بسم الله الرحمن الرحيم

أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي (87-91)


87

المبحث السادس: طلاقة الوجه وطيب الكلمة:

إن الوجه العبوس لا يألف الناس صاحبه ولا يقبلون عليه، ولو كان ذا خلق حسن في أمور أخرى، لأن وجه الإنسان هو الذي يواجه به الناس بادىء ذي بدء، فإذا رأى الناس امرأً عابس الوجه، اشمأزت نفوسهم منه لأول وهلة، واتهموه بأنه سيء الخلق، وقد يتهمونه بالكبر، فإذا خالطوه قد وجدوا منه كلمة طيبة وأخلاقاً حسنة، تجعلهم يتركون سوء الظن به، كأن يكون كريماً، وفياً بالعهد، صادقا، عادلا.
أما إذا وجدوه فظا غليظ القلب في كلامه، إضافة إلى عبوس وجهه وتقطيبه، فإن ذلك يؤكد لهم سوء خلقه، وذلك داع إلى عدم الاختلاط به، لأن عبوس الوجه وخشونة الكلام، قلما يخالط الناس من اتصف بهما إلا لضرورة.
وهذا بخلاف الإنسان البشوش، طلق الوجه الذي يقابل الناس بالابتسام والانبساط وطيب الكلام، فإنهم يقتربون منه ويألفونه ويحادثونه ويحبونه، ولو لم يدروا شيئاً عن أخلاقه الأخرى.
والغالب أن الذي يكون طلق الوجه، طيب الكلام، يكون حسن المعاملة مع الناس، إلا إذا كانت طلاقة وجهه وطيب كلامه صادرين عن تكلف، ليتخذهما مصيدة لأغراض معينة، كما هي عادة المنافقين والغادرين، ولكن هؤلاء تكشف أحوالهم بالمخالطة والمعاملة.

هذا، ولما كانت طلاقة الوجه وطيب الكلمة من الأخلاق الفاضلة التي تقرب المسلم من أخيه المسلم وتحببه إليه، بل تقرب غير المسلم إلى المسلم، فيتأثر به وقد يسلم على يديه، فقد حث عليهما القرآن الكريم والسنة النبوية، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوة الأمة الإسلامية فيهما.
وقد كان القول الحسن والكلمة الطيبة من الأمور التي أخذ الميثاق عليها من بني إسرائيل، كما قال تعالى: ((وإذ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمسكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضو ن)). [البقرة:83].

قال الفخر الرازي، رحمه الله: "قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس، إما أن يكون في الأمور الدينية، أو في الأمور الدنيوية، فإن كان في الأمور الدينية، فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار، أو في الدعوة إلى الطاعة، وهو مع الفاسق.

أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن، كما قال الله تعالى لموسى وهارون: ((فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى)) [طه:43ـ44].
أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون، مع جلالتهما، ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ((ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)). [آل عمران:159].

وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر، قال تعالى: ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)) [النحل:125].
وقال: ((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)). [فصلت:34].
وأما الأمور الدنيوية، فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: ((وقولوا للناس حسناً)) [التفسير الكبير (3/169)].

وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يحب القول السيئ والجهر به، إلا إذا كان صاحبه مظلوماً مضطر للجهر به بسبب ظلمه، فقال عـز وجل، ((إن الله لا يحب الجهر بالسوء إلا من ظلم وكان الله سميعا بصيرا)). [النساء:148].
فكل قول سيء لا يجوز الجهر به، لأن الله لا يحبه، إلا في حالة الضرورة، وهي أن يظلم المرء فيضطر إلى ذكر ما ظلم به من ظالمه.
ودل القران الكريم أن تجهم الوجوه ليس من صفات المؤمنين، كما قال تعالى: ((وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا)) [الحج:72].

إن تجهم وجوههم حصل بسبب سماعهم الحق الذي يتلى عليهم في آيات الله، فلا تنبسط وجوههم إلا للباطل، بخلاف المؤمن، فإنه ينبسط وجهه ويأنس بالناس وبخاصة أهل الحق، ولا يمتعض ويتجهم وجهه، إلا إذا انتهكت محارم الله.

أما السنة فقد ورد فيها الكثير من النصوص الدالة على حسن طلاقة الوجه وبشاشته وطيب الكلام وجماله.
فمن ذلك حديث أبى ذر، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق). [مسلم (4/2026)].
وحديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك). [الترمذي (4/347) وقال: هذا حديث حسن].

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتبسط مع أصحابه ويلاطف صغارهم، قال البخاري رحمه الله: (باب الانبساط إلى الناس)، وساق بسنده حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه يقول: "إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: (يا أبا عمير ما فعل النغير). [البخاري (2/102) ومسلم (3/1692) والنغير طائر صغير كان يلعب به الصبي].

كما ساق البخاري بسنده عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إليّ فيلعبن معي". [البخاري (7/102) ومسلم (4/1890) ومعنى: يتقمعن: ينعزلن عنه حياءً وهيبة، ومعنى يسربهن: يرسلهن].

وفي حديث أبي جرَّيْ جابر بن سليم، مما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولا تحقرن شيئا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف). [أبو داود (4/344ـ345)].

وحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على فعل الخير اتقاء نار جهنم به، وذكر من ذلك الكلمة الطيبة، كما روى عدي بن حاتم، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار، فتعوذ منها، وأشاح بوجهه… ثم قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة) [البخاري (7/79ـ80) ومسلم (2/703ـ704)].

وعد صلى الله عليه وسلم تبسم المسلم في وجه أخيه المسلم صدقة، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة …) الحديث [الترمذي (4/340) وقال: هذا حديث حسن غريب].
وكان من خلقه صلى الله عليه وسلم التبسم في وجوه أصحابه، حتى قال عبد الله بن الحارث بن حزم، رضي الله عنه: "ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم" [الترمذي (5/601) وقال: هذا حديث حسن غريب].
ومن ذلك حديث جرير، رضي الله عنه، قال: "ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي". [الترمذي (5/678ـ679) وقال: هذا حديث حسن صحيح].

بل إنه صلى الله عليه وسلم تبسط في وجه من يكرهه، ابتعاداً عن الفحش وتحذيراً من الخلق السيء الذي يترك الناس صاحبه من أجله.
كما روت عائشة رضي الله عنها، أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة). فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط، قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة، متى عهدتني فحاشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره). [البخاري (7/81) ومسلم (4/2002ـ2003)].

وبطلاقة الوجه وانبساطه والتبسم في وجه الأخ المسلم، والكلمة الطيبة تثبت المحبة، ويحصل الوئام بين المسلمين ويثبت الأمن والاطمئنان.

لقد أكثرت من النصوص في هذا المبحث – نسبياً - وتركت نصوصاً كثيرة، وسبب الإكثار أن ما يشاهد من أحوال المسلمين الآن، من الصدود وعبوس الوجوه مع بعضهم البعض، وبخاصة إذا لم يكن الملتقون يعرف بعضهم بعضاً، أو كان بينهم تنافس على حطام الدنيا ومناصبها.
إن ذلك لمما يؤسف له وهو ينذر بشر وبعد عن آداب الإسلام، إنك لترى الرجل يتكلف الانبساط والبشاشة لصديق له ويضحك معه ويسلم عليه ويصافحه أو يعانقه بحرارة، وبجانبه أخ مسلم لا يعرفه، فلا يلتفت إليه، وقد لا يمد له يده بالمصافحة، فإذا قال له صديقه: هذا فلان من أصدقائنا، أظهر الندم وحاول الاعتذار بأنه لم يعرفه من قبل، ولو أنه تأدب بأدب الإسلام لأراه ابتسامة خفيفة وصافحه وحصل المقصود.

إن المسلمين لو تمسكوا بهذه الآداب الإسلامية، لأزالوا بها الوحشة والنفرة وخوف بعضهم من بعض، ولا يلزم من البشاشة والانبساط والكلمة الطيبة ترك الحق والمداهنة فيه، بل يمكن أخذ الحق مع ذلك.

ولنضرب لذلك مثال يكثر وقوعه بين الناس وبعض رجال الأمن في كل دول العالم:
إن كثيراً من الناس يخالفون بعض أنظمه المرور، وبعض تلك المخالفات خطير لا يجوز السكوت عنه، لما يحدثه من أضرار، ولكن المخالفين ليسوا سواء، فقد يكون منهم المتعمد وقد يكون منهم الغافل، وقد يكون منهم الجاهل - وكلهم لا يعذرون في الجملة –
والمطلوب من رجل المرور، كبرت رتبته أم صغرت، أن يحسم الأمر في أي مخالفة، والمطلوب منه كذلك أن يكون ذا خلق حسن، فإذا قابل المخالف فليباشره بالتحية، وليتلطف في قوله عندما يخاطبه، كأن يقول له: ألا تعلم أن ما فعلته مخالف لقواعد المرور، أو أعلمت أنك أخطأت، فإن اعترف بخطئه، فليسأله عن سبب المخالفة، فقد يبدي له عذراً، وقد يكون العذر مقبولاً، وإن لم يعترف أفهمه خطأه بالقول الحسن، فإن رأى بعد ذلك أن يعذره فليفعل وينصحه بعدم تكرار ذلك منه.
وإن أراد أن يجازيه فليفعل مع القول الحسن كان يقول له: أرجو أن تعذرني في تطبيق النظام، فأنا موظف أقوم بعملي بأمانة، ولا أستطيع التساهل فيما أسند إليَّ تطبيقه.
وهكذا ينبغي أن يتعامل كل الموظفين مع الناس: طلاقة وجه وكلمة طيبة، شعارهم الحب والود والائتلاف، وليس الفحش والتجهم وإغلاظ القول، فإن ذلك ليس من صفات المؤمنين..

(88)

المبحث السابع:
التواضع وقبول الحق

إن التواضع يكسب صاحبه احترام الناس له، ويرفع منزلته عندهم وهو خلق يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بخلاف الكبر، فإن صاحبه يطلب به التعالي على الناس، فينال الاحتقار والازدراء جزاء وفاقا، وهو صفة يبغضها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وتواضع المؤمنين بعضهم لبعض، هو أحدى أخلاقهم التي يحبهم الله تعالى عليها، وبها يكونون أهلا للكون من حزبه، الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم.
كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)). [المائدة:54ـ56].
فتواضع المؤمنين بعضهم لبعض هو أول صفة وصف الله بها حزبه الغالب – بعد حبه تعالى – وكونه أول الصفات بعد حبهم له، وهو تعالى يحبهم على تلك الصفات، يدل على شرف هذه الصفة.

وجاء الأمر بالتواضع في القرآن الكريم، كما قال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم - وأمره أمر لأمته -: ((واخفض جناحك للمؤمنين)). [الحجر:88].
وقال تعالى: ((واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)). [الشعراء:25].ووصف تعالى عباده الصالحين بالتواضع، فقال: ((وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)). [الفرقان:63].

وذم تعالى الكبر بنفي محبته لأهله - وقد سبق أنه يحب المتواضعين – قال تعالى: ((إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا)). [النساء:36].
واستعاذ عباد الله الصالحون المتواضعون من أهل الكبر، كما قال تعالى عن موسى عليه السلام: ((وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب)). [غافر:27].
والمتكبرون الذين يباهون بكبريائهم في الدنيا، يذلهم الله يوم القيامة، بإسكانهم في نار جهنم، كما قال تعالى: ((فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين)). [النحل:29].

وورد في السنة ذم الكبر والمتكبرين، مع بيان الوعيد الشديد الذي أعده الله لهم يوم القيامة، فالمتكبرون في الدنيا هم أحقر الناس يوم القيامة، ولهذا يناديهم الله تعالى أمام الأشهاد محقراً لهم، كما في حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذها بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون(؟. [مسلم (4/2148)].

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن المتواضعين هم أهل الجنة، وأن المتكبرين هم أهل النار، كما روى حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متَضَعِّف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ مستكبر) [البخاري (7/89ـ90) ومسلم (4/2190)].
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال الله تبارك وتعالى للجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذاب، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها)... الحديث [البخاري (6/48) ومسلم (4/2186)].

وبين صلى الله عليه وسلم أنه ما ارتفع شيء من هذه الدنيا إلا وضعه الله تعالى، كما روى أنس رضي الله عنه، قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال صلى الله عليه وسلم: (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه). [البخاري (3/220)]
فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنوا، لسبق ناقة الأعرابي ناقته التي لم تكن تُسبَق، فعلمهم صلى الله عليه وسلم أن ميزان التكريم عند الله ليس هو الرفعة في الدنيا، لأن الرفعة في الدنيا لا تدوم، بل من شأن الناس فيها أن يرتفعوا تارة ويخفضوا أخرى، فترى الرجل يوماً عزيز قوم، ويوماً ذليل آخرين، وهكذا...
بخلاف الرفعة في الآخرة، فإنها رفعة دائمة، وكان صلى الله عليه وسلم يؤدبهم على هذا المعنى ويغرس في نفوسهم التواضع، ويقتلع منها جذور الترفع بالدنيا.
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله رجلاً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). [مسلم (4/2001) والترمذي (4/376)].

ومن الأسباب الواضحة التي تقتضي ذم الكبر والمتكبرين أن الكبر بجرئ صاحبه على رفض الحق وعدم قبوله، فإذا تكبر الناس بعضهم على بعض ضاع الحق، وأعقب ذلك البغي والعدوان وفقد الأمن في المجتمع، لأن صاحب الحق يشق عليه أن يرى الحق مهدراً غير مقبول، والمتكبر ينأى بجانبه عن قبوله، ويحاول تثبيت الباطل بدل الحق، وهذا ما كان من الكافرين بالله مع رسله الكرام، كما هو بين من قصصهم في القرآن الكريم.

كما قال تعالى عن قوم نوح عليه السلام: ((وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا)) [نوح:7].
وقال عن قوم صالح عليه السلام: ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون، قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون))، [الأعراف: 75ـ76)].

وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا واضحا كما في حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) قال رجل: "إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا" قال: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) [مسلم (1/93) والترمذي (4/361)]. وبطر الحق رده وعدم قبوله، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم.
وفي حديث عياض بن حمار، رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفتخر). [مسلم (4/2199) وأبو داود (5/203)].

فالتواضع من الأسباب المانعة للبغي والفخر، كما أن الكبر من الأسباب الجالبة لهما.
قال الغزالي، رحمه الله: "الوجه الثاني الذي تعظم به رذيلة الكبر أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى في أوامره، لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباده، استنكف عن قبوله وتشمر لجحده..." [إحياء علوم الدين (3/347)].
وبتواضع المؤمنين بعضهم لبعض تأتلف قلوبهم ويقبل بعضهم الحق من بعض، فلا يخاف أحد من أن يُعتَدَى عليه بالباطل ولا يبغي أحد على أحد.

(89)

المبحث الثامن:
العفو والسماحة ودفع السيئة بالحسنة.

للناس في تعامل بعضهم مع بعض ثلاث حالات:
الحالة الأولى: التزام العدل، بحيث يأخذ كل منهم حقه كاملا، بلا زيادة ولا نقص، وهي مأمور بها أمر إيجاب، لمن عنده الحق إذا طلب صاحبه منه ذلك، ولم يتنازل عن شيء منه، وإذا لم يؤد ذلك كاملاً بل نقص منه شيئا يكون ظالما.

الحالة الثانية: أن يأخذ بعضهم أكثر من حقه، بدون رضا صاحبه وهذا ظلم نهى الله تعالى عنه، والنصوص الواردة فيه من الكتاب والسنة كثيرة جدا.
الحالة الثالثة: أن يتنازل بعضهم لبعض عن حقه برضا واختيار، وهذه الحالة هي حالة الإحسان، التي أمر الله بها مع العدل الذي هو الحالة الأولى، إلا أن الإحسان بهذا المعنى مأمور به أمر استحباب وليس أمر إيجاب، وهذا هو المراد بهذا المبحث.
ذكر بعضن الآيات الواردة في العفو والسماحة:

قال تعالى: ((والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)). [الشورى: 39ـ43].

أثنى الله تعالى في هذه الآيات على من انتصر بعد ظلمه، أي بعد ظلم الظالم إياه، وقيد ذلك الانتصار الذي أثنى على صاحبه، بأن يكون متلبساً بالعدل: ((وجزاء سيئة سيئة مثلها))، وذكر سبحانه أن المنتصر من ظالمه لا سبيل لظالمه عليه، لأنه أخذ حقه منه، وهذا هو العدل وهو يبين الحالة الأولى، أي حالة التزام العدل.
وذم سبحانه وتعالى الظالمين البغاة الذين يعتدون على حقوق غيرهم وتوعدهم بعذابه الأليم في الآخرة، كما أباح لمن ظلمه أن يأخذ حقه ((إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق)) وهذا هو الظلم، وهو يبين الحالة الثانية.

وأثنى سبحانه وتعالى على من عفا وأصلح وغفر، فقال: ((فمن عفا وأصلح فأجره على الله)) ((ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)). وهذه تعني الحالة الثالثة وقد أورد بعض المفسرين إشكالاً في هذه الآيات من وجهين:
الوجه الأول: أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآيات ثناءه على من يغفر لغيره إذا ظلم: ((وإذا ما غضبوا هم يغفرون)) [الشورى:37].

وفي هذه الآيات أثنى على المنتصرين بقوله: ((والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)). وظاهره أن فيه تناقضاً.
الوجه الثاني: أن النصوص الكثيرة دالة على أن العفو أفضل من الانتصار، وأجاب [يعني مورد الإشكال] بما حاصله: أن الانتصار ممدوح إذا كان الجاني جريئاً مصراً على ذنبه، لأن في العفو عنه حينئذ إعانة له على الاستمرار في الذنب وإذلال المسلم، فلا بد من ردعه، وأن العفو فيما عدا ذلك، كأن يصدر الذنب هفوة منه، ويكون في العفو عنه تسكين لفتنة الجاني وسبب لرجوعه عن ذنبه. [راجع التفسير الكبير للرازي (27/177) والجامع لأحكام القرآن (16/39)].

والظاهر أن الانتصار والعفو المذكورين في الآيات عامَّان في الناس كلهم: المؤمنين منهم والكافرين، ما دام الحق الذي ينتصر له أو يعفى عن المعتدي فيه، يتعلق بالشخص المعتدَى عليه ولم تنتهك فيه حرمات الله، وقد رجح هذا العموم ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره. [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (25/37ـ41)].

وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالعفو عن أصحابه والاستغفار لهم، كما قال تعالى: ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)). [آل عمران: 159].
وأثنى سبحانه على المتصفين بالعفو عن الناس وكظم الغيظ وجعل تلك الصفة من الصفات التي يستحقون بها مغفرة الله وعفوه ودخول جنته.
كما قال تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)) [آل عمران: 133ـ134].

وحذر سبحانه وتعالى من بعض الأزواج والأولاد الذين يدأبون على معصية الله سبحانه وتعالى، ويجتهدون في إيقاع أزواجهم وآبائهم في معصية الله، بسبب قرابتهم والتصاقهم بهم والشفقة والمحبة الطبيعية التي يستغلونها، فصاروا بذلك أعداء، كغيرهم ممن ليسوا بأزواج ولا أولاد، بل إن عداوتهم أشد، من عداوة غيرهم من الأجانب، ومع ذلك حث الله تعالى على العفو عنهم والصفح، ورتب على ذلك مغفرته ورحمته لمن عفا وصفح، جزاء وفاقاً، فالتحذير من طاعتهم في معصية الله، والعفو عما يبدر منهم من إساءة على الزوج والأب أو الأم.
قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)) [التغابن:14].

ومن الآيات القرآنية الكريمة التي أنزلها الله تعالى، لتسمو بالمؤمن إلى أعلى درجات العفو والتسامح، تلك الآية التي نزلت في شأن أبي بكر الصديق وابن خالته مسطح بن أثاثة، الذي شارك في حديث الإفك الباطل، فقد كان مسطح من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر، رضي الله عنه ينفق عليه لقرابته منه، فلما وقع حديث الإفك، وعلم أن مسطحاً كان من المتورطين فيه، حلف أن لا ينفق عليه أبد الدهر لظلمه لابنته ووقوعه في عرضها.
فأنزل الله تعالى في ذلك: ((ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم)) [النور:22، وراجع الجامع لأحكام القرآن (12/207ـ209) في تفسير الآية].
لقد كان أبو بكر، رضي الله عنه رفيقا رحيما كثير الشفقة والرحمة، ولم يكن من عادته الشدة والقسوة، كما هو معروف عنه وعن سيرته رضي الله عنه، ولكن شأن هذه الحادثة المفتراة كان لا يحتمل، فقد كان يتناول عرض ابنته أعف نساء العالم وامرأة أفضل الأنبياء والرسل، ينزل جبريل في بيتها فيتلو وحي الله على نبيه، فلم يكن غضب أبي بكر رضي الله عنه انتقماً لنفسه وإنما كان لله - وإن كانت نفسه البشرية لا ترضى بالضيم الواقع عليها - وكان ما ينفقه على مسطح فضلا منه وإحسانا -.
فرأى أنه لا يستحق ذلك الفضل والإحسان، لعظم مساءته التي اقترفها، فقطع عنه النفقة، ومع ذلك يؤكد الله تعالى عليه تلك التأكيدات المتوالية، ليعفو ويصفح عن مرتكب ذلك الذنب العظيم، ويعيد إليه فضله: فقد نهاه في الآية الأولى عن الاستمرار في حلفه: ((ولا يأتل)) وذكره بالقرابة التي شرع الله وصلها، وبالمسكنة التي يستحق صاحبها الرحمة والإحسان، وبالهجرة التي هي من أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه في سبيل دينه، ثم أمره بالعفو والصفح.

ثم أتبع ذلك بالتشويق الذي لا يقدر المؤمن العادي على عدم الاستجابة له، فضلا عن أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ((ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم)) وكأن الله تعالى يذكر المؤمن بأنه إذا اعتدى عليه أخوه المؤمن فليغضب لانتهاك حرمة الله المتعلقة به، ولكن عليه أن يتجاوز عن زلة أخيه ويعفوكما يحب أن يعفو الله عنه إذا عصاه.

وهكذا يجب أن يكون تصور المسلم:
التفريق بين ما يجب الغضب فيه وعدم التساهل فيه، وبين ما ينبغي العفو والصفح عنه، فالغضب يكون فيما تنتهك فيه حرمات الله، والعفو والصفح فيما يتعلق بالشخص المظلوم أو فيه ضرر بالظالم، والضرر في قصة أبي بكر مع مسطح هو قطع النفقة التي هي من ضرورات الحياة.

وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على العفو والسماحة حثاً عاماً وذكر ما يترتب على ذلك عند الله سبحانه وتعالى.
روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) [مسلم (4/2001) والترمذي (4/376)].
كثير من الناس إذا ظلمه أحد وناله بأذى، ثارت ثائرتهم وظنوا أن تنازلهم عن حقهم بالعفو عمن اعتدى عليهم إهانة لهم، ولكن الأمر عند الله ورسوله على عكس ذلك، فالتنازل عن الحق والعفو عن الناس - إذا لم يكن في العفو إعانة على استمرارهم في الظلم والاعتداء - يعد عزاً ورفعة عند الله جل وعلا، وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن التواضع لله سبب في رفع الله درجة من تواضع له

(90)

تابع لمبحث العفو والسماحة
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوة الأمة في العفو والسماحة فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه، فقالت: "لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخَّاباً بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" [الترمذي (4/369) وقال: هذا حديث حسن صحيح "الصخب كالسخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام"].
وظهر عفوه صلى الله عليه وسلم وسماحته في سيرته مع أصحابه، ومع غيرهم، والحوادث في ذلك لا تحصى كثرة، ولكنا نذكر منها شيئاً يسيراً للتمثيل فقط.
من ذلك ما رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رجلاً تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغلظ له، فهم به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا) ثم قال: (اشتروا له بعيراً فأعطوه إياه) فطلبوه، فلم يجدوا إلا سناً أفضل من سنه، فقال: (اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء). [البخاري (3/61ـ62) ومسلم (3/1225)].

رجل له دين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغلظ له القول في تقاضيه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يصل إلى منزلته أحد من بني البشر، مهما أوتي من قوة وسلطان، يفديه أصحابه بأرواحهم صادقين غير منافقين، فيهمون بالرجل ليؤدبوه حتى لا يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه ينهاهم ويذكرهم بأنه صاحب حق، وصاحب الحق جريء.
ثم يأمر صلى الله عليه وسلم بقضاء الرجل حقه، فلم يجدوا إلا ما هو أفضل من حقه، فيأمرهم بإعطائه الأفضل، ويربي أصحابه رضي الله عنهم على ذلك الخلق العالي، ليترسموا خطاه فيحسنوا إلى من أساء إليهم زيادة على العفو والسماحة.

وتطاول على جنابه الكريم صلى الله عليه وسلم، رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول - قبل أن يظهر إسلامه - وحاول أن يشعل نار الفتنة بين الناس فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هدأ الناس وأطفأ نار الفتنة التي أشعلها ابن أبي، وعفا عن ذلك المجرم، فكان قدوة لأصحابه في العفو عن أعدائهم - وإخوانهم من باب أولى - والقصة طويلة، ولكن نقل نصها أفضل من ذكر محل الشاهد، لما فيها من الفوائد المتعلقة بالموضوع.

روى أسامة بن زيد رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ركب على حمار عليه قطيفة فَدَكية وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني حارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، فسار حتى مر بمجلس، فيه عبد الله بن أبي بن سلول - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة.

فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خَمَّر ابن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبِّروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم وقف فنـزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول، إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا، فمن جاءك فاقصص عليه.
قال عبد الله بن رواحة: بل يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب)؟ يريد عبد الله بن أبي، (قال: كذا وكذا)، فقال سعد بن عبادة: أي رسول الله بأبي أنت اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى…". [البخاري (7/120ـ121) ومسلم (3/1422ـ1424)].

تأمل قوله: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى".
العفو عن العدو أمر به الله، والقدوة الحسنة في تنفيذ أمر الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا اقتدى به أصحابه، والعفو لا يكون إلا بالصبر على الأذى، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن الأعداء، ويصبرون على أذاهم بأمر من الله فما بالك بالعفو عن المسلمين؟

وحض الرسول صلى الله عليه وسلم على العفو والسماح في البيع والشراء، ودعا للسَّمح في بيعه وشرائه وتقاضيه بالرحمة، كما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (رحم الله رجلاً سمحاً إذ باع سمحاً إذا اشترى، وإذا اقتضى) [البخاري (3/9)].

وقص صلى الله عليه وسلم ما ناله رجل فيما مضى من تجاوز الله عنه، لتجاوزه هو عن خلق الله، كما روى أبو مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: (حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه يخالط الناس وكان موسراً، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال: قال الله عـز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه) [مسلم (3/1196) رواه البخاري من حديث أبي هريرة (3/10)].
وأمر كل أصحابه بالإحسان، ونهاهم عن الظلم، وإن أساء الناس وظلموا، كما في حديث حذيفة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا) [الترمذي (4/364) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه].

وكان صلى الله عليه وسلم يأمر صاحب الدين أن يتنازل للمدين عن شيء من دينه عفوا وسماحة. كما روى كعب بن مالك، رضي الله عنه، أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه، دين فلقيه فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا كعب) وأشار بيده، كأنه يقول: النصف، فأخذ نصف ما عليه، وترك نصفاً. [البخاري (3/92) ومسلم (3/1192)].

وقد أثرت تلك التربية النبوية بالقول والفعل على العفو والسماحة، في الصحابة رضي الله عنهم تأثيراً عظيماً، فكانوا يعفون ويصفحون. والأمثلة على ذلك كثيرة، نكتفي منها بمثالين:

المثال الأول: يبين تأثر إمام المسلمين وعفوه وسماحته.
والمثال الثاني: يبين تأثر أفراد الرعية وعفوها وسماحتها.

المثال الأول: عفو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه عن عيينة بن حصن، عندما تطاول عليه واتهمه بما هو أبعد الناس عنه في وقته، وفي ذلك ما رواه ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً.
فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه، عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه، قال: هي، يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم به.
فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)) [الأعراف: 199]. والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافا عند كتاب الله ". [البخاري (5/197ـ198)].

من أعدل من عمر عندما قال عيينة مقالته؟ وكان عمر أمير المؤمنين وقد جابهه أحد أفراد الرعية الأجلاف بهذه المجابهة، فلم يزد على أن عفا عنه عندما ذكر بأمر الله بالعفو.

ويؤخذ من هذه القصة، أنه ينبغي أن يكون ولي أمر المسلمين واسع الصدر، كثير السماحة، يغفر لرعيته الزلات، ويتجاوز عن السيئات، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ينبغي أن تكون بطانة ولي الأمر من أمثال الحر بن قيس، يذكرونه بأمر الله ويحضونه على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويحسِّنون له العفو عن الناس وعدم مؤاخذتهم بإساءتهم عليه.
وبهذا العفو وهذه السماحة تأتلف القلوب، وتجتمع الكلمة، وينقلب العدو صديقا: ((ادفع التي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)). [فصلت:34].

المثال الثاني: ما رواه أبو السفر - سعيد بن أحمد - رحمه الله قال: "دق رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، رضي الله عنه، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إن هذا دق سني، قال معاوية: إنا سنرضيك، وألح الآخر على معاوية، فأبرمه فلم يرضه، فقال له معاوية: شأنك بصاحبك وأبو الدرداء جالس عنده، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، يقول: "ما من رجل يصاب بشيء في جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط به خطيئة" قال الأنصاري: أأنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قال: فإني أذرها له، قال معاوية: لا جرم لا أخيبك، فأمر له بمال". [الترمذي (4/14ـ15) وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعاً من أبي الدرداء].

تأمل كيف أصر الرجل على أخذ حقه – والظاهر أنه يريد القصاص من صاحبه – وقد حاول معاوية، وهو أمير المؤمنين أن يرضيه بمال، وشفع عنده فلم يتنازل، حتى سمع جزاء من عفا عما أصيب به في جسده وفضله عند ربه، فتنازل عن حقه طلبا لثواب الله تعالى.

إن العفو والسماحة من أهم وسائل تثبيت الأمن في المجتمع، لأنه عندما يعفو فرد أو طائفة، فيجد الظالم من المظلوم روحاً صافية وقلباً حانياً، يعفو عنه ويصفح ويغفر ويتجاوز، ويدفع السيئة بالحسنة، لا بسيئة مثلها، مع قدرته على ذلك، يندم المعتدي على ما صنع ويفيق من غفوته، ويتقرب من صاحبه المعتدى عليه، ويظهر له الندم، ويتخذه صديقاً محباً فتحل المحبة والصداقة محل الكره والعداوة، وهذا هو الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم.

ودفع السيئة بالحسنة هو أعلى درجات العفو، فإن من يدفع بالحسنة السيئة، يغمر المسيء عليه بالنعمة، ويؤدبه بالإحسان، ويجعله يعود إلى رشده وصوابه، بالقدوة الحسنة، والخلق الفاضل الذي رآه في صاحب الحق الذي تجاوز عن إساءته، وبهذا ينتشر في الأمة الود والتراحم والمحبة، ويستتب الأمن، ولكن هذا الخلق العظيم لا يؤتاه إلا ذوو العزم والصبر من عباد الله.

قال تعالى: ((ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)). [فصلت: 34ـ35، وراجع كلام المفسرين عن الآيتين كتفسير ابن جرير وابن كثير والقرطبي والفخر الرازي والشوكاني].

(91)

تابع لمبحث العفو والسماحة
ومن الأمثلة التي يناسب ذكرها في هذا المقام، لبيان معنى قوله تعالى: ((ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)).

قصة ثمامة بن أثال، رضي الله تعالى عنه، وتحوله من عدو لدود لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومبغض شديد إلى ولي حميم، يحبه صلى الله عليه وسلم أشد من نفسه، بسبب حسن معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم له، وزيارته بنفسه، وسؤاله عن حاله، عندما كان أسيراً بالمسجد النبوي الشريف.

روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما عندك يا ثمامة)؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة)؟ فقال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة)؟ قال: عندي ما قلت لك.
فقال: (أطلقوا ثمامة) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وأن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟
فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت، قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم ". [البخاري (5/117ـ118) ومسلم (3/1386ـ1387)].

إن زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم لثمامة بن أثال الأسير كل يوم بنفسه، وسؤاله عنه، ثم أمره بإطلاقه بدون فداء، جعل ابن أثال يفي بوعده: إن تنعم تنعم على شاكر، فتحول من الحالة السابقة: حالة العداوة والبغضاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولدينه ولبلده، إلى محب لله ولرسوله ولدينه وبلده، ومبغض لمن عاداه مقاطع لمن ناوأه: ((فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)).

وذكر ابن هشام، رحمه الله قصة فضالة بن عمير الليثي الذي هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة، يوم فتح مكة، قال: "... إن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي، أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضالة)؟ قال: نعم، فضالة يا رسول الله، قال: (ماذا كنت تحدث به نفسك)؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (استغفر الله) ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه. [السيرة النبوية (2/417) تحقيق مصطفى السقا وزميليه، طبع الحلبي، الطبعة الثانية، وراجع زاد المعاد بتحقيق الأرناؤوط (3/412ـ413)].

كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل