بسم الله الرحمن الرحيم

أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي (81-86)


81

الباب الثالث: تربية المجتمع
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية.
الفصل الثاني: تجنب الأسباب المؤدية إلى فقد الأخوة الإسلامية أو ضعفها.
الفصل الثالث: تحقيق معنى الولاء والبراء بين المسلمين.


الفصل الأول:
السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية.

وفيه تمهيد وثمانية عشر مبحثاً:
المبحث الأول:المحبة في الله.
المبحث الثاني: التزاور والتواصل.
المبحث الثالث: الدعوة إلى الطعام وإجابتها.
المبحث الرابع: إعانة المحتاجين والضعفاء.
المبحث الخامس: إفشاء السلام.
المبحث السادس: طلاقة الوجه وطيب الكلمة.
المبحث السابع: التواضع وقبول الحق.
المبحث الثامن: العفو والسماحة، ودفع السيئة بالحسنة.
المبحث التاسع: المواساة والإيثار.
المبحث العاشر:حسن الظن.
المبحث الحادي عشر: نصر المظلوم.
المبحث الثاني عشر: ستر المسلم.
المبحث الثالث عشر: تعليم الجاهل والرفق به.
المبحث الرابع عشر: الإحسان إلى الجار.
المبحث الخامس عشر: حب الطاعات وبغض الفواحش.
المبحث السادس عشر: أداء الواجبات والحقوق.
المبحث السابع عشر: الصدقة الجارية.
المبحث الثامن عشر: النصح لكل مسلم.


تمهيد:

إن الأسر تتكون من الأفراد، والمجتمع يتكون من الأسر، وقد سبق في البابين الأول والثاني، تربية كل من الفرد والأسرة. وفي هذا الباب إيجاز لبيان تربية المجتمع.

ومما لا شك فيه أن المجتمع الذي يتكون أفراده وأسره، ممن ربوا على الإسلام تربية سليمة، يكون مجتمع خير وصلاح وتعاون، لأن كل فرد فيه قد علم ما له وما عليه، وزكى نفسه بطاعة ربه، حتى أصبحت تؤدي ما عليها من واجبات عن رضا واطمئنان، وأصبح كل فرد آمنا على نفسه وماله وعرضه، وبذلك يكون المجتمع كله مجتمع أمن واستقرار.

والمقصود هنا بيان الأسباب والوسائل التي يزداد المجتمع بها تماسكا واطمئنانا، لاشتراك أعضائه في التعامل بكافة فروعها. وأساس ذلك أن يحققوا فيما بينهم الأخوة الإسلامية التي عدها الله سبحانه وتعالى من أعظم نعمه التي امتن بها على عباده، وهي نعمة لا تضاهيها نعمة الأخوة النَّسَبية، إذا فقدت أخوة الإسلام بين ذوي النسب الواحد.

قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)) [آل عمران: 102ـ103].

أمر الله سبحانه المؤمنين في هاتين الآيتين، أن يحرصوا على دينهم ويحفظوه حتى يموتوا عليه، كما أمرهم بالاجتماع عليه وعدم التفرق، فيه وأمرهم أن يذكروا نعمته عليهم بهذا الدين الذي جمعهم به بعد فرقة، وألف به بين قلوبهم بعد نفرة، ووحشة، وحقق لهم به الأخوة الإيمانية التي أثمرت بينهم المحبة والود، بعد أن فشلت أخوة النسب وحدها عن تحقيق ذلك.

قال ابن جرير الطبري، رحمه الله: "قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم، وهم إخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم.
ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فذكرهم جل ثناؤه إذ وعظهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء، بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا، وخوف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانا". [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/33ـ34)].

وذكر رحمه الله - قبل هذا - عن قتادة قوله: قوله تعالى: ((واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم)): كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب". [المصدر نفسه].

يظهر من الآية الكريمة وما قيل فيها، أن الأمن الحق في الأخوة الإيمانية، وأن الخوف والقلق في فقدها، فإذا أراد المسلمون أن يحققوا الأمن، فليحققوا الأخوة الإيمانية، على هدى من الله ونور.

وقال تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم لعلكم ترحمون)) [الحجرات:10].
قال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة)) أي في الدين والحرمة، لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فان أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب...". [الجامع لأحكام القرآن (16/322)].

وقال سيد قطب، رحمه الله: "ومما يترتب على هذه الأخوة، أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة، هي الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون الخلاف أو القتال، هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة، وهو إجراء صارم وحازم كذلك. [في ظلال القرآن (26/3334)].

فلا بد هنا من بيان ما يترتب على الأخوة الإسلامية، من مصالح تحقق للمجتمع الإسلامي أمنه وتماسكه وسعادته في الدنيا والآخرة، وبيان ما يناقض ذلك، مما تفقد معه الأخوة الإسلامية أو تضعف، وما يجلبه فقدها من فرقة وخوف وهوان.

فلنبدأ بمباحث هذا الفصل، وهو تعاطي الأسباب التي تحقق الأخوة الإسلامية، وهي ثمانية عشر مبحثاً.

(82)

المبحث الأول: المحبة في الله

وذلك أن يظلل أفرادَ المجتمع حبُّ بعضهم لبعض، حباً يقصد به وجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا الزائلة، فإن الحب في الله يدوم، لدوام سببه، بخلاف الحب من أجل غرض مادي، فإنه يزول بزوال ذلك الغرض.

ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحب من أجل الله وحد، إحدى الخصال التي توجد بها حلاوة الإيمان، كما روى أنس، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار). [البخاري (1/9ـ10) ومسلم (1/66)].

فمحبة المؤمن لأخيه المؤمن هي في حقيقتها ناشئة من حبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، كما يفهم من حديث أنس السابق الذي جمع بين تلك الأمور: حب الله ورسوله، وتقديمه على كل محبوب، وحب المسلم أخاه المسلم لله تعالى، وكراهة الكفر المتضمنة لحب دين الإسلام.

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم المتحابين في الله، من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه). [البخاري (1/160ـ161) ومسلم (2/715)].

وينال المتحابون في الله كرامة ربهم وعنايته بهم، فيناديهم أمام الأشهاد لبيان ارتفاع درجاتهم وعظم شأنهم، ويمنحهم ظله الظليل الذي يكون الناس في أشد الحاجة إليه، جزاء وفاقاً، استظلوا بحبه وحب رسوله وعباده المؤمنين في الدنيا، فأظلهم بظله في الآخرة.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). [مسلم (4/988)].

والمؤمن الذي يحب أخاه المؤمن في الله، قد بشر بحب الله له وهو حي في الدنيا، قبل أن ينتقل إلى الدار الآخرة، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجلا زار أخاً له في قرية، فأرصد الله له على مدرجته، [أي أقعد له على طريقه] ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عـز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك، كما أحببته فيه). [مسلم (4/1988) ومعنى "تربها" تقوم بإصلاحها، وتنهض إليه بسببها].

والمحبة الخالصة في الله سبحانه وتعالى، عزيزة نادرة، لا توجد إلا لأولياء الله المتقين، الذين أخلصوا النية لله تعالى، في القول والعمل وجعلوه نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، وإلا فأغلب الناس لا يحب أخاه إلا لما يرجوه منه من نفع.
وأفضل المحبين من أحب أخاه المؤمن لمصلحة دينية، كتعليم العلم والإرشاد إلى طاعة الله ونحوها، وأفضل هؤلاء من جرد محبته لأخيه المؤمن لوجه الله الكريم، وإذا تمكنت محبة المؤمنين بعضهم لبعض من قلوبهم، ساد بينهم الأمن والاطمئنان ورفرفت على ربوعهم السعادة، لأن المحب يسعى في صلاح من يحب وجلب الخير له، ودفع ما يضره عنه، كل واحد منهم آمن ومأمون.

ولما كان الأحبة يأمن بعضهم بعضا،ً شرع للمرء إذا أحب أخاه أن يخبره بذلك، لتزداد الألفة ويتمكن الأمن في قلب أخيه، فقد روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعلمته)؟ قال: لا، قال: (أعلمه)، قال: فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له. [أبو داود (5/344) وهو في شرح السنة للبغوي (13/66ـ67) قال المحشي عليه: إسناده حسن].

(83)

المبحث الثاني: التزاور والتواصل.

إن زيارة المسلم لأخيه المسلم، قاصداً بها وجه الله، من القِرَب التي يحبها الله ويحب فاعلها، وقد سبق قريباً قصة الرجل الذي أرصد الله له ملكاً على مدرجته عندما زار أخاً له في الله.

وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه للرجل الذي قال له: (والله إني لأحبك في الله) فقال له – بعد أن استحلفه أبْشِر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ) [الموطأ (2/953ـ954) وقال محققه محمد فؤاد عبد الباقي: هذا الحديث صحيح، قال الحاكم على شرط الشيخين، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح]..

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عاد المسلم أخاه أو زاره، قال الله تبارك وتعالى: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت في الجنة منزلا". [المسند (2/326) والترمذي (4/365) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة (1/464) وقال محقق شرح السنة للبغوي: وفي سنده أبو سنان عيسى ابن سنان، وهو لين الحديث، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان].

وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، رحمه الله: قلت: "زيارة الأخوان مستحبة، وينظر الزائر في ذلك، فإن رأى أخاه يحب زيارته ويأنس به، أكثر زيارته والجلوس عنده، وإن رآه مشتغلاً بعمل، أو رآه يحب الخلوة، يقل زيارته، حتى لا يشغله عن عمله، وكذلك عائد المريض، لا يطيل الجلوس عنده، إلا أن يكون المريض يستأنس به. [شرح السنة (13/59)].

وزيارة المريض قد حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من الزيارات التي تزيد في المحبة بين الزائر والمزور وأهله، لما فيها من المواساة وإشعار المريض بالعناية به ومتابعة أحواله وتمني زوال ما به، وقد أمر بعيادة المريض الرسول صلى الله عليه وسلم وعدها من حقوق المسلم على أخيه.
روى البراء رضي الله عنه، قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز وعيادة المريض... " الحديث [البخاري (2/70) ومسلم (3/1635)]..

وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس). [البخاري (2/70) ومسلم (4/1704)].

وروى ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضاً، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع". [مسلم (4/1989) والمراد بخرفة الجنة: ما يخترف من ثمارها كما يخترف من النخل حين يدرك، راجع الحاشية على الحديث في مسلم].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المرضى مع أصحابه، ليكون قدوة بفعله، معط أمره بذلك كما روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال:
كنا جلوسا مع رسول صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة)؟ فقال: صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعوده منكم)؟ فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص: نمشى في تلك السباخ، حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه. [مسلم (2/637)].

ولا يعلم قيمة الزيارة وعيادة المريض إلا من كابد الوحشة في صحته أو مرضه، فبقي وحيدا لا يسأل عنه أحد، وما أكثر هذا في بلاد الكفر، وفي بعض البلدان الإسلامية التي ابتعد أهلها عن آداب الإسلام.

(84)

المبحث الثالث:
الدعوة إلى الطعام وإجابتها:

ومن السنن المشروعة الجالبة للمحبة، أن يصنع المسلم طعاماً ويدعو إليه من قدر على دعوته من إخوانه لتناوله، وبخاصة في المناسبات، كوليمة العرس، والذبح عن المولود، وهو ما يسمى بالعقيقة أو عند الحاجات، كالسنة المجدبة التي يحتاج فيها الناس إلى الطعام أكثر من غيرها، وليقدم في مثلها من هم أكثر حاجة من سواهم.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمر من تزوج من أصحابه أن يولم، كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، وتزوج امرأة من الأنصار: (كم أصدقتها)؟ قال: وزن نواة من ذهب… – وقال له -: (أولم ولو بشاة). [البخاري (6/142) ومسلم (2/2042ـ1043)].

وكان هو صلى الله عليه وسلم، إذا تزوج أولم ودعا أصحابه لتناول الطعام، كما روى أنس – أيضا -: "ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة". [البخاري (6/142) ومسلم (2/1048ـ1049)].
وفي رواية: "أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بنى بزينب ابنة جحش، فأشبع الناس خبزاً ولحماً". [البخاري (6/26) ومسلم (2/1046)].
وأمر صلى الله عليه وسلم بإجابة الدعوة، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم". [البخاري (6/143ـ144].

ووصف أبو هريرة، رضي الله عنه من دعي فلم يجب إلى طعام الوليمة بالعصيان، فكان يقول: " بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله". [البخاري (6/144) ومسلم (2/1054)].
ويؤخذ من هذا أن ينبغي لمن أولم أن يدعو لوليمته المحتاجين، لما في ذلك من إشباع الجائع، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه من فقراء الصحابة الذين يحتاجون إلى الرعاية وسد الحاجة، ولذلك كان يشعر بما في دعوة الأغنياء وترك الفقراء.

وكان الصحابة، رضي الله عنهم، إذا علم أحدهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جائع صنعوا له الطعام ودعوه، فيجيب ويدعو أصحابه الذين يعلم أنهم محتاجون إلى الطعام مثله، كما في قصة الخندق، إذ رآه جابر رضي الله عنه وهو جائع، فعاد إلى امرأته، فأمرها أن تصنع له طعاماً، ليدعوه، وكان عنده صاع من شعير وشاة صغيرة، فأخذت هي في صنع الطعام.
وذهب جابر، فسارَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأتي مع نفر قليل معه لتناول الطعام، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الخندق، وهم ألف، وبارك الله في شاة جابر.
فكانت كما قال جابر رضي الله عنه: "فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو" [البخاري (5/45ـ47) ومسلم (1610ـ1611)].

ففي أمره صلى الله عليه وسلم بالوليمة، وإجابة الدعوة، وكونه هو صلى الله عليه وسلم كان يولم ويدعو للناس فيأكلون حتى يشبعوا، وإذا صنع أصحابه طعاماً دعوه فأجاب، ودعا معه غيره، ما يدل على أن السنة أن يكون ذلك دأب المسلمين، لما فيه من إطعام الجائع وإدخال السرور على الداعي والمدعو معاً.
وقد جعل صلى الله عليه وسلم إطعام الطعام من الأمور المفضلة في الإسلام.
روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف). [البخاري (1/9) ومسلم (1/659)].
وينبغي أن يدعو المسلم أخاه المسلم دعوة خاصة به لتناول الطعام عنده إذا أحس أن في نفسه عليه شيئاً، لإزالة ما في نفسه.

(85)

المبحث الرابع:
إعانة المحتاجين والضعفاء:

إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق متفاوتين في القوة والضعف وفاضل بينهم في الرزق، والعادة أن الضعيف يحتاج إلى القوي، والفقير يحتاج إلى الغني، والمريض يحتاج إلى الصحيح، والجاهل بصنعةٍ مَّا يحتاج إلى العالم بها، وهكذا...
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، والذي يحتاج أخوه إلى إعانته اليوم، قد يحتاج هو إلى إعانة أخيه غداً، وإعانة كل واحد أخاه في قضاء حاجته، تعد من شكر الله تعالى على نعمه، إذ جعله قادراً على ذلك، فعلى البدن زكاة كالمال، وكذلك العلم.

روى أبو بردة عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على كل مسلم صدقة) فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: (يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: (يعين ذا الحاجة الملهوف) قالوا: فان لم يجد؟ قال: (فليعمل بالمعروف، ويمسك عن الشر، فإنها له صدقة). [البخاري (2/121) ومسلم (2/699)].

والذي يقضي حاجة أخيه في الدنيا يقضي الله حاجته يوم القيامة، عندما يكون أحوج إليها من حاجة أخيه في الدنيا.
وقضاء الحاجات هو مقتضى الأخوة الإسلامية، روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ). [البخاري (3/98) ومسلم (4/1696)].

وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إعانة الصانع في صنعته، أو الصناعة لمن لا يتقن الصنعة، من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، كما روى أبو ذر رضي الله عنه، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيله) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها) قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق) قال: فإن لم أفعل؟ قال: (تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك). [البخاري (3/117) ومسلم (1/88ـ89)].
وهذا الحديث يوضح أن تربية المجتمع في الإسلام تقوم على فعل الخير وترك الشر، وهذا هو الأمن الذي ينشده العالم كله، ولا يمكن أن يجده إلا في التربية الإسلامية.
ولقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى قرب كافل اليتيم منه في الجنة، كما روى سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. [البخاري (7/76) ومسلم (4/2287)].
وكفالة اليتيم شاملة لتربيته والقيام بتعليمه وإصلاحه، وإصلاح أمواله وحفظها، وعدم الاعتداء عليها أو التفريط فيها، وشاملة كذلك للإنفاق عليه إذا لم يكن له مال، ولطف معاملته والرفق به، وقد أبرز الله العناية به في كتابه، فقال تعالى في حفظ ماله: ((وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً)). [النساء:2].

وقال تعالى: ((وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا)). [النساء:6].
وقال تعالى في إطعامه والإنفاق عليه: ((فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة)). [البلد: 11ـ15].
جعل تعالى الإنفاق على اليتيم وإطعامه في وقت المجاعة من أسباب قطع الطريق الصعب إلى الله تعالى. [راجع الجامع لأحكام القرآن (20/66)].

ومثل اليتيم المسكين والأرملة ونحوهما، كما قال تعالى: ((أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة)) [البلد: 15ـ16].
والسعي على الأرملة والمسكين وسد حاجتهما، نوع من الجهاد في سبيل الله ومن العبادة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، كالصلاة والصيام، كما روى صفوان بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل). [البخاري (7/76)].
وفي رواية من حديث أبي هريرة: (كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر). [البخاري (7/77) ومسلم (4/2286)].

والمقصود أن إعانة المحتاج من الأمور التي يجب أن يربى عليها المجتمع، وهي غير منحصرة، فقد يحتاج المريض إلى الإسعاف، ويحتاج من ضعفت دابته، أو تعطل مركوبه من سيارة أو غيرها، إلى إعانة بنقله أو بإصلاح مركوبه، وقد يحتاج حامل الشيء الثقيل إلى حمله له، وقد يحتاج من فقد ماله إلى إعانة وهكذا...
فالحاجات غير متناهية، والإعانة مطلوبة في كل حال، والناس يختلفون في القدرة على الإعانة، فقد يكون بعضهم قادراً على شيء، والآخر قادراً على شيء آخر، فعلى كل واحد أن يعين المحتاجين حسب طاقته.
وتأمل حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته، يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة). [البخاري (3/224) ومسلم (7/699)].

(86)

المبحث الخامس: إفشاء السلام:

السلام تحية المؤمنين، وأفضلها أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويجوز أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله، أو السلام عليكم، والثانية أفضل من الثالثة.
قال تعالى: ((وإذا حيبتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، إن الله كان على كل شيء حسيبا)). [النساء:86].
وروى ابن جرير عن سلمان الفارسي، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: (وعليك ورحمة الله) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعليك ورحمة الله وبركاته) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: (وعليك) فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ؟ فقال: (إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله: ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها)) فرددناها عليك). [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (5/190)].
وقال ابن كثير، رحمه الله – بعد أن ذكر ما أورده ابن جرير عن سلمان -:
"وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد بسنده عن عمران بن حصين، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول الله" فرد عليه ثم جلس، فقال: (عشر) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه، ثم جلس، فقال: (عشرون) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس، فقال: (ثلاثون) وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه ". [تفسير القرآن العظيم (1/531) وأبو داود (5/379ـ380) والترمذي (5/52ـ53) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه].

والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، كما قال تعالى: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن..)) [الحشر:23].
قال الإمام البخاري -رضي الله عنه: باب السلام اسم من أسماء الله تعالى ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردَوها)) ثم ساق بسنده حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه.
فقال: (إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير بعد من الكلام ما شاء). [البخاري (7/127) ومسلم (1/301ـ302)].

والذي يستعرض آيات القران الكريم التي ورد فيها ذكر السلام، يوقن بأنه أعظم تحية منحها الله عباده الصالحين في الدنيا والآخرة، فهي التحية التي أسبغها الله على رسله الكرام.
كما قال تعالى: ((سلام على نوح ني العالمين)) [الصافات:79]. (سلام على موسى وهارون)، [الصافات:120]. ((سلام على آل يس))، [الصافات:130]. ((وسلام على المرسلين)). [الصافات:181].
وهي تحية رسل الله في السماوات ورسله في الأرض، كما قال تعالى: ((ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا سلاماً قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ))، [هود:69]. ((هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قوم منكرون)). [الذاريات:24ـ25].

وهي تحية رسل الله في الأرض وأتباعهم من المؤمنين، كما قال تعالى: ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم)). [الأنعام:54].
وهي تحية أصحاب الأعراف لأهل الجنة: ((ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم)). [الأعراف:46].

وهي تحية الملائكة في الآخرة لأهل الجنة، كما قال تعالى: ((جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))، [الرعد:23ـ24]. ((الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)). [النحل:32].
((وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)). [الزمر:83].

وفي الجنة يكرم الله عباده المؤمنين، فلا يسمعون لغو الكلام الذي كانوا يسمعونه في الدنيا فيؤذيهم، وإنما يسمعون هذه الكلمة المحبوبة: ((لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما)). [الواقعة: 25ـ26].
وهي تحيتهم التي لزموها في الدنيا فكانت تحيتهم في الجنة: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وأخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين))، [يونس: 10].
((وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام))، [إبراهيم:23].
((تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً)). [الأحزاب: 44].

وإن تحية أكرم الله تعالى بها عباده من الملائكة والرسل وأتباعهم في الحياة الدنيا والآخرة، وجعلها تحية المصلين لأنفسهم ولإخوانهم من عباد الله الصالحين، إن هذه التحية التي هذه منزلتها عند الله وعند أوليائه، لجديرة بالالتزام والنشر ولا يليق بالمؤمن أن يستبدل بها غيرها، وهي من الأسباب العظيمة الجالبة للمحبة والألفة والأمن والاطمئنان.
كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). [مسلم (1/24)].
فإذا كان دخول الجنة مشروطاً بالإيمان، ومن لوازم الإيمان المحبة، وإفشاء السلام من أسبابها، فهل يليق بالمسلم أن يفرط في السلام؟

وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إفشاء السلام بين المؤمنين، بحيث لا يلتقي اثنان أو أكثر على أي حال من الأحوال التي يشرع فيها ذكر الله إلا حيا بعضهم بعضاً، فالماشي يسلم على القاعد، والراكب يسلم على الماشي، والقليل يسلم على الكثير، والصغير يسلم على الكبير، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) [البخاري (7/127) ومسلم (4/603)]. وفي رواية من حديث له: "يسلم الصغير على الكبير". [البخاري (7/127)].

ويسن أيضا أن يسلم الكبير على الصغير، لأنه قد يغفل هو عن البدء بالسلام، وفي ذلك قدوة له وتربية، تأمل كيف أثر سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض صبيان المدينة، فما كان ينسى أصحابه ذلك، بل كانوا يفعلونه كما حفظوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ثابت البناني رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ". [البخاري (7/131) ومسلم (4/1708) وكان أنس من صغار الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي خدمه عشر سنين].

وإن المسلم حين يلقى المسلم فيسلم عليه، ليزيل بذلك الوحشة من بينهما، ويفتح باب إقبال أحدهما على الآخر وشعوره بالألفة والمحبة، بل يشعر كل منهما بالأمن مع أخيه، ولذلك ترى - غالباً - الابتسامة والبشر على وجوه من بدأوا بالسلام أو ردوه، بخلاف ما إذا التقى اثنان فأكثر، فلم يسلم أحد على أحد، فإنك ترى وجوههم عابسة غير طلقة، وكل منهم لا يشعر بذلك الأمن والاطمئنان الذي يشعر به المُسَلِّم والمُسَلَّم عليه.

ولقد أهمل كثير من المسلمين هذه التحية، إذ تجد الرجل يمر بأخيه وجها لوجه، فلا يحييه بها، وترى الابن يلتقي بأبيه فلا يسلم عليه، بل الأدهى من ذلك أن تسمع المسلم يفشي تحية الكفار بلغتهم ويهمل تحية الإسلام، وقد ابتلى الله المسلمين بالعداوة والبغضاء ونزع من نفوسهم محبة بعضهم بعضاً، وجعلهم يعيشون عيشة خوف بعضهم من بعض، بدلاً من عيشة الأمن والسلام التي تضمنتها تحية الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل