منامه من ليلته هاتفا يقول له:
" طيبت اسمي لأطيبن ذكرك في الدنيا والآخرة"...
فاستقيظ فكان آخر عهده بالمعاصي، وأول عهده بالإقبال على ربه والطاعة..
وقيل أنه رأى أيام شقائه رجلا قد تعلق برجل وهو يصيح:
" لقد أخذ هذا رزق بنياتي"..
فانتصر له وأخذ بحقه، ففرح ذلك الفقير ودعا له، فكان ذلك سبب إقلاعه عن الذنوب.
ـ لا يخلو الإنسان من معصية.........
فلو ترك كل عاص العمل للإسلام من أجل معصيته لما قام الدين ولما عز الإسلام والمسلمون..
إن المسلم في هذه الدنيا بين عدوين:
- عدو من داخل نفسه، وهو الهوى..
- وعدو خارج عن نفسه، وهو كل من خالفه في الدين، كالمشرك، والكافر والمنافق..
والحرب بينه وبين العدوين سجال، مرة ينتصر ومرة ينهزم..
فكما أن هزيمته أمام الكافر يجب أن لاتدعوه إلى التسليم والخضوع له، بل الواجب أن يعد العدة ليقلب الهزيمة نصرا، فكذلك هزيمته أمام نفسه وهواه ـ بارتكابه للمعصية ـ يجب أن لاتدعوه إلى الاستسلام لشرور النفس وبلائها، بل الواجب أن يجاهدها ويصابرها، قال تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}..
يجب أن لاتدعوه معصيته إلى ترك العمل للإسلام، بل الواجب أن يقاوم معصيته، بالصدق في نصح الأمة، والسعي في تخفيف آلامها، بالمال والكلمة الطيبة، وبعث الوعي فيها، وتبصيرها بمواقع الخطأ وطرائق الشياطين.
------
ـ إن بعض الناس يريد من الناصح أن يكون مبرءا من كل معصية..
وهذا مستحيل،.......!!!!!!....
وكثير من الناس لايقبل النصح إلا من السالم من كل عيب، ويتعجب أن يرى ناصحا للمسلمين متلبسا بنوع من المعصية!!!!!!!!!!.......
لكن الإسلام يبين لنا بوضوح أن المسلم قد تجتمع في حقه المعصية والطاعة على حد سواء، فلا مانع أن تجد مسلما يشرب الخمر وهو من المصلين الصائمين الذين يحبون رفعة الإسلام والمسلمين، كان رجل يضحك النبي عليه الصلاة والسلام، يؤتى به كثيرا ليجلد في الخمر، فلعنه بعضهم، فقال رسول الله:
( لاتلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) رواه البخاري
والله سبحانه بشر كل من خلط عملا صالحا وآخر سيئا، واعترف بسيئته، بالتوبة والمسامحة:
{ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم}..
قال العلماء:
" هذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين، إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين" تفسير ابن كثير
عن سمرة بن جندب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:
( أتاني الليلة آتيان فابتعثاني، فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم:
اذهبوا فقعوا في ذلك النهر.
فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة.
قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك.
قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فتجاوز الله عنهم). البخاري تفسير سورة براءة
---
ـ إن كثيرا من العاصين لايحملون هم هذا الدين، يستصعبون العمل لنصرة المسلمين لأجل معاصيهم، وهذا من مداخل الشيطان، يصد به المذنبين عن التزام الصراط المستقيم، والحق خلاف ما ظنوا:
فإنه ما حمل مسلم هم الإسلام إلا عافاه الله من المعاصي التي كان يرتكبها، ومنّ عليه بالتوبة النصوح، والشيطان يعلم هذا، فلذا يوسوس إليه:
كيف تدعو إلى الخير، وتنصح وتسعى في نشر الحق، وأنت عاص؟!!..
ويوهمه أنه لن يكون أهلا لهذا العمل إلا إذا تنزه من كل عيب ومعصية، ومن المعلوم أن من المستحيل يتخلص الإنسان من كل الذنوب، فإذا انصاع لهذه الوساوس بقي في قيد المعصية، فلم يخرج منها، وهذا ما يتمناه الشيطان...
إن من جزاء الحسنة الحسنة بعدها، كما أن جزاء السيئة السيئة بعدها، وليس أعظم حسنة من أن يحمل المسلم هم إقامة الدين في الأرض وإصلاح إخوانه المسلمين، فمن حمل هذا الهم وسعى فيه، أعقبه الله خيرا، يعافيه من بلاياه وذنوبه، ويقبل به على بابه، ويفتح عليه رحماته، قال تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلين}..
حبس سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه أبا محجن الثقفي في أبيات قالها في مدح الخمر إبان معركة القادسية، فلما اشتد القتال قال لسلمى زوج سعد:
هل لك إلى خير؟..
قالت: وماذاك؟..
قال: تخلين عني، وتعيريني البلقاء، فلله علي إن سلمني الله، أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي.
فأبت، فقال:
كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا............... وأترك مشدودا علي وثاقيا
فرقت له وأطلقته وأعطته البلقاء فرس سعد فركبها ودخل القتال، فكان يقصف الناس قصفا، وهو كالليث الضرغام، قد هتك الفرسان كالعقاب، وتعجب الناس منه وهم لايعرفونه، وبعض الناس يقولون:
لولا أن الملائكة لاتباشر الحرب لقلنا: إنه ملك يثبتنا..
وسعد ينظر فيتعجب منه، ويقول: لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن، وهذه البلقاء..
فلما جاء الليل رجع سجنه وأعاد القيد في رجله، فعلم سعد بأمره فدعاه وقال له:
إذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله..
قال: لاجرم والله لا أجيب لساني إلى قبيح أبدا... الكامل لابن الأثير2/331
---
ـ وقد ذكر العلماء مسألة في التوبة:
أن العبد إذا تاب من الذنب، فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة؟..
والجواب: أن من التائبين من يعود إلى مرتبته، ومنهم من لايعود، ومنهم من يعود إلى أعلى منها، فيصير بعد الذنب خيرا مما كان قبل الذنب، بحسب حال التائب وجده وصدقه وندمه.. تهذيب مدارج السالكين 164
ولذا قال قال من قال:
" رب معصية أدخلت الجنة، ورب طاعة أدخلت النار"..
وتفسير ذلك: أن هذا العاصي لما ارتكب المعصية صار في خوف ووجل واستحياء من الله، فتاب توبة نصوحة، وندم ندامة كبيرة، وصار ذنبه بين عينيه، كلما تذكره ذل لله وخشي مقام ربه، ورهب العقاب، وتضرع إلى مولاه أن ينجيه من كربته: فهو في توبة دائمة، ومسارعة إلى الخير، وحذر من الشر، يرى العاصين فيرحمهم ويتمنى لهم الهداية والنجاة..

فمثل هذا الحال لم يكن منه لولا تلك المعصية، فاستحق بذلك دخول الجنة..
وهذا بخلاف الطائع المغرور بطاعته، المدل على ربه، المعجب بصلاته وصيامه وصدقته، المتكبر على الخلق بعباداته، الذي يزدري العاصين ويسخر منهم، يحكم عليهم بالهلاك، ويحكم لنفسه بالنجاة..
فإن مثل هذا لايقبله الله، فلا يقبل الله إلا من الخائفين المنكسرين، لا الآمنين المتكبرين المعجبين المغرورين.
ومن أمثلة الذين تابوا فكانوا بعد التوبة خير مما كانوا عليه قبلها، صلاح الدين الأيوبي فاتح بين المقدس ومنقذه من أيدي النصارى الكفار، ذكر المؤرخون أنه لما ملك مصر فاستقرت الأمور بيده، هانت عنده الدنيا، وشكر نعمة الله عليه، فتاب من الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، وما زال على قدم الخير وفعل ما يقربه إلى الله تعالى إلى أن مات بعد أن فتح البلاد..فكان بعد توبته خيرا من قبلها رحمه الله. ... وفيات الأعيان 7/151
ومن ذا الذي ترجى سجاياه كلها ............كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه
-----
ـ ليست المعصية عيبا، إنما العيب الإصرار عليها..
والله تعالى لاينهى العاصي أن يدعو إلى سبيله إذا كان يتألم لمعصيته ويرجو التوبة والهداية، إنما يتوعد من يأمر الناس بالبر وينسى نفسه، الذي إذا ظهر أمام الناس خدعهم بصلاحه، وإذا خلى بنفسه فعل المعاصي دون خوف من الله..
ـ وصاحب المعصية بإمكانه أن يدعو إلى الله من خلال إهداء الشريط المفيد والكتاب النافع والمجلة الهادفة والفتوى المهمة، من خلال مواساة الضعفاء والنصح للعامة، ومن أعظم من يمكن أن ينفع به إخوانه المسلمين أن يحذرهم من طرائق الشياطين وكيدهم، فالمرتكب للمعصية أعرف من غيره بالطرق التي تؤدي إلى المعاصي، فمن تمام توبته وصدقها وقبولها:
أن يبين لغيره كيف يستدرج الشيطان الإنسان؟..
وما هي آثار المعصية على قلب العبد؟..
فليس من رأى كمن لم ير، ولا من ذاق كمن لم يذق.

أبو سارة
[email protected]

الصفحة الرئيسة