بسم الله الرحمن الرحيم

نداء إلى شبابنا المسلم وحكومات شعوبنا الإسلامية


للجهاد هدفان رئيسان:
الهدف الأول: نشر الدعوة الإسلامية لإخراج الناس مكن الظلمات إلى النور... وإزالة العقبات التي تعترض الدعوة، ويطلق العلماء على الجهاد لتحقيق هذا الهدف جهاد الطلب، وهو فرض كفاية.

الهدف الثاني: الدفاع عن المسلمين وبلدانهم، عندما يعتدي عليهم عدوهم، ويطلق على هذا النوع من الجهاد جهاد الدفع، وهو فرض عين على أهل البلد الذي يحصل الاعتداء عليه، فإذا لم يكف أهل البلد وجب على من يليهم....

الهدف الأول يصعب اليوم تحقيقه بالقتال اليوم، لأن حال المسلمين في تفرقهم وعدم ثقة بعض دولهم في بعض، وقلة الانسجام بين كثر من الدول وشعوبها، وعد الإعداد المادي الكافي لمحاربة الأعداء، وعدم الاستغناء عن الأعداء في كثير من مرافق الحياة... ومنها على سبيل المثال السلاح بكل أنواعه وقطع غياره، كل ذلك لا يتيح للمسلمين هذا النوع من الجهاد.

ومع ذلك فإن وسائل نشر الدعوة اليوم متوفرة توفرا لم يسبق له نظير في تاريخ البشرية، من جريدة ومجلة ونشرة مكتوبة وكتاب، وأشرطة كاسيت وأشرطة فيديو، وإذاعة وتلفاز محلي وفضائي، وبريد عادي، وهاتف واتصال مباشر بكل بلدان العالم، وبكل فئاته ومؤسساته، وبريد إلكتروني، ومواقع إنترنت،،،، وبكل لغات الأمم...

ولو تم التعاون بين المسلمين، كل فيما يجيده ويقدر عليه، لنشر الدعوة بهذه الوسائل وغيرها، لما بقيت بقعة في الأرض خلية من بلوغ هذا الدين... والمقصر في اتخاذ هذه الوسائل مع قدرته وحاجة الناس إلى نشاطه آثم، مالم تقم بذلك طائفة كافية تسقط الإثم عن غيرها.

والأصل في الجهاد إذا توافرت شروطه، ومنها العدد الكافي والعدة، أن يكون للمجاهدين قيادة شرعية منبثقة من أهل الحل والعقد، جامعة للفقه في الدين ومعرفة الواقع الذي يتيح لها قرار الإقدام أو الإحجام، مراعاة لجلب المصالح للأمة ودفع المفاسد عنها.

هذا ما كان يحصل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي كان يقود الجيش الإسلامي في الغزوات، وهو الذي كان يرسل السرايا ويؤمر عليها الأمراء، وهو الذي كان يرسل العيون لجمع المعلومات عن الأعداء...

وهو الذي كان يمنع أًصحابه من القتال عندما تكون المصلحة في ذلك، حتى ولو كان للدفاع عن أنفسهم، كما كان الحال في مكة، فقد كان بعض الصحابة يتحرقون شوقا إلى مجاهدة المشركين الذين اشتد أذاهم عليهم، فلم يأذن الله تعالى لهم بالقتال، وهو العليم الحكيم.

قال تعالى: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [النساء (77)]

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: "كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة..... وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم.

ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة، منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار.

عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: (إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم)) الآية. ورواه النسائي كبرى 11112 والحاكم 2307 وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به" [تفسير القرآن العظيم (2/349) تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة]

وفي هذا درس للمسلمين الذين يستوطنون البلدان الغربية، فإن وضعهم يشبه وضع المسلمين عندما كانوا في مكة، لأن أهل الحل والعقد والمالكين للقوة المادية الشاملة هم غير المسلمين، فقيام بعض المسلمين [وهم قلة مستضعفة] بالهجوم على أهل البلد، قتالا أو اغتيالا أو تخريبا لمؤسسات، تترتب عليه مفاسد يصعب حصرها، وما قد يظن فيه من مصلحة لا يسوغ الإقدام عليه، لأن مصلحته ضئيلة جدا بجانب المفاسد المترتبة عليه.

فقد سوغ ما حصل في 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، لليهود والصليبيين التعجيل بعدوانهم على المسلمين الموجودين في الغرب [إن ثبت أن بعض المسلمين قاموا به] وفي العالم الإسلامي كله، وبخاصة البلدان العربية، وبالأخص فلسطين وأفغانستان والعراق، وتخطيطهم الماكر للسيطرة على بقية دول المنطقة والعدوان على ثوابتها وإذلال أهلها، أمر غير خاف على من يتتبع تصريحاتهم، وما يخفون أشد.

[وإنما قلت: "التعجيل بعدوانهم" لأن العدوان كان مقررا قبل حدث سبتمبر بفترة طويلة، حيث تم لهم انهيار "العدو الأحمر" وهو الاتحاد السوفييتي بشيوعيته، فالتفتوا إلى عدو أقدم من الاتحاد السوفييتي، وهو ا"الإسلام" فسموه "العدو الأخضر"
http://www.alhayatalmasria.com/30122001/68099news.htm
http://www.plofm.com/new_page_674.htm
http://www.islamonline.net/arabic/politics/2001/10/article27.shtml
http://www.islamonline.net/Arabic/daawa/2002/09/article04.shtml ]

ومما لا شك فيه أن لليهود أصابعهم الخفية في هذه الأحداث الخطيرة [أحداث سبتمبر وما تلاها]
http://www.saaid.net/Doat/ahdal/40.htm

وزاد إغراء العدوِّ على عدوانه، الهجمات التي حصلت على مؤسساته ومصالحه في بعض البلدان الإسلامية وغيرها، فلم يبق بلد من بلدان المسلمين وغيرهم، خليا من القوات الأمريكية ومخابراتها التي تتدخل في شئون دول تلك البلدان، وتكره حكوماتها على تنفيذ ما تريد.

ومن المفاسد التي ترتبت على ذلك ما يأتي:
المفسدة الأولى: احتلال بعض البلدان الإسلامية، وما ترتب عليه من إزهاق للأرواح، والاعتداء على الأعراض والنهب للأموال والاستيلاء على الخيرات والهدم للمؤسسات والقضاء على ما بقي من القوة العسكرية.

المفسدة الثانية: أسر شباب الأمة ورجالها، الذين تحتاج الأمة إلى استغلال طاقاتهم في مشروعات تعود عليها بالخير في ضرورات حياتها، وجميع مصالحها، والزج بهم في معسكراتهم الظالمة في غوانتنامو وغيرها، والمبالغة في إذلالهم و تعذيبهم...

ولو حصل الاهتمام بهذا الشباب وأعد إعدادا مناسبا في المجالات النافعة، من التفقه في الدين والدعوة إلى الله، والعمل في مؤسسات التعلم والتعليم والإعلام، والإغاثة الشاملة للمسلمين في كل أنحاء الأرض... ومنها القيام بالدعوة إلى الله باللغات الممكنة، وبالوسائل المتاحة التي هيأها الله تعالى، في هذا العصر، كما هو معلوم.

ومن ذلك إدماج كثير منهم في جيوش شعوبهم ودربوا تدريبا عاليا على أنواع السلاح، ليكونوا عونا لها على الدفاع عن أرض المسلمين ومقدساتهم...

أقول: لو حصل ذلك لكان لهذا الشباب شأنه العظيم في عزة هذه الأمة ونجدتها وبناء نهضتها...

المفسد الثالثة: محاربة الاقتصاد الإسلامي، المتمثل في إغلاق البنوك والمصارف الإسلامية، وتجميد أموا الناس فيها....بحجة أنها تمول الإرهاب.

المفسدة الرابعة: التضييق على المؤسسات الخيرية وتجميد أموالها، بل حظر نشاطها، وحرمان الفقراء والمساكين، والمرضى والأئمة والمؤذنين، والمدارس والدعاة الذين يبينون للناس حقائق الإسلام.

المفسدة الخامسة: التدخل السافر في مناهج التعليم في البلدان الإسلامية، إذ يراد لها أن تخلو من كل ما يُفَقِّه الأجيالَ المسلمة، بوسائل قوتها وعزتها، وأسباب ضعفها وذلتها، ويربطها بكتاب ربها وسنة نبيها، ويظهر لها سيرة أئمة الهدى من سلفها من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ويجعلها على علم بأوليائها من عباد الله المؤمنين، وأعدائها من اليهود والصليبيين.

ويبقيها ذات غيرة على ضرورات حياتها، فتبذل كل ما تملك من غال ونفيس لحفظ نفسها و دينها وعرضها ومالها وعقلها، ويبقيها متمسكة بأخوتها وأواصر وحدتها، واضعة أمام أعينها خريطة أرضها التي يجب عليها حمايتها، من جاكرتا شرقا إلى نواكشوط غربا، ومن عدن جنوبا إلى البلدان الإسلامية في آسيا الوسطى شمالا.

ويغرس في نفوسها الشهامة والنجدة التي تدفعها إلى حفظ الأرض المباركة، وثالث مساجدها "الأقصى" الذي دنسه اليهود واليهوديات ردهاته وسطوحه جميع جوانبه، بأقدامهم القذرة، وأهانوا أئمته وعلماءه، حرموا خيرة شباب الأمة المسلمة من ارتياده وهم يشاهدون مآذنه ويسمعون نداء مؤذنه...

المفسدة السادسة: عزم الأمريكان على إنشاء قواعد عسكرية في البلدان الإسلامية ذات التاريخ العريق، في "كابل" و "بغداد" و "دمشق" وفي بلدان آسيا الوسطى، بل في بعض بلدان الجزيرة العربية... إضافة إلى القواعد التي أقاموها ولا زالوا يقيمونها في بعض البلدان الإفريقية، ليتمكنوا من السيطرة الكاملة على بلدان المسلمين، من حدود الصين شرقا، إلى موريتانيا غربا، مع العلم أن كثيرا من قادة الجيوش الأمريكية وجنودها هم من اليهود...

المفسدة السابعة: تمزيق البلدان الإسلامية وتجزئتها، وجعل الدولة الواحدة دويلات، والدويلة الصغيرة أحياء، وإيقاد نار العداوة والبغضاء بين أبناء البلد الواحد، ليمزقهم التنازع ويجعل بعضهم يصوب رصاصه إلى صدور بعض، ليخلو لهم الجو فيتصرفون في شئون الأمة بعد إضعافها كما يريدون

المفسدة الثامنة: القضاء على الحركات الجهادية، وبخاصة في الأرض المباركة، بحشد الدول الغربية، وبخاصة أمريكا والدول الأوربية وغيرها، و من العملاء في فلسطين وغيرها من ".....!" ويترتب على القضاء على الحركة الجهادية استتباب الأمن لليهود وتفرغهم لإحداث القلاقل والاضطرابات في البلدان الإسلامية، وبخاصة العربية منها.

المفسدة التاسعة: تقوية اليهود وتثبيت دولتهم وتوسيعها، بحيث تصل حدودها إلى النيل والفرات، وهذه المفسدة مترتبة على المفسدتين السابقتين، لأن إضعاف المسلمين والقضاء على الحركة الجهادية التي لا يوجد لها بديل يشغل اليهود، من أعظم الوسائل لتقوية اليهود، وهذه المفسدة لا تتم إلا بتغير شامل لخارطة المنطقة، ومن أولاها طرد من بقي من الفلسطينيين من الأرض المباركة إلى خارج أرضهم.

وقادة اليهود يصرحون اليوم في كتبهم وأبحاثهم بالخطوة الأولى لهذا الطرد، وهي طرد الفلسطينيين إلى الأردن، كما صرح بذلك رئيس وزرائهم الأسبق نتنياهو في كتابه: "بلدة تحت الشمس"...

المفسدة العاشرة: السيطرة اليهودية على المنطقة كلها، اقتصادا وإعلاما وتجارة ومالا وصناعة وزراعة وحربا، لأن لليهود في كل تلك المجالات مؤسسات منظمة مدعومة دعما قويا منهم في الأراضي الفلسطينية، ومن إخوانهم في العالم كله، ومن أعوانهم في الغرب... بخلاف ما عليه البلدان العربية من الضعف في ذلك كله...

والذي يقرأ كتاب "نحو شر أوسط جديد" لرئيس الوزراء الأسبق "شمعون بيريز" يظهر له هذا الأمر ظهورا جليا لا شك فيه.... وكثير من الناس لا يعرفون سبب تسمية المنطقة بهذا الاسم: "الشرق الأوسط" فهو من ابتكارات اليهود والصليبيين، وتلقفه منهم ببغاوات الإعلاميين وكثير من المثقفين البلدان الإسلامية، وبخاصة في الدول العربية

والمقصود من هذه التسمية استبعاد معنى الشرق الإسلامي، أو الشرق العربي، وهما اللفظان اللذان كانا متداولين قبل هذه التسمية، والهدف من ذلك أن تكون الدولة اليهودية عضوا في جامعة تسمى جامعة "الشرق الأوسط" بدلا من "الجامعة العربية" التي يرى اليهود أن هذه التسمية "الجامعة العربية" عنصرية، لأنها تستبعد عضوية اليهود.

اقرأ النص الآتي:
[ومن الغريب أن مصطلح الـ «شرق أوسطية» بات مقبولاً لدى الساسة والمفكرين على طول العالم العربي وعرضه، بوعي أو دون وعي، على الرغم من أنه مصطلح يُقصد من ورائه أن يكون بديلاً عن مصطلح «العالم العربي»، وهو ما حدث بالفعل.

ونشير هنا إشارات سريعة لتطور استخدام المصطلح، فقد وصفت حرب عام 1948م بـ (الصراع العربي الإسرائيلي)، وحرب عام 1956م بـ (العدوان الثلاثي على مصر)، ومنذ حرب 1967م بدأ وصف الصراع بـ (الصراع في الشرق الأوسط)، ووُثِّق ذلك في وثائق الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية، والجامعة العربية... إلخ، وظهر هذا الوصف في الكتابات الأكاديمية والصحفية العربية، بل وعلى لسان المسؤولين الرسميين العرب!

ومنذ حرب الخليج الثانية بدأ بث برنامج في إذاعة صوت أمريكا يحمل عنوان: (الشرق الأوسط والمغرب العربي بين العناوين والأخبار)، وهنا لم تضف كلمة «العربي» إلا ملحقة بالمغــرب فقط، وكأنما عـز على أولئك الذين صاغوا توجه الـ «شرق أوسطية» مجرد ذكر كلمة «العربي» حتى لو كانت ملحقة فقط بالمغرب! فإذا بهم يلغونها كلية من اسم «المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ـ مينا»، والذي كان يعقد تحت مظلة المفاوضات الجماعية الـ «شرق أوسطية».
هكذا تحالف الغرب الصليبي تحت قيادة الولايات المتحدة مع الصهيونية، وتحت راية الـ «شرق أوسطية» لمحو الهوية العربية ـ الإسلامية كلية لعالمنا العربي؛ تمهيداً لفرض الهيمنة عليه وإقامة (إسرائيل الكبرى).]
افتح هذا الرابط http://www.khayma.com/hedaya/news/fat-his.html

هذا مع العلم أن اليهود يطالبون بإلحاح أن تسمى دولتهم بـ"الدولة اليهودية" لتكون خالصة لهم، يطردون منها من بقي من عرب فلسطين بعد الاحتلال في عام 1948مـ وإذا بقي أحد منهم إنما يكون من المقيمين الأجانب، كما صرح بذلك رئيس وزرائهم "شارون" في "قمة العقبة"، وتبعه على الرئيس الأمريكي "بوش".

إن اليهود يطلبون من 22 دولة عربية إلغاء كلمة "عربية" من جامعتهم، لأن في ذلك عنصرية! وهم يصرون على تسمية دولته بـ"اليهودية" وقد كانت هيئة الأمم المتحدة تصنف الصهيونية أنها عنصرية، فشمر اليهود بعون من أمريكا على إلغاء هذا التصنيف.

وليت الفلسطينيين يسمون دولتهم التي يناضلون لإقامتها بـ"جمهورية فلسطين العربية الإسلامية" لينظروا هل يقبل اليهود والصليبيون ذلك؟ بل هل يقبلون تسميتها بـ"جمهورية فلسطين العربية"؟

المفسدة الحادية عشرة: اغتنام غلاة العلمانيين في البلدان الإسلامية فرصة الحملة الأمريكية اليهودية الظالمة على الإسلام باسم الإرهاب، وإلحاحها على تغيير ما بقي من مناهجه في المدارس، ودعوى أن تلك المناهج هي التي أخرجت الإرهابيين.

أقول: اغتنام بعض الناس هذه الفرصة، وتجريد أقلامهم للهجوم المباشر أحيانا، وغير المباشر أحيانا أخرى على مراجع وكتب إسلامية، وعلى مشايخ مشهورين بالعلم والفضل، بعيدين كل البعد عن العنف والتحريض عليه، بحجة أن بعض من تتلمذوا على تلك الكتب أو المشايخ، صدر منهم ما يحرض على العنف.

مع العلم أن أجيالا كثيرة من طلاب العلم تتلمذوا على تلك الكتب وعلى أولئك المشايخ، لم يصدر منهم عنف ولا تحريض عليه، ومعلوم أن العبرة بالغالب، وأن النادر لا يجوز أن يحكم به على الغالب....

المفسدة الثانية عشرة: الحرب السافرة على الجهاد الذي هو فرض في القرآن والسنة، وعلى فرضيته إجماع الأمة، و يعتبر مشروعا في القوانين الدولية، باسم "مقاومة الاحتلال" كما هو الحال اليوم في فلسطين، حيث اعتبرته أمريكا وبعض دول أوربا إرهابا، استجابة لرغبة اليهود، ودعموا قيام حكومة فلسطينية مختارة آملين منها القضاء على المجاهدين المقاومين للاحتلال اليهودي لأرضهم.

وتضغط أمريكا على الدول العربية وغيرها لتحارب المجاهدين الفلسطينيين، وتقطع مساعداتها المالية لأسر الشهداء من أرامل وأيتام وغيرهم...

إن على شبابنا المسلم الذي يتحرق لنصرة هذا الدين، أن يفكر مليا في تصرفاته التي يظن أنه ينصر بها الإسلام، ويدفع عنه عدوان أعدائه من النيل منه ومن أهله، وأن يوازن بين المصالح التي تجلبها تصرفاته، والمصالح التي تفوت بسبب تلك التصرفات، ويوزن كذلك بين المفاسد التي تندفع بتصرفاته، والمفاسد التي تترتب على تلك التصرفات.

فإذا فكر في ذلك تفكرا متأنيا، ووازن موازنة تعقل، فسيبين له الأمر جليا، ويعلم متى يقدم على الفعل ومتى يحجم؟

فلا يظن بعاقل يفكر في عواقب الأمور، أن يقدم على فعل يفوت به مصلحة كبرى، ليجلب به مصلحة صغرى، أو يقدم على فعل يجلب به مفسدة كبرى ليدفع به مفسدة صغرى.

فإذا أقدم على ذلك أحد فإقدامه يدل على جهله بتلك الموازنة الضرورية، وجهله بحقيقة مشروعية تصرفاته في الإسلام....

ولهذا فإننا ننصح شبابنا المسلم الذي يرغب في نصر دين الله، أن يجتهد في طلب العلم الشرعية على يد علمائه المتخصصين فيه، فيتفقه في دين الله بأخذ أدوات العلوم وآلاتها، [اللغة العربية وقواعدها] وفي علوم القرآن [التفسير وأصوله] وعلوم الحديث [الحديث وشروحه ومصطلحه] وعلوم الفقه[الفقه وأصوله] وأن يدرس قواعد الأحكام ليتعرف منها على فقه المصالح والمفاسد، وفقه الموازنات...حتى يكون على علم يما يغلب على ظنه بأن يرضي ربه، ويحقق لأمته الخير ويدفع عنها الشر.

فإذا عجز بعض شبابنا المسلم عن الاجتهاد في تلك العلوم على يد أهلها المتخصصين فيها، ولم يحرز منها ما يهيئه لمعرفة ذلك، فعليه أن يصون نفسه من الاستجابة لعواطفه أو عواطف من لم يكن أهلا للتلقي عنه، فإن الإقدام على الفعل أو الترك لأي أمر من الأمور، هو حكم يحتاج المسلم على معرفته في الشرع.

وكثيرا ما يقع مريد الصواب في الخطأ، بسبب جهله بحقيقة حكم الله في فعله، وكثير من الشباب يصابون بالغرور بقليل العلم الذي حصلوا عليه، أوبتوجيه متعالم متحمس لم يتمكن من التفقه الصحيح في الدين...ولم يميز بين المصالح والمفاسد.

جهاد الدعوة وجهاد القتال

إن لأفراد المسلمين وجماعاتهم، أن يقوموا بدعوة الناس إلى الله، وتبليغهم رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، لإخراجهم من الظلمات إلى النور... وأن الواجب على الناس كلهم الدخول في هذا الدين الذي لم يبق دين حق سواه، إذا توافرت في أولئك الأفراد وتلك الجماعات الشروط الواجب إحرازها للدعاة، ومن أهمها العلم والحكمة والصبر على الأذى واللين.....

أما جهاد الكفار بمعنى قتالهم في بلدانهم، فليس من حق الأفراد والجماعات القيام به، بل لا بد من أمير للأمة يتولى أمرها ويقود جيشها بنفسه، أو يؤمر عليها من يقودها، كما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون ومن تبعهم، فلم يعرف أن فردا أو مجموعة من المسلمين [بعد قيام الدولة الإسلامية] غزوا الكفار في بلدانهم بدون أمير يقودهم وينظم شئونهم.

ويمكن تعليل ذلك بالأسباب الآتية:
السبب الأول: أن المصالح والمفاسد المترتبة على هذا النوع من الجهاد تعود إلى الأمة كلها، ولا تختص بمن يباشر الجهاد... فلا يحق لفرد أو جماعة مباشرة عمل لا تتحمل الأمة كلها ما يترتب عليه من آثار، بدون مشورتها واستعدادها له.

السبب الثاني: أن الفرد أو الجماعة التي تباشر هذا النوع من الجهاد، لا يستطيعون حماية الأمة من الآثار المترتبة على تصرفاتهم، بخلاف ولي الأمر الذي بيده مقاليد الأمور، ومعه أهل الحل والعقد، فإنهم لا يقدمون على القتال، إلا بعد أن يتشاوروا ويتدبروا أمورهم، ويغلب على ظنهم أنهم قادرون على مواجهة عدوهم.

ثم إذا فرض أنهم غلبوا على أمرهم تحملوا تبعة قرارهم جميعا، وحشدوا طاقاتهم، وأعدوا العدة لحماية أنفسهم....

والذي يترتب على عمله الذي يستبد به من دون الأمة، ضرر يلحق بها، ولا يستطيع هو دفع ذلك الضرر عنها، لا يحق له ذلك العمل...

السبب الثالث: ما يترتب على الأعمال الانفرادية من الفوضى والانفلات، وعدم القدرة على ضبط الأمور، وفي ذلك ما فيه من المفاسد...

ولقد بينت رأيي في حدث نيويورك وواشنطن، الحاصل بتاريخ 23/6/1422هـ 11/9/2001م وتوقعت ما سيترتب عليه من المفاسد العظام على هذه الأمة، عندما حاورني بعض الإخوة فيما رأيتُ.

ولقد فاقت المفاسد ما توقعتُه وتوقعه كثير من الناس، ولا زالت تتوالى على المسلمين، وأكرر مرة أخرى، أن ذلك الحدث وما تبعه، إنما عجل بالحملة الأمريكية الظالمة، التي اتخذتها مسوغات لحملتها، وإلا فالحرب على الإسلام قد تقررت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، كما سبق قريبا.

[رابطان لما كتبته وجرى الحوار فيه عن الحدث في حينه]:
http://www.saaid.net/Doat/ahdal/23.htm
http://www.saaid.net/Doat/ahdal/5.htm 

شؤم الأحداث الأخيرة في المملكة العربية السعودية

إن ما حصل من تفجيرات في الرياض، في الحادي عشر من شهر ربيع الأول، 1424هـ ـ 12 من شهر مايو 2003م وما تم اكتشافه بعد ذلك في كل من المدينة ومكة، أمر خطير لا يليق أن يتعاطاه المسلمون، وذلك للأمور الآتية:

الأمر الأول: أن فيه إخلالا بأمن بلد إسلامي، وإخافةً لسكانه الذين لم يألفوا هذا العنف في منازلهم وأسواقهم وسبلهم...

الأمر الثاني: أن فيه إزهاقَ دماءِ مسلمين معصومين بغير حق، ومعلوم هو تحريم قتل المسلم بغير حق، في القرآن والسنة وعليه إجماع المسلمين، ومعلوم كذلك إثمه العظيم، الذي قال الله تعالى فيه: ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)) [النساء (93)]

الأمر الثالث: أن الله تعالى شرع حرمة بيته الحرام الذي دعاه خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، أن يجعله موضعا يأمن الناس فيه فلا يخيفهم عدوان معتد، كما قال تعالى: ((وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا ءامنا وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير)) [البقرة (126)]

وقد استجاب الله دعاءه، كما قال تعالى: ((فيه ءايات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)) [آل عمران (97)]

وامتن تعالى على المشركين بتمكينهم من العيش في المسجد الحرام، آمنين من الاعتداء عليهم، لما خصه به من الاحترام والهيبة في نفوس الناس، وقد كان مَن حولهم من العرب لا يأمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم.

كما قال تعالى: ((وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون)) [القصص (57)]

وقال تعالى: ((أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون)) [العنكبوت (67)]

ويجب أن يعلم الشباب المسلم الذي يقوم بهذه التفجيرات في البلدان الإسلامية، وبخاصة أرض الحرمين الشريفين، أن أعداء الإسلام وأعداء هذه البلدان من داخلها وخارجها، قد يغتنمون الفرصة، ويشعلون نار الفتنة، بالتفجيرات والاغتيالات، للإخلال بأمن الأمة وتشويه الإسلام، بنسبة فسادهم إلى الشباب المسلم، وهذا يوجب على الشباب المسلم الحذر، وسد باب الفتن.

ولقد تسببت التصرفات التي لم تستند إلى دليل شرعي ومشورة موفقة في كوارث ومصائب عادت على الدعوة الإسلامية بخسائر فادحة، ومن أمثلة ذلك ما حصل قبل عشرين عاما في المسجد الحرام من انتهاك لحرمته، واعتداء على نفوس مسلمة محرمة، بناء على تخرصات كاذبة ادعى فيها بعض الناس أنه المهدي المنتظر، وشاعت الدعوى بين الشباب المسلم الذي سارع في تصديقها.

وانتشرت أخبار رُؤىً شيطانية تؤيد تلك الدعوى، كانت عواقبها وخيمة، في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، حيث وقفت أمام الدعوة الإسلامية ودعاتها عقبات جديدة أضيفت إلى ما سبقها من عقبات لم يخل طريق الدعوة منها منذ نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم...

وإن الأمر ليهون عندما تقف العقبات أمام هذه الدعوة، بغير تسبب ممن ينتسب إليها، بخلاف ما إذا حدثت من قِبَل هؤلاء، فإن ذلك يُجِّرئ عليها أعداءها من الكفار خارج الصف الإسلامي، ومن المنافقين الذين يندسون في هذا الصف في الداخل مخادعين بذلك الله ورسوله والمؤمنين، ويتخذون ذلك مسوغا للمزيد من محاربتها، كما هو الحال اليوم كما هو بين واضح.

ست مسائل يجب على الشباب المسلم فقهها

المسألة الأولى: عندما يقال: إن جهاد الطلب فرض كفاية، فإذا لم تقم به طائفة كافية أصبح فرض عين على جميع المسلمين، حتى يوجدوا طائفة كافية للقيام به.

هذا حق، وهو الذي قرره جماهير علماء الإسلام في تفسير القرآن الكريم، وفي شروح الحديث الشريف، وفي كتب الفقه... وقد فصلت ذلك في كتاب "الجهاد في سبيل الله – حقيقته وغايته"

ولكن هذا الحكم وغيره من أحكام الشريعة متوقف على "القدرة الشرعية" فإذا عجز المسلم أو المسلمون عن القيام بالحكم الذي هو فرض عين عليهم، سقط عنهم القيام به مؤقتا، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها... ويجب عليهم في مسألة الجهاد أن يعدوا العدة التي تمكنهم من إرهاب عدو الله وعدوهم...

وإنما قلت: "القدرة الشرعية" للتنبيه على فهم ـ نظريٍّ أو عملي ـ منتشرٍ بين الشباب المسلم، وهو أن مجرد حصول القدرة على الفعل يجعلها شرعية يترتب عليها القيام بالفعل، بدون دراسة وتأمل لما قد يترتب على ذلك، من فوات مصالح أو جلب مفاسد، وهذا فهم غير صحيح يجب بيانه.

فليست "القدرة الشرعية" هي مجرد القدرة على الفعل، لأن مجرد القدرة على الفعل، قد يترتب عليه تفويت مصالح أعظم من مصلحة الفعل، أو حصول مفاسد أعظم من المفسدة التي تحققت بالفعل، وهذا يجعل الفعل محظورا في الشرع، وتكون القدرة عليه غير شرعية في الحقيقة.

فقد كان المسلمون في مكة قادرين ـ من حيث مجرد الفعل ـ على رد عدوان المشركين عليهم، بالمقاتلة والاغتيالات ونحوها، ولكنهم لو فعلوا ذلك لترتب على فعلهم من المفاسد ما لا يحصى، ومن ذلك على سبيل المثال:

1- وجود مجازر في كل حي وفي كل منزل من أحياء مكة ومنازلها، لأن المسلمين كانوا – مع قلتهم - مختلطين بأقاربهم وسادتهم، وقد يقف بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم بعض عشيرته، فتقوم معارك بينهم وبين بقية القبائل القرشية، فيصبح القتال والأخذ بالثأر، هو شغل أهل مكة الشاغل، وستتوقف الدعوة...

وفي ذلك تنفير للناس من دعوة غريبة محاربة، بزغ ضياء شمسها في الأفق، إذ سيقول أعداؤها - إضافة إلى ما اتهموها به واتهموا به رسولها وأصحابه -: إنها دعوة حرب وعنف وسفك دماء، وفي ذلك ما فيه من التنفير عن هذه الدعوة.

2- القضاء على الدعوة الإسلامية العالمية في مهدها، بالقضاء على العصبة المؤمنة القليلة العدد، الفاقدة القوة، بين الكثرة الكاثرة من المشركين، الذين يملكون مع كثرة عددهم القوة التي تتيح لهم استئصال المسلمين.

ومعلوم أن لله تعالى سننا شرعية مربوطة بسنن كونية طبيعة، فمن سننه الشرعية الجهاد في سبيل الله، ومن سننه الكونية الطبيعة التي يرتبط بها الجهاد، وجود القدرة، وهي تتمثل في العدد المكافئ من المجاهدين، وفي العُدَّة المؤهِّلة للقيام بالجهاد.

ولهذا كان للعدد وللعدة اعتبارهما في حكم الجهاد، كما قال تعالى في العدد: ((ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين)) (66) [الأنفال]

وكان للقوة اعتبارها كذلك، كما قال تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)) [الأنفال (60) ]

فإذا قل عدد المسلمين أمام عدوهم قلة تتيح للعدو استئصالهم، سقط عنهم جهاده مؤقتا، حتى يكون عددهم مناسبا لتكليفهم بقتاله، وإذا لم تكن عُدَّتهم مناسبة لوقوفهم أمام عدته، سقط عنهم جهاده حتى يعدوا له العدة التي تتيح لهم الوقوف أمامه.

ولهذا شرع الله لهم التحيز إلى فئة منهم كما قال تعالى: ((ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)) [الأنفال (16)]

ولا يشترط أن تكون الفئة التي يتحيز إليها المجاهدون المسلمون قريبة منهم في أرض المعركة، بل قد تكون فئتهم الإمام الأعظم ومن معه من مسلمين، ولو بعدوا عن أرض المعركة.
كما في عبد الله بن عمر قال: "كنت في سرية من سرايا رسول الله ، فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ، فإن كانت له توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: (من القوم)؟ قال فقلنا: نحن الفرارون. قال: (لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين) قال فأتيناه حتى قبلنا يده" [مسند الإمام أحمد، برقم (5384) وسنن أبي داود، برقم (2647) وسنن الترمذي، يرقم (1716) وحسنه.ومعنى "العكارون: العطافون" ]
[يراجع تفسير الآيتين في كتب التفسير، ومنها "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (4/27) دار طيبة للنشر والتوزيع)]

وقد كان بعض الصحابة يتحرقون شوقا إلى مجاهدة المشركين الذين اشتد أذاهم عليهم، فلم يأذن الله تعالى لهم بالقتال، وهو العليم الحكيم.

قال تعالى: ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [النساء (77)]

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: "كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة..... وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم.

ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة، منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار.

عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: (إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ((ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم)) الآية. ورواه النسائي كبرى 11112 والحاكم 2307 وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به" [تفسير القرآن العظيم (2/349) تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة]

فكانت مصلحة الإسلام والمسلمين العليا آنذاك، في الكف عن القتال، وكانت مصلحة قتالهم للمشركين دفاعا عن أنفسهم، مغمورة مهدرة شرعا، وكانت المفسدة المترتبة على القتال، أعظم من مفسدة الأذى الذي أمرهم الله تعالى بالصبر عليه.

وفي هذا دلالة واضحة على عدم اعتبار مجرد القدرة على الفعل، إذا غلب على الظن فوات أعظم المصلحتين، أو جلب أكبر المفسدتين.

3- وكان سيترتب على القتال بين المؤمنين والمشركين في مكة، عدم تعاطف الآخرين مع المسلمين، مثل نجاشي الحبشة، وقبائل الأوس والخزرج في المدينة، لأنهم سينظرون إلى المسلمين وهم قلة مستضعفة غير معترف بها، أنهم مغامرون يستخدمون العنف مع السلطة الشرعية، لإكراه الناس على الدخول في دينهم الذي لم يتبين لهم بعدُ أنه حق، وأنهم لو أذن لهم بالهجرة إلى تلك البلدان، لفعلوا فيها ما فعلوا في مكة، ومعلوم هو الأثر العظيم الذي ترتب على الهجرتين.

وقد يقول قائل: إن تلك الفترة كانت فترة مكية، ولسنا الآن في مثل تلك الفترة، لأن لنا بلداننا الخاصة ودولنا وأموالنا وجيوشنا...
والجواب: أن المرحلة المكية هي إحدى مراحل الدعوة التي قد تكرر في بعض البلدان، حيث يكون المسلمون فيها أقلية ضعفاء تحت دولة كافرة قوية، لا يستطيعون أن يظهروا دينهم ولو في حده الأدنى، ولا يستطيعون الدعوة إليه، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه، وفي الدول التي سارت في فلكه، كالصين وألبانيا ونحوها.

ولا زالت بعض المناطق في الصين ينال فيها المسلمون "في بلدهم المحتل" أشد أنواع القهر والإذلال، كما هو الحال في "التركستان الشرقية" وكذلك في "بورما".

وغالب بلدان المسلمين التي ظاهرها الاستقلال بحكوماتها وحدودها، أصبحت في هذا الزمن شبيهة بالأسرى لدى الدول القوية التي تملك ما ترهب به غيرها، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

والسبب في ذلك ضعف تلك الدول لأنها لا تملك استقلالها في الاقتصاد والزراعة والمواد الخام، والمواصلات البرية والجوية والبحرية، والعسكرية، لأن الحصول على جميع تلك المرافق مرهون بموافقة تلك الدول.

فهي التي تعين ما يجوز تصديره للدول المستضعفة وما لا يجوز، وهي التي تتحكم في قطع الغيار، وهي التي تستطيع حصار أي دولة اقتصاديا وتجاريا ودبلوماسيا وعسكريا، ومواصلات واتصالات، تمنع عنها ضرورات حياتها من الغذاء والدواء وغيرهما، ولا يغيب عنا ما فعلوه مع العراق وليبيا والسودان...

ثم إن عند الدول القوية المهيمنة القدرة على أن يحتلوا الدول التي لا تستجيب لمطالبهم، ولا تجد تلك الدول ناصرا من دول أخرى، وما حصل في أفغانستان والعراق شاهد.

فإذا كانت قريش تملك لإيذاء أفراد المسلمين، السيف والحربة والعصا، والحبس والتقليب على الصخور الشديدة الحرارة، فإن الدول القوية اليوم تملك الصواريخ عابرة القارات، وحاملة الطائرات والغواصات النووية، والمقاتلات الجوية التي لا تنالها الصواريخ العادية إن وجدت، والقنابل المدمرة وأسلحة الدمار الشامل، وهي لا تكتفي بالعدوان على الأفراد، وإنما تدمر بتلك الأسلحة الفتاكة الشعوب ومرافقها...

هذه الدول الضعيفة أمام تلك الدول القوية، لا قدرة لها على إقامة الجهاد العسكري، لتحقيق الهدف الأول، وهو ما يسمى بجهاد الطلب، لأنها مهددة بسبب ضعفها باحتلال بلدانها...

وإنما ذكرت هذا الأمر، لأنبه كثيرا من الشباب الذين يظنون أن حكومات الشعوب الإسلامية، بوضعها الحالي الذي لا يخفى على أحد، قادرة على القيام بهذا النوع من الجهاد، بل اعتقد كثير من الشباب أنهم يملكون القدرة على جهاد الطلب، لأنهم لم يفهموا حقيقة القدرة الشرعية، بل جعلوا مجرد قدرتهم على الفعل مسوغا لقيامهم بالجهاد، وإن ترتب على ذلك ما يعود على هدف الجهاد بالنقض، كما هو الواقع اليوم.

المسألة الثانية: فهم كثير من الشباب أن الفرد أو المجموعة من المسلمين، لهم الحق - أو يجب عليهم – أن يقوموا بجهاد الطلب، ولو لم يكن ذلك بإذن من ولاة الأمر، وبدون تفكير فيما يترتب على فعلهم من الأضرار التي تعود على عامة المسلمين...

سبق أن جهاد الطلب، يجب أن تكون له "قيادة شرعية منبثقة من أهل الحل والعقد، جامعة للفقه في الدين ومعرفة الواقع الذي يتيح لها قرار الإقدام أو الإحجام، مراعاة لجلب المصالح للأمة ودفع المفاسد عنها."

وسبق ذكر بعض المفاسد التي ترتبت على بعض التصرفات التي ظن القائمون بها أن فيها مصالح للمسلمين، ولم يفطنوا لتفويت مصالح أعظم منها، وظنهم أن فيها دفع مفاسد عن المسلمين، ولم يفطنوا لحصول مفاسد أعظم منها...

المسألة الثالثة: التنبيه على أن الذي يحق له القيام بجهاد الطلب، هو الذي عنده – في الغالب - قدرة أن يتحمل مسئولية دفع الأخطار المترتبة على ذلك عن الأمة، وهذا لا يتاح إلا لولي الأمر الذي له سلطة على الأمة تجعله قويا على دفع تلك الأخطار بأهل الحل والعقد فيها...

والأفراد أو المجموعات الذين يقومون بما يعتقدون أن لهم الحق فيما يقومون به من جهاد الطلب، لم تعد الأضرار المترتبة على تصرفاتهم عليهم وحدهم [مع أن تلك الأضرار العائدة عليهم وحدهم، مفاسدها أعظم من مصالحها] بل عادت الأضرار على الأمة الإسلامية في كل أنحاء الأرض.

ومعلوم أن إلحاق الإنسان الضرر بأخيه الإنسان، محرم في الإسلام، وهو أمر متفق عليه، فكيف إذا لحق الضرر الأمة الإسلامية كلها.
وقد روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن الرسول صلى الله عليه وسلم: قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) [البخاري، برقم (10) ومسلم، برقم (40) بلفظ "أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين خير؟ قال: (من سلم المسلمون من لسانه ويده)"

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله قال: (لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاقَّ شاق الله عليه) [الحاكم في المستدرك، برقم (2345) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه" ورواه الدارقطني، برقم (288) و ابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت، برقم (2340)]

وقد يقال: إن جهاد الطلب الذي يقوم به بعض الشباب، ليس موجها ضد المسلمين، وإنما هو موجه ضد أعداء المسلمين الظالمين.
والجواب أن التسبب في إلحاق الضرر كالمباشرة، يلام صاحبه، كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص، رضي الله عنهما، أن رسول الله قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه) [مسلم، برقم (90)]

ولهذا يجب على من بقي من هؤلاء الشباب عاقدا النية على السير في هذا الطريق، أن يتقي الله ويفكر مليا في هذه الأمة التي أصابها ما أصابها من الكوارث، وأن يثوبوا إلى رشدهم، ويقلعوا عن هذه التصرفات التي هذا شأنها...
فهم مع إخوانهم المسلمين في سفينة واحدة، إذا غرقت غرقوا جميعا، وإذا نجت نجوا جميعا...

كما يجب على حكومات الشعوب الإسلامية، أن تعامل هؤلاء الشباب، عندما يرجعون عن هذه التصرفات، أن يقبلوا عودتهم، وأن يعاملوهم المعاملة اللائقة بهم، لتحصل بذلك الوقاية من الأضرار المترتبة على الاستمرار في هذا السبيل ، وهو العنف وعنف العنف، الذي قد لا تكون له نهاية...

وسيأتي أن لهذا الشباب مندوحة أخرى في جهاد الدفع في بعض البلدان الإسلامية....

المسألة الرابعة: فهم المنكر وفهم معنى إنكاره باليد، فقد فهم كثير من الشباب المسلم، أن مجرد القدرة على تغيير المنكر باليد يوجب على القادر القيام به، بصرف النظر عما يترتب على ذلك من فوات مصالح وحصول مفاسد.

فقد يوجد منكر لا غبار عليه، مثل شخص يعلن ردته عن الإسلام، أو يصرح بأن الشريعة الإسلامية لم تعد صالحة للتطبيق في هذا العصر، أو حاكم لا يطبق شريعة الله ولكنه لا يصرح بعدم صلاحيتها للتطبيق، أو شخص أو أشخاص يشربون المسكر...

هذا منكر واضح، ولكن من له حق تغييره وكيف يغير؟
إن الواجب على كل مسلم أن يكره هذا المنكر بقلبه ويكره صاحبه بسبب فعله أو قوله، وأن يصرح بلسانه أن ذلك منكر وينهى صاحبه عنه، ولا يجوز لأحد السكوت عن هذا الإنكار، إلا إذا خاف أذى محققا يلحقه في نفسه أو أهله أو ماله، بحيث لا يطيق تحمل ذلك الأذى، فإنه عندئذ مخير في الإنكار باللسان أو عدم الإنكار، لأنه معذور في عدم الإنكار، و قام بكلمة حق عند سلطان جائر... عند الإنكار... واقتدى بمن سبقه في ذلك من السلف الصالح.

كما هو شأن أبي ذر عندما صرخ بـ(لا إله إلا الله) بين ظهراني المشركين، فنال ما نال من أذاهم، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم نصحه بأن يكتم إيمانه، وكقصة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في قضية القول بخلق القرآن....

أما الإنكار باليد فليس من حق الأفراد أو المجموعات التي لا سلطان لها على الأمة، لما يترتب على ذلك من المفاسد وأهمها انتشار الفوضى والتقاتل بين الناس، اللذين تكون مفاسدهما أعظم بكثير من مفاسد المنكر نفسه الذي غير باليد.

ويعتبر رب الأسرة ونحوه من أولياء الأمور الذين يجب عليهم إنكار المنكر باليد على من يدخل في ولايتهم عليه، في غير ما هو من حق ولاة الأمر من الحدود والقصاص وما في معناهما، كما فصلت ذلك في كتاب "الحدود والسلطان"

ومن هنا كان ذلك من حق ولاة الأمر، بل هو من واجباتهم، وهم الآثمون إذا لم يقوموا بذلك، ويكون غير ولي الأمر الذي لا سلطان له، فاقدا القدرة الشرعية في هذه الحال.

ولقد بالغ بعض الشباب المسلم في فهمه للمنكر وفهمه لإزالته باليد، إلى أن أصدر حكمه على بعض الأشخاص بالردة، ثم أعطى نفسه الحق في إقامة الحد على أولئك الأشخاص، و سمى حكمه وفعله بـ"الجهاد الفردي الحل الممكن"
http://www.alsahwa-yemen.net/exp_news.asp?sub_no=4027

هذا مع العلم أن إصدار الحكم بالردة يحتاج إلى الرجوع إلى علماء الإسلام، ليصدروا في ذلك فتواهم التي تبين صحة الحكم بالردة على الفرد المعين أو فسادها، لأن إخراج المسلم المعين من الإسلام لا يجوز إلا بيقين.

ولا بد للحكم بالردة على الشخص المعين من توافر شروط وانتفاء موانع.
وغالب طلاب العلم الصغار لا يحيطون بتلك الشروط والموانع، ولو حفظوها عن ظهر قلب، فقد تخفى عليهم من الناحية العملية، ولأن الأمور المترتبة على الحكم بالردة خطيرة كذلك.

فالمرتد لا يرث ولا يورث، ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وحده القتل كما ورد في الأحاديث الصحيحة، وإن شكك في ذلك بعض الناس في هذا الزمان.... فهل يجوز لفرد أو أفراد من طلاب العلم الصغار، أن يصدروا في مثل هذا الأمر الفتاوى، وينفذوا ما يترتب على فتاواهم فيما سبق، بدون الرجوع إلى علماء الأمة الأكفاء؟!

وقد اشتهر عند علماء الأمة قديما وحديثا، أنه لا يجوز الإقدام على إنكار منكر محقق، إذا كان يترتب على إنكاره حصول ما هو أنكر منه.

قال العز بن عبد السلام السلمي رحمه الله:
"إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن دفع المفاسد وتحصيل المصالح فعلنا ذلك، وإن تعذر الجمع، فإن رجحت المصالح حصلناها ولا نبالي بارتكاب المفاسد، وإن رجحت المفاسد دفعناها ولا نبالي بفوات المصالح" [الفوائد في اختصار المقاصد:(1/:47) دار الفكر المعاصر 1416هـ مدينة النشر دمشق]

وقال ابن تيمية رحمه الله: " فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإتمامه بالجهاد، هو من أعظم المعروف الذى أمرنا به، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات، فالواجبات والمستحبات لابد ان تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد بل كل ما أمر الله به فهو صلاح وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين.

فحيث كانت مفسدة الأمر والنهى أعظم من مصلحته، لم تكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرِك واجبٌ وفُعِل مُحرمٌ، إذ المؤمن عليه أن يتقى الله فى عباده وليس عليه هداهم" [مجموع الفتاوى (8/126)]

وقال في موضع آخر: "وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي "الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ": فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ أَوْ تَزَاحَمَتْ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ.

فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ; بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ" [مجموع الفتاوى(28/129)]

وذكر ابن القيم رحمه الله: أن لإنكار المنكر أربع درجات، فقال:
"فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته.
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأوليان مشروعتان
والثالثة موضع اجتهاد
والرابعة محرمة" [إعلام الموقعين (3/4)]

وقال الشوكاني رحمه الله في تفسير الآية الكريمة: ((ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون)) [الأنعام (108)]:
"وفى هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه، من انتهاك حُرَمٍ ومخالفةِ حقٍّ ووقوعٍ فى باطل أشدَّ، كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه..." [تفسير فتح القدير (2/150)]

وقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم مصلحة شرعية، خشية من وقوع مفسدة أعظم منها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي قال له:ا (يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم) [صحيح البخاري، برقم (1509) وصحيح مسلم، برقم ولفظه (حديثو عهد بشرك) (1333)]

وكلام العلماء في هذه المسألة قد يصعب حصره، في كتب التفسير وشروح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد الفقه... وكتب السياسة الشرعية و الفتاوى وغيرها... فينبغي لطلاب العلم أن يهتموا بها، وأن يتلقوها على أيدي فقهاء الإسلام، وألا يغتروا بقراءاتهم التي لم يصقل عقولهم وأفهامهم فيها من تحققوا بفقهها وفهمها، استنادا على أخذها من أهلها قبلهم.

فإن الطالب الذي يأخذ علمه من الكتب، ولم يتتلمذ على مخصصين في العلم الذي يأخذه، يكون أشد ضررا في أحكامه الشرعية، من طالب طب استقل بقراءته في الجرائد والمجلات دون أن يأخذ علم الطب على يد المهر من الأطباء، ثم أخذ يحلل ويصف الأمراض والعلاج لمرضى البشر...

ولهذا كان سبب وجود الفرق الضالة استقلالها عن علماء الشريعة الذين تلقوا علومهم كابرا عن كابر على أيدي من سبقهم ممن سلكوا مسلك الصحابة والتابعين، في طلب العلم....

قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات:

إحداها: العمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له، فليس بأهل لأن يؤخذ عنه، ولا أن يقتدى به في علم..
والثانية: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم، فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح.

فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر..

وصار مثلُ ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائفة ولا أحدا مخالفا للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف".
[من كتاب الموافقات في أصول الشريعة (1/91ـ95) بتحقيق الأستاذ محمد عبد الله دراز، باختصار]

فليعرف طالب العلم قدر نفسه، ولينزلها منزلتها، وليتواضع ويأخذ العلم عن أهله، ولا يغتر بما التقطه من صفحات الكتب بنفسه، دون تلقي العلم على يد أهله، فإن فوق كل ذي علم عليم، وفي قصة موسى عليه السلام، عندما "جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر"
[صحيح البخاري، برقم(74،78) وقصته مبسوطة في سورة الكهف وفي الأحاديث الواردة فيها عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم]

المسألة الخامسة: سهولة نشر الدعوة الإسلامية في هذا العصر، إلى كل صقع من أصقاع الأرض، نشرا عاما لكل الناس، ونشرا خاصا إلى أشخاص بأعيانهم

فالوسائل المتاحة اليوم، من المواصلات والاتصالات... عن طريق الفضائيات والإذاعات والصحف والكتب والمنشورات، والشبكة العالمية [الإنترنت] والبريد الإلكتروني، والبريد العادي، والأشرطة [أشرطة الفيديو والكاسيت] والهاتف الثابت والمتنقل، إضافة إلى وسائل التعليم، كإنشاء المدارس والمعاهد والكليات والجامعات، كل هذه الوسائل يمكن أن تقام بها الحجة على غالب الناس، وتنشر بها الدعوة الإسلامية بجميع لغات العالم.

ولهذا يجب على جميع الحكومات في الشعوب الإسلامية، وأغنيائها وعلمائها والمتخصصين في كل وسيلة من تلك الوسائل، أن تتخذ كل وسيلة ممكنة للقيام بذلك، ويأثم كل من تأخر عن القيام بذلك، وهو قادر عليه، مادام لم تقم بذلك طوائف كافية للقيام بالبلاغ المبين.

هذه الوسائل تقوم اليوم مقام جهاد الطلب الذي يعجز المسلمون اليوم عن القيام به، فاتخاذها والقيام بها فرض كفاية، يسقط عن المسلمين، إذا قامت بها طوائف كافية منهم.

ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية استغلت الشباب المسلم، في هذا المجال، كل فيما يجيده ويقدر على أدائه، لكان في ذلك ملءٌ لفراغهم وتشغيلٌ لهم فيما يعود عليهم وعلى أمتهم، وعلى العالم كله بالخير العميم والنفع العظيم، وهذا ما نشاهده في الشباب الذي سلك هذا المسلك، فقام بالدعوة إلى الله أو تعليم الجاهلين بدين الله، أو بإغاثة المحتاجين من المسلمين.

المسألة السادسة: حكم العسكريين الأجانب الذين يدخلون بلدان المسلمين باتفاق مع دولها.

لا بد هنا من التنبيه على هذه المسألة، لأن كثيرا من الشباب المسلم اتخذها ذريعة للتفجيرات في بعض البلدان الإسلامية، غيرة منهم على هذه البلدان وحرصا على حمايتها من بقاء غير المسلمين من العسكريين فيها.

ونحن نقول: إن الأصل ألا يمكن العسكريون غير المسلمين، من دخول بلدان المسلمين والبقاء فيها، ولكن هذا الأصل في غاية الصعوبة على حكومات الشعوب الإسلامية اليوم، لأمرين:

الأمر الأول: أنها مضطرة إلى الحصول على السلاح الذي لا تملكه، ولا تستطيع الاستغناء عنه، لعدم وجود مصانع سلاح مستقلة لهذه الحكومات، وعدم قدرتها على إيجاد تلك المصانع التي تمكنها من صنع السلاح المطلوب، لأن الدول القوية، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، أصبحت اليوم قادرة على كشف السلاح ومادته، ومصانعه في بلدان العالم كله، فهي تراقب الأجواء والبحار والبراري، ولا يخلو بلد من بلدان العالم من آلات تجسسها وجواسيسها...

الأمر الثاني: احتكار الدول القوية للسلاح ومصانعه وصناعته، فرضها شروطا مجحفة على الدول الضعيفة، ومن تلك الشروط قبول الدول المشترية لخبراء عسكريين من الدول البائعة يشرفون على ترتيب السلاح ويقومون بتدريب جيش الدول المشترية، وقد يشترطون الاشتراك في مناورات معينة...

فالدول التي تحتاج لهذا السلاح، لا تخلو من أحد أمرين: الأمر الأول شراء السلاح مع قبول الشروط الظالمة، والأمر الثاني: الحرمان من السلاح، وهو أمر يعرضها للتهديد من أي دولة تريد العدوان عليها وعلى شعبها.

ومع اعترافنا بهذه الضرورة التي أخضعت هذه الدول لقبول الشروط المجحفة من الدول التي تبيع السلاح، فإننا نحمل حكومات الشعوب الإسلامية مسئوليتها عن التقصير الذي حصل منها، في الأوقات التي كان في استطاعتها إنشاء مصانع للسلاح وكل ما يقتضيه من أدوات، وبخاصة الدول العربية التي فوتت فرصا مواتية لإنشاء مصانع للسلاح، قبل أكثر من خمسين عاما، عندما وقعوا في الجامعة العربية اتفاقية الدفاع العربي المشترك،التي قبرت بعد توقيعها مباشرة، بسبب خلافاتها وعدم ثقة بعضها في بعض.
http://www.omandaily.com/MONDAY/articles/art8.htm

http://www.arableagueonline.org/arableague/arabic/details_ar.jsp?art_id=135&level_id=121

وقد تمكنت بعض الدول من إنشاء مصانع أسلحة متقدمة، ومنها السلاح النووي، لأنها شمرت عن ساعد الجد من وقت مبكر واغتنمت أي فرصة أتيحت لها، لتتمكن من إعداد عدتها لأعدائها، كما هو الحال في الهند وتلتها الباكستان، ويبدو أن لإيران من ذلك نصيب.

أما اليوم فإن حربا شعواء تشنها الصليبية الأمريكية واليهود، على هذه الدول وغيرها من حكومات الشعوب الإسلامية، للسيطرة عليها وعلى سيادتها.
ولهذا تصر على الحَوْل بينها وبين كل ما يمكن أن يقويها من المصانع، وبخاصة مصانع السلاح.

ولو أن حكومات الشعوب الإسلامية، وبخاصة العربية منها، اعتصمت بحبل الله واجتمعت كلمتها على التعاون على ما يحقق مصالح شعوبها، ويدفع المفاسد عنها، ووقفت وقفة واحدة في التعامل مع الحكومات الغربية ومنها أمريكا، مصلحة بمصلحة، فإنها هذه الدول ستحصل على كثير من حاجاتها من السلاح وغيره، لأن المصالح التي تملكها الدول العربية وغيرها، وتحتاج إليها الدول الغربية ولا تستغني عنها، كثيرة جدا يمكنها أن تحقق للمسلمين كثيرا من المصالح.

ولكن تنازع هذه الدول الذي أثلج صدور الدول الغربية التي تتحقق به لها من المصالح ما لا يمكن تحقيقه بدونها، ولهذا نراها تصر على المزيد من هذا التنازع والتمزق، فتتدخل في شئون كل دولة على انفراد لتسلط بعض أحزابها على بعض، وتسلط الأحزاب على الدولة باسم المعارضة، حتى يصل الأمر إلى الانقلابات والاقتتال.

كما تتدخل في المنظمات الإقليمية، كشأنها مع جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والمنظمات الدولية، كمنظمة المؤتمر الإسلامي، ودول عدم الانحياز، وكذلك تفعل مع الدول غير الإسلامية، فلم يوجد أي تجمع لم تدس الولايات المتحدة أنفها في شئونه، وتحول بينه وبين اتخاذ وسائل قوته....

ومع هذا الظلم والاستبداد اللذين تتعامل بهما الولايات المتحدة الأمريكية، مع الدول العربية وغيرها من حكومات الشعوب الإسلامية، يجب أن لا تيأس هذه الدول من تتدارك أمرها، فتتخذ كل وسيلة متاحة للاجتماع على مصالحها المشتركة، والتعاون على تحقيقها، وعمل الأسباب التي تجعل كل دولة تثق في الأخرى، لأن عدم الثقة هو السبب في الْحَوْل بينها وبين تعاونها.

وإذا وجدت هذه الثقة وتم التعاون بين هذه الدول، فإن كثيرا من أمورها سيسهل بإذن الله، لأن اقتصادها سيقوى، وموقفها الموحد في التعامل مع الدول الغربية، سيمنحها الاحترام، وستأخذ من تلك الدول مثل ما تعطيها.

وستتسابق الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية وأستراليا واليابان وروسيا إلى التعامل بالمثل مع حكومات الشعوب الإسلامية وبخاصة الدول العربية، وعندئذ ستكون عندهذه خيارات متنوعة مع الدول الأجنبية، وستكون شروط بعضها في بيع السلاح أخف من بعض، وقد تتمكن الأمة الإسلامية ببركة اجتماع كلمتها وأخوتها التي أمرها الله بها، من إعداد عدتها بمصانع تنشئها هي:

((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون)) [(103)]
((وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)) [الأنفال (46)]

أما الهدف الثاني: وهو جهاد الدفاع عن المسلمين وبلدانهم، فهذا الجهاد فرض عين يجب على الحكومات والشعوب الإسلامية التي يعتدي عليها الكفار القيام به، مهما كانت التضحيات في الأموال والأرواح، لأن في ترك العدو يحتل أرضهم، تمكينا له من السيطرة على المسلمين وإذلالهم وفقدهم العزة التي اختارها الله تعالى لهم، و مما يدل على وجوب ذلك، ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في غزوتي أحد والأحزاب، اللتين ابتلى الله فيهما المسلمين ابتلاء شديدا...

وإذا اضطر المسلمون لقلتهم وضعفهم، إلى مصالحة المعتدين مدة محددة أو مطلقة، حتى يعدوا العدة التي تمكنهم من طرد العدو عن بلادهم، فذلك أمر مشروع، بل إذا اضطروا إلى مصالحة عدوهم على مال يدفعونه له، ليرحل عن بلادهم، جاز ذلك عند الضرورة.

فقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعله مع الأعداء في غزوة الأحزاب، ولكنه استشار زعماء أهل الحل والعقد في المدينة، فرفضوا ذلك بعد أن تبينوا أنه إنما فعل ذلك رأفة بهم، وليس عن وحي نزل عليه بذلك، وغلب على ظنهم القدرة على حرب العدو ودفعه.

فإذا فرض أن الأعداء احتلوا أرض المسلمين لعجزهم عن دفعهم عنها، فعلى المسلمين أن يتخذوا كل وسيلة متاحة مشروعة لطردهم منها، ويكون ذلك بأمرين:

الأمر الأول: عاجل لا مهلة فيه إلا لترتيبه، وهو القيام بالحرب الفدائية، وهي ما تسمى بحرب العصابات، أو حرب المقاومة التي يقوم بها اليوم المجاهدون في فلسطين والعراق وغيرهما... وهذا من أعظم ما يرهب العدو ويقض مضجعه، لأنه لا يدري من أين يأتيه الموت ومتى يأتيه؟ ولأن أهل البلد يتعاونون على القيام بذلك، فمنهم من يحضر للمجاهد الطعام والشراب والدواء والكساء، ومنهم من يحضر له المواد التي يحتاج إليها للقيام بمهمته، ومنهم من يؤيه ويكنه إذا احتاج إلى ذلك....

الأمر الثاني: آجل يحتاج إلى تخطيط وإعداد لمدى أبعد، يترتب عليه طرد العدو من البلد، بالجهاد المسلح الواضح....وهذا لا يتم إلا بالتعاون التام بين فئات أهل البلد كلهم، حاكمين ومحكومين، رجالا ونساء شبابا وشيبا، أغنياء وفقراء، كل فيما يملكه ويجيده....وكل من تأخر عما يقدر عليه في هذا المجال، هو آثم عند الله.

قال تعال: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)) [الأنفال (60)]

وقال تعالى: ((ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)) [التوبة(38)]

وعلى الشباب المسلم الذي يرغب في الجهاد في سبيل الله، أن يفعل ما يقدر عليه من أنواع الجهاد كالجهاد بالمال، ينفقه من ماله للمجاهدين في سبيل الله دفاعا عن أوطانهم التي اعتدى عليها الأعداء، ولأسر الشهداء من الأيتام والأرامل، والمرضى في المستشفيات، وبخاصة أهل الأرض المباركة "فلسطين" التي دنسها اليهود ودنسوا مساجدها الطاهرة، وبخاصة المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبلتنا الأولى.

وقتلوا أهلها رجالا ونساء، شبابا وشيبا، وأخرجوهم من ديارهم، وخربوا كل ما أتت عليه آلاتهم الحربية من منازل ومزارع ومصانع وغيرها، والذي عنده قدرة شرعية من شباب الإسلام الجهاد بنفسه، فعليه أن يفعل، لأن الجهاد هنا فرض عين، إذا توفرت القدرة الشرعية...

قال تعالى: ((وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا)) [التوبة(75)]

والذي يغلب على الظن أن القدرة الشرعية هنا قد لا تتوافر لكثير من الراغبين في مباشرة قتال العدو، لأن حدود الأرض المباركة مغلقة، بجيوش العدو وأسلحته الجوية والبرية والبحرية، وبالجيوش العربية التي لدولها حدود مع اليهود، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها...

خاتمة:

أذكر شبابنا المسلم، كما أذكر حكومات شعوبنا الإسلامية، أننا جميعا ركاب سفينة تتقاذفها أمواج محيطات الفتن، ويحيط بها الأعداء من كل جانب، لإغراقها وإهلاكنا جميعا، وأن واجبنا أن ننقذ سفينتنا من أمواج الفتن، ومخططات الأعداء، لتنجو سفينتنا فننجو بنجاتها، وإلا غرقنا بغرقها.

وقد حذرنا الله تعالى من الفتنة العامة التي لا تصيب الظالمين وحدهم، وإنما تصيب الظالم والراضي أو الساكت القادر على الإنكار القدرة الشرعية...
فقال تعالى: ((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)) [الأنفال (25)]

وأمرنا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، أن نسرع بالأعمال التي ترضي ربنا سبحانه، ونسبق بها الفتن التي تتوالى على هذه الأمة في ظلمات الجهل والمعاصي، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [صحيح البخاري، برقم (118)

وحذرنا صلى الله عليه وسلم، من التقصير في حماية سفينة حياتنا من المفسدين الذين يودون إغراقها لإهلاكنا، كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي قال.

(مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) [صحيح البخاري، برقم (2361)]

وإن حماية سفينتنا من الغرق وحماية أنفسنا من الهلاك، لا يتمان إلا باعتصامنا بحبل الله، واجتماع كلمتنا على الحق، وتحقيق الأخوة الإسلامية التي تثمر المحبة والتعاون على البر والتقوى، وأن يحب كل منا لأخيه ما يحب لنفسه من الخير....

فعلى علمائنا الأفاضل أن يجتمعوا، ويتدارسوا أسباب الفرقة والنزاع، وعوامل المنكر والفساد، والأحداث الجديدة التي أقلقت الأمة الإسلامية وأفقدتها توازنها، وهددت أمنها واستقرارها.

وأن يفتحوا صدورهم لشاب هذه الأمة، ويسمعوا منهم ما يدور بخواطرهم والأسباب التي دفعت بعضهم إلى ما قاموا به من التفجيرات في البلدان الإسلامية، وبخاصة هذه البلاد بلاد الحرمين الشريفين، ويحاوروهم محاورة الأب الحنون لأبنائه، مع الصبر عليهم والحكمة في محاورتهم، واللين في مخاطبتهم، وليس حوار الغلظة والقسوة والتأنيب.

فإن إظهار المحبة لهم والعطف عليهم، والحكمة في محاورتهم ولين الجانب لهم، كل ذلك جدير بقبولهم ما قد يظهر لهم من الحق الذي أخطأوه، والشبهات التي لبست عليهم.... إنهم أبناؤنا ونحن آباؤهم وكما نطلب منهم البر بنا، فحقهم علينا الشفقة عليهم وإشعارهم بالأبوة الحانية...

ثم عليكم يا شبابنا المسلم، ويا أبناءنا البررة أن تقتربوا من آبائكم العلماء وإخوانكم المثقفين الذين يحبونكم ويدعون الله أن يحفظكم لخدمة دينه وأمته، والذود عن أوطانكم التي يهددها الأعداء من كل مكان...

ثم إن على حكامنا في الشعوب الإسلامية، وبخاصة حكام هذا البلد العظيم، بلد الوحي والرسالة والدعوة إلى الله تعالى، أن يضعوا خطة مرنة لكيفية التعامل مع هذا الشباب الذي حصلت منه التفجيرات....

فإذا جاء أحد منهم تائبا قبل القدرة عليه، فقد يكون العفو عنه في الحق العام أنفع من مؤاخذته به، لقوله تعالى: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)) (34) [المائدة]

قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية في الآية الأخيرة:
"أما على قوله من قال: إنها في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا فيه قولان للعلماء وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع وعليه عمل الصحابة...." [تفسير القرآن العظيم (3/102)]

قال تعالى: ((والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)). [الشورى: 39ـ43].
كما قال تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)) [آل عمران: 133ـ134].

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوة الأمة في العفو والسماحة فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه، فقالت: "لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخَّاباً بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" [الترمذي (4/369) وقال: هذا حديث حسن صحيح "الصخب كالسخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام"].

وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله رجلاً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). [مسلم (4/2001) والترمذي (4/376)].

فقد يكون العفو عن التائبين في الحق العام سببا في عودة غيرهم من زملائهم، وفي ذلك نوع من المعالجة الحكيمة المؤدية إلى استتباب الأمن والتخفيف من التوترات وسفك الدماء. ((ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)) [فصلت (34)]

أما الحقوق الخاصة، فمرجعها إلى القضاء، ليتخذ فيها الحكم الشرعي العادل، ما لم يعف صاحب الحق: ((ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم))[البقرة (178)]

احصل على نسخة من الموضوع على ملف وورد

كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
[email protected]