صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







التحذير من الشرك

الدكتور عصام بن هاشم الجفري

 
الحمد لله قيوم السماوات والأرض ومن فيهن،الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن،الحمد لله العزيز الجبار المتكبر الحمد لله الخالق البارئ المصور،نحمدك سبحانك ونشكرك أنت الذي تحكم فلا معقب لحكمك فلك الحمد،وأنت الذي تحي وتميت فلك الحمد،وأنت الذي تعافي من المرض فلك الحمد، وأنت الذي تغني من الفقر فلك الحمد،وأنت الذي تكسو من العري فلك الحمد،وأنت الذي تطعم من الجوع فلك الحمد،وأنت الذي تُؤمن من الخوف فلك الحمد،سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.أشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وسع كل شئٍ رحمة وعلماً،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد :فعليكم أيها الأحبة في الله بسبب صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب ألا وهي تقوى الله قال تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا() يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}(1) .
أمة التوحيد بعد انقضاء موسم الحج الذي كان شعاره التوحيد (لبيك لا شريك لك لبيك) أوصي الحاج والمقيم بأغلى ما تقوم عليه الحياة وبما هو أهم لهم من الطعام والشراب ألا وهو توحيد الله، التوحيد من أجله بعث الله الرسل وأنزل الكتب يقول تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(2)، جاء الإسلام بهدم التماثيل والأصنام ومحو الصور حماية لجناب التوحيد؛واستعراض أمر التوحيد بكل تفاصيله يضيق عنه المقام ولكني أود أن أقف وقفات مع بعض من لبس عليهم إبليس في أمر توحيدهم لربهم .

الوقفة الأولى: مع حاج جاء وتكلف للحج من بلاده يبغي الرضوان من الله جل جلاله ونادى على رُبَا مكة وعلى صعيد عرفات بنداء التوحيد (لبيك لا شريك لك لبيك)ثم هو بعد أن انتهى من حجه ذهب إلى قبر نبيٍ من الأنبياء أو إلى ضريح ولي من الأولياء وأخذ يدعوه ويسأله أن يقضي حاجته،فعجباً له كيف غفل بأن الذي خلقه هو الله،وأن الذي رزقه هو الله وأن الذي ينفعه هو الله،وأن الكون كله بيد الله لا يستطيع أحد في الكون مهما بلغت قوته أو مكانته أن يغير في هذا الكون شعرة إلا بإرادة الله،وإذا قلت له ذلك رد عليك وقام يضرب لك الأمثلة فيقول: لو كان لك حاجة عند ملك من ملوك الدنيا أو مسؤول من المسؤولين ألا تبحث عمن يتوسط لك لقضاء حاجتك وأنا لا أعبد صاحب هذا القبر وإنما أرجو أن يتوسط لي عند ربي،فما أعظمها من مصيبة وما أشدها من فرية وجهل بعظمة الخالق جل جلاله أيقاس ملك الملوك ويساوى بخلقه،ملوك الدنيا عاجزون قاصرون لا يعلمون ما بك وما تريد أما الملك العظيم سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يقول سبحانه:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(3)،نقول لمثل هذا المسكين لقد لبس عليك عدوك كما لبس على أهل الشرك من قبلك فقد عبدوا الأصنام لنفس الشبهة أخبرك بذلك ربك في الكتاب ألم تقرأ قوله تعالى:{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}(4)،نقول له إذا كان خير الورى وحبيب رب العالمين يأمره ربه أن يبين أنه بشر من البشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً في حياته فكيف بعد موته؟وكيف بمن هم دونه في المنزلة من العباد ألم تقرأ قول الله تعالى:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(5)،نقول له إن الله قد بين للقبوريين ممن يدعون الموتى والهلكى ويرجون منهم نفعاً ضلالة عملهم ذلك بقوله:{…ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ()إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ()يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(6).نقول له أين أنت من ربك الكريم الذي فتح لك أبوابه بلا واسطة وناداك بنداء ملؤه الرحمة ألم تقرأ قوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(7)، نقول له إن مثل هذا العمل يحبط عملك يحبط صلاتك يحبط صيامك يحبط حجك ألم تقرأ قول الله الواحد الأحد:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}(8)،فالنجاة النجاة ولا تكن من الخاسرين.

الوقفة الثانية: مع سبب وقوع من وقع في ذلك الأمر ألا وهو أنه قد عطل عقله وأعطى زمامه لمن يقوده ممن يدعون بعلماء ومشايخ وهم علماء سوء ومن أكبر ما يبين سوءهم وعوارهم أنهم ادعوا لأنفسهم العصمة وغرسوا في نفوس أتباعهم من الدهماء والجهلة أنه من قال لشيخه لِمَ لَمْ يفلح أي ليس له أن يستفسر عن أي شيء يقوله له شيخ السوء بل عليه أن يأخذه وكأنه آية مسلمة من كتاب الله والعياذ بالله فظلوا وأظلوا،نقول لهؤلاء المشايخ إن لم تنتهوا فإن عليكم إثمكم وإثم من تبعكم إلى يوم القيامة،ونقول للأتباع إن من اتبعتموهم على ضلالة لن ينفعوكم يوم القيامة ولن يحملوا عنكم نصيباً من العذاب ألم تقرءوا قول الله تعالى:{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ}(9)، نقول لهم ليس لكم حجة في تعصبكم لأشخاص بأعينهم أو لطائفة بذاتها،وإنما الحجة والنجاة باتباع علماء السلف أهل التوحيد.الوقفة الثالثة:مع من اتخذ من الأحلام والرؤى مصدراً من مصادر التشريع؛حيث يقول أحدهم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لي أفعل كذا وكذا،أو رأيت أحد الصالحين يقول من فعل كذا نجا من كذا وكان له كذا،كل هذا مردود على صاحبه لأنا أمة موحدة نوقن تمام اليقين أن الله قد أتم الدين ولم يبق من الدين استدراكات يستدركها الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً عن طريق الرؤى لبعض الناس فقد أخبر عن ذلك الأمة في حجة الوداع يوم أن أنزل تلك الآيات البينات بقوله:{..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا..}(10)،كما أن رسوله صلى الله عليه وسلم قد بلغ رسالة ربه كاملة واضحة جلية فلم يقصر أو يدارِ شيئاً منها كما أنه صلوات ربي وسلامه عليه لم يختص أحداً منها بشيء دون غيره من الأمة.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ()لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ()قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}(11).

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد،أحمده سبحانه وأشكره أتم الدين وأكمل النعمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واستمسكوا بحبل ا لتوحيد المتين فهو حبل النجاة،واعلموا رحمني الله وإياكم أن مما وقع فيه بعض الناس التعرض لأسماء الله جل جلاله بالتشبيه أو التكييف أو التعطيل وكل ذلك لا يليق بجناب العزيز الحميد فقد بين لنا سبحانه بياناً شافياً فصلاً بقوله:{..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(12).
فمعتقد سلف هذه الأمة والفرقة الناجية منها أن ننزل أسماء الله تعالى وصفاته كما جاءت من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل،معاشر الموحدين إن أمر التوحيد سهل ميسر على من يسره الله عليه وأنار بصيرته فهو ليس بحاجة إلى مجادلات أو مناظرات بل هو فطرة الله التي فطر الناس عليها هو باختصار أن تعلم بأن الله جل جلاله هو المالك المدبر لهذا الكون وأن ما سواه عبيد له لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً و لا نشوراً فهم فقراء محتاجون إلى الله فكيف ينفعون غيرهم فالنبي مهما كانت مكانته والصالح مهما بلغ صلاحه والْمَلَكُ مهما بلغت مكانته وغيرهم لا يدبرون في الكون شيئاً ولا يؤثرون فيه بشيء ، فإذا أيقن العبد ذلك وجب عليه أن لا يصرف شيئاً من العبادة لغير الله فلا يدعو غير الله ولا يذبح لغير الله ولا يستجير بغير الله وهكذا في كل الأمور التي لا تطلب ولا ترجى إلا من الله،وأن ينزل العبد أسماء الله وصفاته التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله صلى الله عليه وسلم كما جاءت من غير تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه، أيها الأحبة لنربي أنفسنا وأزواجنا وأولادنا على التوحيد ولنغرسه فيهم من الصغر مقتدين بقدوتن صلى الله عليه وسلم وهو يعلم الغلام فقال له:((..إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ..))(13).

---------------------
(1) الأحزاب:70،71.(2)النحل:36.(3)الأنعام:59.(4)الزمر:3.(5)الأعراف:188.(6)فاطر:13-15.(7)البقرة:186.
(8)الزمر:65.(9)إبراهيم:21.(10)المائدة:3.(11) الأنعام:162-164.(12) الشورى:11.(13)الترمذي ، كتاب صفة القيامة ، ح2440 .

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية