اطبع هذه الصفحة


دثروني دثروني

علي بن جابر بن سالم الفيفي
[email protected]

 
بسم الله الرحمن الرحيم
هو وليي وبه أستعين
دثروني دثروني


(( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ))
(( قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ))
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قال لي : أنفق يُنفق عليك "
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسوال الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى , ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا وفلان كذا وقد كان لفلان.

هاهي
سورية تعيش تحت ظلم الطاغوت الجاثم , عليها وتحت ظلم المسلم الذي تخلى عنها , وتحت ظلم الحُكام الذين باعوها , وتحت ظلم حكومات العالم التي لم تلتفت إليها بل قدمتها سلعة رخيصة في سبيل مطامعها , وتحت ظلم الكائن الظلوم الغشوم المسمى بالانسان ..

هاهم الظالمون من حكام العرب يتقاعسون في نصرة الانسان المظلوم في سورية , نكاية به وتأديباً لكل إنسان يُفكر في المستقبل بأن يتحرر من جور الطغيان وعبودية الانسان للإنسان ..

وها هو العالم كله وحكوماته تلك التي اجتمعت بقضها وقضيضها لتأبين مانديلا , بزعم الرفع من شأن الانسان , وكل من سعى في تحرير الانسان من الطغيان , ولكن تلك الحكومات وذلك العالم المُدعي للسمو والعلو بالانسانية اختفوا تماماً ولم نسمع لهم صوتٌ ولا صدى أمام المذابح الوحشية والمعاناة الانسانية التي تحدثُ أمام أعينهم في سورية الأبية , فتباً لهذا العالم المتلبس بلبوس الانسان المتشبع بثقافة يبتبرأ منها حتى الحيوان ..

وهاهم أنصار المجوس وعبدة إبليس يتنادون من كل مكان لنصرة الظالم ابن الظالم وذبح الاطفال الرُّضع واغتصاب الآف النساء والتمثيل بالجثث وتعذيب كل من يشهد أن إله الا الله ...

عاش الشعب السوري , في جوع وخوف على مدار ثلاث سنوات , يُنادي ويستصرخ ولا يسمع له أحد , واليوم يدخل على الانسان في سورية عذاب ثالث اسمه البرد , جوع وخوف وبرد , الخوف وحده عذاب والجوع وحده عذاب والبرد وحده عذاب , فما بالك إذا اجتمعت كلها ؟

إنني أبعث هذه الكلمات إلى كل مسلم موحد , وإلى كل إنسان في قلبه مثقال ذرة من رحمة ...


إذا كنت تجد قوت يومك
, وفي جيبك ما يربوا عليه , فقدمه لله وفي سبيل الله , فهناك أناس يموتون جوعاً وبرداً , يتلحفون السماء ولا يجدون غير الارض العراء فراشاً , يقتاتون من أوراق الشجر ...
إذا كنت في بيتك سعيداً لا تشكوا شيئا إلا الشبع ورتابة الحياة ؛ فتذكر قوماً من قومنا لا يجدون اللقمة ولا جرعة الماء ...

إذا فارقت بيتك يوماً
ذاهباً إلى المطعم الفلاني أو الموقع الفلاني لتستمتع بطعامه أو جلسته , فتمهل قليلاً قليلاً ثم ضع بين عينيك طفلاً يموت في حضن أمه وقد جف حليبها لجفاف بطنها , يبرد جسده رويداً رويداً فلا تملك أمه إلا أن تُشيح بعينيها عنه حتى يبرد كله فتحمله وتوسده الثرى , إذا تذكرت هذا فاحتسب عند ربك ما كنت ستذفعه ولو كان قليلاّ وابعث به إلى هناك حيث الناس تحولوا إلى أشباح من شدة الخوف والجوع والبرد , وإن أبيت ؛ فلا أقل من أن تقسم لهذا الطفل جزء مما ستدفعه ولا تستقله فما تراه في عينك قليلاً ربما يبعث حياة أوشكت أن تُفارق صاحبها ...

إذا عدت إلى بيتك يوماً
وكانت زوجك عند الباب تُحييك وطفلك من ورائها يسعى إليك , فتمهل قليلاً قليلاً وتذكر أختٌ لك هناك فارقها زوجها إما قتلاً وإما سجناً وهي تستجدي اللقمة ولا تجدها , أو أخرى لم تستطع الهروب من أيادي كلاب المجوس فهم يعيثون بها وبشرفها ولا زوج ينصرها أو أبا يحميها , تمهل قليلاً وتذكر أن هناك أمهات وأطفال مثل هذه الواقفة أمام عينيك في كامل زينتها , ولكنهم بلا زينة وبلا مأوى بل ولا طعام ولا بيت ولا زوج ولا أب ؛ تأمل هذا ثم احمد الله وتصدق..

إذا عمدتَ إلى المكيف تريد أن تفتحه
, وقد التحفت بلحاف يكفيك برد الشتاء , وحرصت قبل ذلك أن يكون ابنك وابنتك في لباس يمنعهم غدرة البرد فتمهل قليلاً قليلاً , وتذكر أن هناك أطفال في أعمار أطفالك ورجال في عمرك ونساء كزوجك لا يجدون قطعة يغطون بها أجسادهم وهم في برد أشد من بردك وجوع وخوف ؛ إذا عرفت هذا فاحمد الله وتصدق ..

إذا قمتَ من الليل مجيباً نداء ربك
للفجر أو مستعداً للذهاب إلى العمل وعمدت إلى الماء الساخن لتغتسل فيه أو تتوضأ منه فتمهل قليلاً قليلاً , وتذكر أن هناك إخوة لك لا يجدون الماء فضلا عن الماء الساخن , بل يجدون الثلج الذي يقتلهم برداً و القصف الذي يقتلهم خوفاً .. إذا عرفت هذا فاحمد الله وتصدق ..

إذا خرجت إلى السوق
تريدين أن تشتري لنفسك لباساً وزينة تضيفينها إلى الاعداد الهائلة التي في مخزن ملابسك فتمهلي قليلاً قليلاً وتذكري وأنت في الطريق , أن هناك أخوات لك يقتلهن الجوع والخوف والبرد , لا يجدن ما يسترهن فضلا عما يتزين به , ينتظرن منك عوناً فأنتي أختهن وأملهن فيك كبير , إذا عرفت هذا فاحتسبي عند ربك أن تُرسلي لهن بهذا , ولن يضيع عند الله , ورب أشياء عندك من الكماليات هي عند أخواتك من الاساسيات ..

إذا قمت من الليل
, والتفت على طفلك , ورأيتيه يغط في نوم عميق , وفي هدوء وأمن وأمان فأعطي خيالك دقيقة واتركيه يُسافر بك هناك إلى حيث الموت يتخطف أرواح الاطفال من أحضان أمهاتهم , حيث البرد الذي لا تملك الأم وسيلة تخففه عن طفلها إلا أنفاسها وماذا تصنع أنفاس ميت ؟ إذا عرفت هذا فاحمد الله وتصدقي ..

إذا جمعت لنفسك آلافاً من الريالات تُريد أن تشتري بها النوع الجديد من الجوال الجديد حتى تستمتع بمميزاته , فتمهل قليلاً قليلاً وتذكر أنك بهذا المال الذي ستنفقه في شيء عدم وجوده لن يضرك ؛ لو أنفقته في سبيل الله فسيُحيي به الله أرواحاً وستسعد به أنفس بريئة وستدفأ به أنفس يقتلها البرد والجوع والخوف , إذا عرفت هذا فابق على جوالك الاول واحمد الله وابعث بهذا المال إلى إخوانك المكلومين , وتذكر أنك ستجد أثر هذا الإيثارعند ربك وفي حياتك وفي صحتك ونفسك وفي ابنك وزوجك ..

إذا خططت أنت وزوجك
لرحلة تستمتعون فيها بإجازاتكم , فاجلس أنت وزوجك مرة أخرى واقترح عليها أو اقترحي عليه , أن تبعثوا بهذا المال إلى إخوانكم الذين يواجهون الموت والجوع والخوف والبرد , واحمدوا الله على ما أنتم فيه من نعمة ..

إذا كثُرت معاصيك
وزاد تمردك على ربك , فلا تذهب بعيدا ولا يُصيبك اليأس , بل اليوم يومك والباب أمامك , والفرصة حاضرة , فلا تجعلها ترحل ولم تظفر منها بشيء ... تصدق ثم تصدق ثم تصدق , ولا تفكر في المستقبل ولا في الخسارة فإنك رابحٌ وستجد هذا عند ربك وفي نفسك وفي يومك وفي غدك ...

إذا ودعك طفلك يوماً عند الباب
ووعدته بحلوى تحضرها له عند عودتك , فتمهل قليلاً قليلاً قبل أن تُحضر له ما وعدت , وتذكر أن هناك طفلا مثل طفلك الذي ينتظرك , بذات البراءة وذات العمر ولكنه لا ينتظر أحداً , لا أب سيعود إليه وربما لا أم ترعاه , إنه ينتظر الموت يأتيه عن طريق الخوف أو الجوع أو البرد , تصدق بهذا المال , وعد إلى طفلك وخذه بين ذراعيك وقل له يا ولدي لم أحضر لك الحلوى , لقد وجدت طفلاً في طريقي يكاد يموت من الجوع وليس له أم ولا أب وقد أعطيته هذه الحلوى وهو يشكرك ,, بمثل هذا سيحفظ الله لك ابنك وستنمي في طفلك دروساً كثيرة ..

إذا كنت تُحب الأسفار , والتمتع بزيارة الديار , وإذا كنت تخطط لرحلاتك القادمة في دبي والمغرب وتركيا وأوروبه وغيرها , فتمهل قليلاً قليلاً, وتذكر أن هناك مئات الآلاف من المشردين لا يجدون لقمة يسدون بها جوعتهم إلا ورق الشجر ولحم القطط وربما الكلاب , بل بعضهم عز عليهم حتى هذا حتى التصقت بطونهم بظهورهم من شدة الجوع وتغيرت ألوانهم من شدة البرد , لا يتمنون سفراً لتغيير الأجواء ولا لزيارة الغرائب وإنما يتمنون لقمة وغطاء يكفيهم برد الشتاء ؛ إذا تأملت هذا وعرفت هذا فأجل أسفارك وأرسل مالك إلى إخوانك واحتسب ذلك عند الله وستجد ذلك في نفسك وطفلك ويومك وغدك ..

إذا حضر إليك ضيف عزيزٌ عليك , وأردت أن تكرمه بشتى أنواع الاطباق والأرزاق , فتمهل قليلا قليلا , ولا تسرف في الإكرام وتذكر أن الله حرم غيرك وأعطاك ليختبرك , فلا تُسرف فيأتيك ما أتى غيرك ممن لا يجدون اليوم لقمة تُحييهم ولا بيتاً يؤيهم , وتذكر أن الأيام دول وأن الله قال " وضرب الله مثلا قلرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " , إذا عرفت هذا فاحمد الله ولا تكفر نعمة الله وأكرم ضيفك بما يكفيه واحتسب الباقي عند الله وابعث بقيمته لإخوانك فإنهم يموتون وينتظرون التفاتة منك ..

إذا كنت غنياً وقد فتح الله عليك من أبواب الرزق مالم يفتحه لغيرك , وأصبحت تمتلك أسطولاً من السيارات وقصورا تسميها بيوتاً , فتذكر كيف كنت وكيف أصبحت وكيف ستكون إذا صرت في قبرك , ثم تذكر إخوة لك وأخوات لك وأطفال في أعمار أطفالك ومشايخ في عمر أبيك وأمك لا يجدون ما يُكنهم ولا ما يؤيهم , يطلبون الطعام حتى في الحاويات فلا يجدونه , ولا تُلهيك هذه النعمة عن التقديم لنفسك ومساعدة إخوانك , ولو أن تتنازل بكل ما تملك وتكتفي فيما يكفيك ويسترك وأهلك في سبيل إخوتك وشكراً لربك وتقديماً لنفسك , وإذا نازعتك نفسك في الابقاء على الكثير والتصدق بالقليل فتتذكر ما روته عائشة رضي الله عنها أنه ذُبحت شاةٌ في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فتصدقت رضي الله عنها بها كلها إلا الكتف , فسألها النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي منها ؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها . قال : بقي كلها غير كتفها !

وإلى المجتمع السعودي خاصة :-

تذكروا كيف عاش آباؤكم وأجدادكم في شظف العيش وقل ذات اليد , ثم انظروا ما أنتم فيه من رغد العيش وجمال الحياة مما أفاء الله عليكم من نعمه التي أخرجها لكم من الأرض بلا حول منكم ولا قوة وسخرها لكم حتى أصبحتم تبيتون بطاناً آمنين لا تخافون شيئاً إلا الله " أولم نمكن لهم حرماً آمناً ويُتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يجحدون " إذا عرفتم هذا , فتمهلوا قليلا قليلا قبل أن تسيروا في طريق المعاصي وكفر النعمة ووضعها في غير ما أمركم الله به , تمهلوا قليلا قليلا وتوبوا إلى ربكم , ولا تُسارعوا في المنكرات , ولا تجعلوا نعمته طريقاً لمعصيته ولا تقولوا إن غضب الله بعيد عنكم ولا تظنوا أن ما في أيديكم كثير ولستم بحاجة لأحد , فقد أسرها قوم قبلكم فأصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين .
تصدقوا تصدقوا , فلعل في هذه الصدقات ما يرفع الله به عذاباً أوشك أن يحل , وإن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنى وما لبس فأبلى وما أعطى فأمضى وما سوى ذلك فإنه ذاهب وتاركه للناس .

ها أنتم هؤلاء تُدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ..
يا قوم: أفيقوا قبل أن يستبدلكم ..
 

كتبه :-
علي بن جابر بن سالم الفيفي
[email protected]
@alfaifi_ali
 

علي جابرالفيفي
  • مقالات دعوية
  • الصفحة الرئيسية