بسم الله الرحمن الرحيم

أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي (76)


المبحث الخامس
حقوق السيد والمستأجر على العبد والأجير

اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يكون بعض عباده أغنياء وسادة مخدومين، وأن يكون بعضهم فقراء عبيدا أو خادمين، وشرع تعالى للسادة والأغنياء المخدومين حقوقا على العبيد والخدم، كما شرع للعبيد والخدم حقوقا على السادة والأغنياء المخدومين.

وفي هذا المبحث مطلبان:

المطلب الأول: طاعة العبدِ سيدَه، والأجيرِ مستأجرَه في غير معصية.
فالعبد مع سيده شبيه بالولد مع والده، يجب عليه أن يطيع سيده في المعروف، ولا يجوز له أن يعصيه، فإذا عصاه، كان عصيانه نوعا من الإباق الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم.
روى جرير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة) [مسلم (1/83)]. وفي رواية: (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة) [المصدر السابق].
ووجه الاستدلال من الحديث، أن في إباق العبد عن سيده عصيانا له، وقد توعده الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الإباق بهذا الوعيد الشديد، وعلى هذا فعصيانه لسيده لا يجوز له وهو معاقب عليه، ولو لم يكن آبقا، إلا أن درجة عقابه تختلف باختلاف معصيته.

المطلب الثاني: أن يكون العبد والأجير أمينين ناصحين.
فلا يجوز للعبد أن يخون سيده، فإذا خانه فقد اتصف بصفات المنافقين كما مضى في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه [تقدم في المطلب العاشر من المبحث الرابع]. بخلاف، ما إذا نصح لسيده أو مستأجره وأدى ما له عليه بأمانة، فإنه يؤجر أجرين: الأول على طاعته ربه، والثاني على نصحه لسيده.

وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (للعبد المملوك المصلح أجران) ثم قال أبو هريرة: "والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك " [صحيح مسلم (3/1284)].
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا نصح العبد لسيده، وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين) [البخاري (3/124) ومسلم (3/1284)].

وهكذا يجب أن يكون الخادم مطيعاً لمخدومه في غير معصية الله، وأن يقوم بما أوجب الله عليه من عمل تعاقد عليه الخادم والمخدوم بإتقان وأمانة، واضعاً نصب عينيه أن إتقان عمله، إحسان يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
كما قال تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) [البقرة: 195].

وروى شداد بن أوس، رضي الله عنه، قال: (اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته" [مسلم (3/1548)].
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، في روايته حديث جبريل المشهور، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [البخاري (1/18) ومسلم (1/36)].

وقد حكى الله تعالى عن بنت الرجل الصالح، التي طلبت من أبيها استئجار موسى عليه السلام أنها وصفته بصفتين، إذا وجدتا في الأجير اطمأن المستأجر على حقوقه كلها، وهما القوة التي يقدر بها على أداء العمل، والأمانة التي تكون حافزاً له على الوفاء بما اتفقا عليه. قال تعالى: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) [القصص: 26].
وبأداء العبد والخادم حقوق السيد والمستأجر يتم أمن الأسرة بأداء بعضها حقوق بعض.

كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل