صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







الشورى قبل الفتوى

د.عبدالعزيز بن سعد الدغيثر

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وبعد:
فإن كثيرا من الفتاوى التي جرت بها الركبان مما وقع فيها الخطأ بسبب ضعف التصور أو العجلة وعدم البحث والتروي قبل الجواب، إنما نتجت بسبب هجران سنة الشورى قبل الفتوى، وفي هذا المقال بيان لأهمية هذه السنة، وبعض ما ورد فيها.

الشورى سنة مشروعة

يستحب للمفتي أن يكثر المشورة عند الحاجة، وذلك استجابة لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ (آل عمران: من الآية159)، وفي وصف أهل الإيمان يقول تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ (الشورى: من الآية38). وقد كان من هدي الصحابة إعمال الشورى في الوقائع المستجدة[1]، وهذا ظاهر في هديهم وسيرتهم، كما يأتي بعض وقائعهم.

اختيار المستشار:

ولا يعني هذا أن يستشير كل منتسب للفقه بل يختار منهم من هو أهل للاستشارة، ويدل على هذا حديث ميمون بن مهران أن أبا بكر الصديق كان إذا ورد عليه أمر ولم يجده في الكتاب والسنة دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم وكان عمر يفعل ذلك[ رواه البيهقي بسند صحيح كما في فتح الباري 13/ 342].
قال ابن عباس: كان القراء- يعني أهل العلم- أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شبانا[ رواه البخاري(7286)].
وقال أبو الحسن الأزدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر [2].
وقد ورد عن علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله: الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمض منك سنة فقال: أجمعوا العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد"[3].

استشارة الأعلم والأحكم

وقد ذكر ابن عباس - رضي الله عنهما - قصة قدوم عمر للشام، وأنه لما أخبر بوقوع الطاعون بها دعا المهاجرين الأولين فاستشارهم.."[ رواه البخاري(5729).].
ولما بعث عمر - رضي الله عنه - جيشاً إلى العراق وأمر عليهم أبا عبيدة الثقفي أمره أن يستشير أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب"[ البداية والنهاية 7/ 26].
وكان الفاروق رضي الله عنه يشاور الصحابة ولو كانوا حدثاء في السن ما داموا من أهل الاجتهاد كابن عباس رضي الله عنهما[4].

لا يلزم كون المستشار من الكبار:

الأفضل أن يقصد في استشارته ذوي الخبرة والعلم من الكبار، قال علي - رضي الله عنه -: (رأي الشيخ خير من مشهد الغلام)[ رواه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 113، تهذيب الرياسة / 188].
وقد يكون عند صغار السن من طلبة العلم ما لا عند غيرهم لحدة عقولهم، وقد كان ابن شهاب الزهري - رحمه الله - يشجع الصغار، ويقول: "لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم"[ رواه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله / 1/ 85].
قال ابن عباس: كان القراء- يعني أهل العلم- أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شبانا[ رواه البخاري(7286)].
  
الاستشارة هدي الأئمة المجتهدين:

وقد أدرك ذلك الأئمة المجتهدون، وأوصوا بها من بعدهم، يقول الشافعي – رحمه الله - في وصاياه للمجتهد : ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبيتا فيما اعتقد من الصواب[5]. وقد كان السلف يتدارسون الفقه ويتباحثون الليالي الطوال لما عرفوه من أهمية هذا الجانب وتفتيقه للأذهان وتمرينه للعقول.
وكان كبار التابعين يحرصون على الاجتهاد الجماعي فقد جاء في ترجمة سالم بن عبدالله  بن عمر أحد الفقهاء السبعة عن ابن المبارك قال: كانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعا فنظروا فيها ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم فينظرون فيها فيصدرون[6].
فالاجتهاد الجماعي - خاصة في الأمور العامة - يقي الأمة من مشاكل الاختلاف الذي ينتج عنه اختلاف الآراء، ومستند ذلك النصوص العامة في الأمر بالشورى وتطبيق الخلفاء لها[7]. قال الإمام المزني رحمه الله: إذا اختلف الأئمة وادعت كل فرقة بأن قولها هو الذي يوافق الكتاب والسنة، وجب الاقتداء بالصحابة وطلبهم الحق بالشورى الموروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيحضر الإمام أهل زمانه فيناظرهم فيما مضى وحدث من الخلاف، ويسأل كل فرقة عما اختارت، ويمنعهم من الغلبة والمفاخرة، ويأمرهم بالإنصاف والمناصحة، ويحضهم على القصد به إلى الله تعالى، فإن الله تعالى يقول:" إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما" ، فبذلك يتبين لهم نظر الكتاب والسنة[8].
وقد كان في الأندلس مجالس للشورى بين أهل العلم يتشاورون فيها في المسائل النوازل ولها أرزاق من بيت المال كما في الموافقات[9].
ولقد أدرك كبار علماء القرن الماضي ضرورة إيجاد هيئة عامة مؤسسية على مستوى العالم الإسلامي تختص بإصدار الفتاوى العامة للمسلمين، فقال ابن عاشور: وإن أقل ما يجب على العلماء في هذا العصر أن يبتدئوا به من هذا الغرض العلمي أن يسعوا إلى جمع مجمع علمي يحضره أكبر العلماء بالعلوم الشرعية في كل قطر إسلامي على اختلاف مذاهب المسلمين في الأقطار، ويبسطوا بينهم حاجات الأمة، ويصدروا فيها عن وفاق فيما يتعين عمل الأمة عليه، ويعينوا يومئذ أسماء العلماء الذين يجدونهم قد بالغوا رتبة الاجتهاد أو قاربوا[10].  وفي أهمية الاجتهاد الجماعي أيضا قال الشيخ أحمد شاكر: العمل الصحيح المنتج هو الاجتهاد الاجتماعي فإذا تبودلت الأفكار وتداولت الآراء ظهر وجه الصواب إن شاء الله[11].
ولقد قامت هيئات فقهية عالمية، وهيئات أخرى قطرية، ولكن لا زال بعض أهل العلم يصدرون الفتاوى في الأمور العامة التي حقها  أن لا يستبد فيها مجتهد بالفتوى، بل أن تكون الفتوى جماعية حتى لا يتشتت الناس. فنسأل الله أن يجمع الكلمة ويوحد الصف ويصفي القلوب.

الاستشارة الفعالة:

وعلى أن يستخدم الأسلوب الأمثل في المشورة؛ بأن يشاور من يريد مشاورته دون حضور أقرانه، ليتسنى له قول ما شاء دون حرج أو مجاملة لأحد. ومن لطيف ما يروى ما ذكره الجهشاري أن سابور ذا الأكتاف وهو من ملوك الفرس استشار وزيرين كانا له في أمر من أموره، فقال أحدهما: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا فإنه أموت للسر وأحزم في الرأي وأدعى إلى السلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض، لأن الواحد رهن بما أُفضي إليه وهو أحرى ألا يظهره رهبة للملك ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين مظهر؛ دخلت على الملك الشبهة واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد وإن اتهمهما اتهم بريئاً بجناية مجرم وإن عفا عنهما عفا عن واحد لا ذنب له وعن الآخر والحجة عليه[ الوزراء والكتاب للجهشاري / 11.].

فوائد الاستشارة قبل الفتوى:

1- تطبيق سنة المشورة.
2- الوصول للصواب غالباً.
3- العذر عند الخطأ، قال ابن المعتز: من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا[ آداب ابن المعتز / 99، تهذيب الرياسة / 185]
فيا أيها الفقيه، لا تغفل عن الاستشارة قبل الفتوى، وأبشر بالأجر، والوصول للصواب بإذن الله تعالى.
 

-------------------------------
[1] الموافقات 4 / 211.
[2] إعلام الموقعين 4 / 178 ، وهي في السير  5 / 416 عن أبي حصين.
[3] رواه الطبراني كما في المجمع 1/178.
[4] إعلام الموقعين 4 / 210.
[5] الرسالة / 511.
[6] التعالم/34.
[7] الاجتهاد الجماعي/ 28.
[8] البحر المحيط للزركشي 6/232.
[9] الموافقات 4 / 98 – 101.
[10] مقاصد الشريعة /302.
[11] الشرع واللغة /95 عن الاجتهاد ومقتضيات العصر/252.

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د.عبدالعزيز الدغيثر
  • بحوث علمية
  • مقالات حديثية
  • مقالات فقهية
  • مقالات لغوية
  • مقالات عقدية
  • مقالات أخرى
  • الصفحة الرئيسية