صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



 تطاول عباس العقاد على صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم

محمد جلال القصاص


بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
 تطاول عباس العقاد على صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم

توطئة :
يَعرفُ الجميعُ عنِ الصحابةِ ـ رضوانُ اللهِ عليهم ـ أنهم مَنْ صحبوا خيرَ البريةِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأنهم أفضلُ جيلٍ في حياةِ البشريةِ ، حيثما نظرت إليهم أعجبوك ؛ وعند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعندهم وقف التاريخُ ينسبُ إليه وإليهم الأحداث ، فكل ما جاء بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته  مرتبط به وبهم ـ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ـ.
هذا ما يعرفه الجميع عن صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم  ورضي الله عنهم أجمعين ـ . هذا رصيدهم عند عامةِ المسلمين .. التبجيل والتعظيم جملةً أو تفصيلاً .
والحقيقة أن أمر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أكبر وأخطر من هذا .!! فالصحابة رضوان الله عليهم ـ هم التطبيق العملي للدين الإسلامي ، والطعن فيهم طعن في الدين .فالمنافقون لا يطعنون في الدين ، وإنما في المتدينين ؛ والشريعةُ تَعُدُّ طعنهم في المتدينين طعناً في الدين . هذا صريح قول رب العالمين: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }التوبة65 ، فهم استهزءوا بالقرَّاء قالوا : ( أرغبنا بطوناً وأجبننا عند اللقاء )([1]) ، فعدَّ الله السخرية من القراء ( المتدينين ) سخرية من الله ورسوله(([2]))، مع أنهم لم يعمدوا لسبِّ الدين ولا التطاول على الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولم يكن قولهم جَد بل كان ( حديث الركب ) كما قالوا ، ولم يكذبهم الله في دعواهم بأنه حديث الركب ، بل لم يلتفت إليها ، وكأن السب إن حصل يعاقب عليه صاحبه أيَّا كان دافعه([3]).
والمقصود : أن السخرية من المتدينين  أيَّا كان دافعها سخرية من الدين الطعن في الصحابة طعن في الدين . والطعنُ في الصحابة هو إحدى وسائل الطاعنين في الدين .
أو : لا يُطعن في الدين إلا بالطعن في المتدينين عموماً والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ خصوصاً. فتسمع النسويين يتكلمون بأن بعض الصحابيات كن متبرجات يخرجن مع الرجال للجهاد !! ويخالطن الرجال تعلماً وتعليماً . !! ، يستدلون بهذا على ما تراه اليوم من حالهن وقد خرجن عاريات مائلات مميلات يبعثرن السيئات بين المؤمنين والمؤمنات .!!
وكذبوا ، فقد كن ـ رضي الله عنهن ـ طاهرات عفيفات لا يخرجن من بيوتهن إلا استثناءً ، وإن خرجن فعلى الحال التي وصف الله ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ) (الأحزاب:59) ..لم يكن يرى منهن شيئاً .. سوادٌ يمشي على الأرض .. زينتها لزوجها .
 وتبصر الداعين إلى تنحية الشريعة وقد أطالوا الكلام على يوم ( السقيفة ) ، وحول اقتتال الصحابة ، يقولون : هذا حالنا إذا طبقنا الشريعة !! .
 وكأننا بالشريعة مقتتلون وبغير الشريعة آمنون مطمئنون ، والحال ينبئك بكذبهم فهاهي الديمقراطية التي يدعون إليها في اليابان ( هيروشيما ونكازاكي ) وأفريقيا والأفغان والعراق والصومال والشيشان ، ماذا جنينا منها غير القتل والتشريد والسجن والتعذيب ؟
 ولَمْ يقتتل الصحابة على دنيا ولم يختلفوا ، وإن المنافقين لكاذبون .
والمقصود : كل الطاعنين في الدين تجدهم حول الصحابة الكرام يطعنون فيهم ، والمقصود أن : الطاعنين في الصحابة رضوان الله عليهم ـ ومنهم عباس العقاد ـ طاعنون في الدين شاءوا أم أبوا.
تكفي هذه كمقدمة لتعاطي موقف عباس العقاد من الصحابة رضوان الله عليهم ، أو لرسم الإطار الصحيح لكتابات العقاد عن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ،  وقبل أن أنصرف أشير إلى أنني تناولت أهمية الصحابة رضوان الله عليهم ـ من زاوية أخرى ـ لم أجدها عند آخرين ـ في مقالٍ بعنوان ( رؤية شاملة لدلالة النص )(([4]))
العباقرةُ مِن الصحابةِ عند العقاد
كأني بالقارئ الكريم يبادرني بأن عباس العقاد يعظم نفراً من صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين ـ ويخلع عليهم أرفع الألقاب عنده ، وهو لقب العبقري ، فكتب عن خالد بن الوليد ، وعمر وعلي ، وكتب عن أبي بكر ، وكتب عن عثمان وبنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاطمة الزهراء ـ رضي الله عنها وأبنائها الحسن والحسين ، وكتب عن بلال وعائشة أم المؤمنين وكتب عن آخرين من صحابة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، بشيء غير قليل من الاحترام والتقدير .
والحقيقة أن العقَّاد ما كتب عنهم كصحابةٍ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو ما كتب عنهم كنموذج عملي لهذا الدين ، وهذا هو دافعنا لتعظيمهم وتوقيرهم ، فبصحبتهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونصرتهم للدين رفع الله ذكرهم في العالمين ، وإنما كتب العقاد يؤرخ للعظمة والعظماء ، كتب يسند فعالهم لغير الدين ، فهو لا يرى أثراً للعقيدة في حياتهم ، وقد قدمتُ شيئاً من هذا في مقالٍ سابق بعنوان ( عبقريات العقاد : ركوب للكذب واستخفاف بالعقول ) . والآن أزيد بعض الأشياء التي تكلم بها العقاد عن صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .حتى لا يُقال أن عباس العقَّاد يعظم الصحابة رضوان الله عليهم ، وحتى لا يقال أن عباس العقاد يعظم نفراً من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ـ كونهم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ـ وإنما عظمهم لما أظهره الله على أيديهم .
بعض أوصاف الصحابة عند العقاد
قد يقع أحدهم في مصدرٍ فاسد فيخطئ مرةً على صحابي بعينه ، وهنا نصحح الخطأ ولا نقف طويلاً مع المخطئ ، ننصرف عنه بعد وعظه ونحن نردد : الكمال مفقود .. كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وقد قرأت ما كتب العقاد عن صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم أجده من هؤلاء .
العقاد لا يوقر الصحابة ـ إلا نفراً قليلاً كما قدمت ويوقرهم من وجهة نظر خاصة بعيدة عن كونهم صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وينظر إليهم نظرة في منتهى السوء ، وهذا سياق عام ، وليس نصاً أقتطعه من كتابٍ . وهاأنذا أعرض عليك ما تكلم به العقاد في صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هيئة نقطتين هي : .
أولا : لخْبَطَةٌ وقلة أدب
ثانياً : طُلَّاب دنيا!!
أولا : لخبطة وقلة أدب .
يرسم العقاد ـ بكلماته ـ إحدى المشاهد للصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في هذا المشهد :
 أم المؤمنين عائشة([5]) ـ رضي الله عنها ـ ترفع نعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على عثمان ، والصحابة يتصايحون ويتقاذفون في المسجد([6]). !!

وأمُّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بزعم العقَّاد  تَذكر علياً ـ رضي الله عنه ـ بما لا يصح أن يذكر به متأففةً(([7])) .!!
وكأن أم المؤمنين الطاهرة المطهرة حبيبة الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذيئة رديئة تتكلم بالوقح القبيح ، وكأن عليّاً ـ رضي الله عنه ـ به ما يتأفف منه ولو ادعاءً .!!

وأم المؤمنين وعائشة ـ رضي الله عنها ـ بزعم العقَّاد في حياة عثمان ضده تقف بطريقه وتنصر أعداءه ، وبعد وفاته تغير رأيها الأول بلا دليل تقدمه وتقف مع أنصاره ضد قتلته!!
وأم المؤمنين وعائشة ـ رضي الله عنها ـ بزعم العقَّاد تحرض الناس على عثمان ، وتريد البيعة لابن عم أبيها طلحة بن عبيد الله ، وتكره بيعة علي بن أبي طالب ، ثم هي تحرض الناس للثأر من دم عثمان([8]) .!!

كأنَّ أمنا ـ رضي الله عنها ـ خفيفة تتحرك كثيراً وسريعاً ، وكأنها بين الرجال في السياسة ، وما كان شيء من هذا ، كانت في بيتها ـ رضي الله عنها ـ كما أمر الله ، تصوم وتصلي وتعلم الناس ما يتلى في بيت النبي من آيات الله والحكمة ( السنة ) كما أمرها الله([9]) {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً }الأحزاب34­­­­­­­­­
ـ وعبد الله ابن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ يكذب على خالته أم المؤمنين عائشة كي يلقى علياً ويقاتله([10])
ـ وأبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يسب المهاجرين لعبد الرحمن بن عوف ويتهمهم بأنهم أهل دنيا([11])!!
ـ وعلي ـ كرم الله وجهه ـ يقول للأشعث بن قيس بزعم العقاد : ( عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين : حائك بن حائك ، منافق ابن كافر ) (([12])) .
 سبُّ لا تسمعه إلا في بعض مخافر الشرطة ، أو في شجار بين أراذل البغايا .!!

وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عند العقّاد ( يحب الغناء جملةً ، ويطيل الإصغاء إليه ) ، وظل يسمع الغناء إلى مطلع الفجر ( ثم قال للقوم ، إيه ! قد طلع الفجر .. اذكروا الله )([13]) ، وجيء له برجل يغني في الحج فقال : ( دعوه فإن الغناء زاد الراكب)([14])!!
( وكان يسمع الغناء ويغني في بعض الأحيان ، ولا ينهى عن غناء إلا أن تكون فيه غواية تثير الشهوات )([15]) .
 وعمر الفاروق ـ رضي الله عنه ـ يخرج للحج ومعه من يحسن الغناء([16])
هكذا يتكلم العقاد عن عمر بن الخطاب .!!
أنا لا أتكلم إلى من لا يعرف قدراً للصحابة ، ولكنني أتكلم لرفقاء الدرب ممن يوقرون الصحابة رضوان الله عليهم ويعرفون منزلتهم ، أقول لهم : هكذا يتكلم العقاد عن صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ودعني أكمل حتى تعرف حال هذا الرديء مع صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ويذكر قصة عن ابن عباس وأبيه ـ رضي الله عنهما ـ بدون سند ولا مصدر ، فيها عثمان ـ رضي الله عنه ـ يروح ويجيء ، ويشكو من سوء خلق علي بن أبي طالب وأنه سبه واتهمه في دينه ، ويشكو بني عبد المطلب كلهم ، وفيها مروان بن الحكم بالباب يثني عثمان ويأمره وينهاه(([17])) .
ولا تخرج من القصة إلا بأن آل بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوم فحش اللسان يغلي حب الدنيا في قلوبهم فهم ينازعون عثمان الإمارة ويحقدون عليه ، وأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ رجل ضعيف يحركه ابن عمه مروان بن الحكم .هذا ما تفهمه من القصة ، وتجده مكرراً عند العقاد هنا وهناك .
ومعاوية يصلي بأهل الشام الجمعة يوم الأربعاء(([18])) ، وهو يضعف الرواية .. ويستدل بها .. !!
 ويتكلم بكلام قبيح عن بني أمية ، وأنهم أولاد حرام .. أو مستلحقون ، وينقل عن دغفل البكري النسابه المعروف ، ودغفل لم يلق أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وإنما جاء بعده بقرن ونصف من الزمن([19])!!
ويذكر العقاد أن خالداً بن الوليد كان مشغولا بالنساء ويعتذرـ  ضمناً ـ بأن ذلك كان وقت الراحة حين لا تكون حرباً .!! ثم يقرر بأن حب النساء وحب الغزل حالُ بني مخزومٍ كلهم لجمالٍ في نسائهم وشغف بالجمال في رجالهم بزعمه ، يستدل على ذلك بقصة في كتاب الأغاني ( لا تصح على حد قوله هو ) ، ويستدل على شغف خالد وقومه بني مخزوم بالنساء بكلمة قيلت للسفاح الخليفة العباسي الأول عن جمال في نساء بني مخزوم ، ويستدل بأنْ كان في بني مخزوم شاعر اشتهر بالغزل !!([20])
ولا دليل في شيء من هذا .
 أوَ جمال النساء ـ إن كان ـ أمارة على الشغف بالأنوثة في إخوانهن وبني أعمامهن وبني عماتهن !!
أوَ زواج المنتصر .. لاحظ زواج .. ممن هزمهم أمارة على حب النساء ؟!
أم هي عادة في العرب يتألفون بها خصومهم ، لما عند القوم للنسب من مكانة عالية ؟!
وقد سنها الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين تزوج جويرية فأعتق قومها وصاروا جند للإسلام بعد أن كانوا حرباً عليه .
أوَ نشهد على القصة بأنها لا تصح ثم نستدل بها ؟!
إنه العقّاد .. على الكذب البيِّن يبني تحليلاته . ويلوي الحقائق ليصور حال هؤلاء الكرام وكأنهم كانوا شهوانيين ، فقط لتتم صورة ( البطولة ) المزعومة التي يرسمها لخالدٍ بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ .. مقاتل .. محب للنساء .. محب للخضرة والفراش ...!!
هكذا يتكلم العقاد عن صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقومٌ يمرون على هذا ويقولون : ذنبه في الاعتماد على الروايات الفاسدة .. اشتبه عليه الدليل !!
أقول : ما اشتبه عليه الدليل ، بل يعرف أنه فاسد ويستدل به ، ويعرف أن ثم صحيح عندنا وفاسد ، ويعرف أننا ننقد المتن وننقد السند ، فليس كل ما أسند وروي قُبِل . وأقول :  رأى هذا ولم يرى الآيات الأحاديث في فضلهم . ؟!
 إنه فاسد يقرأ سيرتهم بخلفيته الفاسدة فأخرج هذا النتن عن الصحابة رضوان الله عليهم .
ثانيا : طُلَّاب دنيا!!
أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يسب المهاجرين لعبد الرحمن بن عوف ويتهمهم بأنهم أهل دنيا(([21])) مع أنه في ذات المكان يعترف بزهد أصحاب الثروات من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ  ، ويعترف بأن المال لم يكن مشكلة أبداً عند الأغنياء أو عند الفقراء . ويروي ـ في ذات المكان ـ عن عبد الرحمن بن عوف أحاديثاً في زهده .
أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يحذر عمر الفاروق من الصحابة(([22])) .
وفي أكثر من مكان يذكر أن عمر رأى من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ حرصاً سيئاً وخلافاً لا يحسمه رأي واحد عند مماته([23]).
يدعي بأن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا متنازعين مختلفين . حتى أنهم لا يتفقون([24]).
والصحابة منهم من بايع عليّاً ـ رضي الله عنه ـ على أن يكون شريكاً له ، ومنهم من خالفه متعللاً بقلة المشورة ، ومنهم من كان يحارب عثمان ثم أصبح يحارب علياً باسم عثمان ، تمحلاً لذرائع الخلاف وكراهة لاستقرار الأمور كما يفتري عباس العقاد ([25])
ويفتري العقاد بأن الصحابة الذين خرجوا يوم الجمل ـ طلحة والزبير تحديداً ـ خرجوا من أجل ( المقاسمة في الأمر على وجه من الوجوه التي أشاروا إليها قبل مفارقتهم المدينة ، فيتولى بعضهم العراق وبعضهم اليمن ، ويصبح الأمر شركة أو [ شورى ] بينهم وبين الخليفة )([26]) .
هذا نص كلامه .!!
ـ وعند العقاد أن طلحة بن عبيد الله ـ رضي الله عنه ـ كان ينافس أبا بكر وعمر ويحقد على عثمان وعاونه على ذلك الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ([27]).!!
وفي ( عبقرية عمر ) و ( عبقرية خالد ) كرر العقاد مراراً القول بأن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يريدون الانقلاب على عمر ولم يستطيعوا .

وجملة يقول هذا الرديئ : ( إذا تركنا الحوادث جانباً ونظرنا إلى التاريخ في صدر الإسلام على أنه تاريخ قيم ومبادئ ، فلنا أن نقول أننا أمام فواجع مؤلمة . يود الناظر إليها لو يزوي بصره عنها )([28]) .
 بل هو تاريخ مبادئ وقيم لم تشهد البشرية مثله رغم أنفك وأنف من قال بقولك يا عقاد .
ويقول ( ولولا حروب الردة لكان الخلاف بين المهاجرين والأنصار خليقاً أن يتشعب ويستفحل ، وكان الأنصار فيما بينهم مختلفين شيعتين كبيرتين ثم شيعاً صغاراً في كل من الشيعتين  ، وكذلك كان المهاجرين من هاشميين وأمويين ومن سائر بطون قريش ، فإن بني هاشم على انفرادهم لم يجتمعوا بينهم إلى كلمة ، ولم يكن لهم مطمع في الوفاق بينهم وبين بطون قريش الأخرى )([29]) .
والعقاد يكذب . . . يتكلم من عنده ، فما ثم خلافٌ بين المهاجرين والأنصار ، ولا بين الأنصار ولا بين المهاجرين فضلاً عن بني هاشم ـ وغيرهم ـ فيما بينهم . أين هذا الاختلاف في بطون الكتب الصحيحة !!
وما حدث بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يشهد التاريخ مثله ، خلافة تُحل مشكلتها ببضع كلمات ( أعني أمر السقيفة ) وينتهي الأمر بإجماع ... ببضع كلمات ؟!
 وقوم يهاجرون إلى قومٍ فقراء بين أعدائهم بل بين أخبث خلق الله.. يهود ومشركين ولا يحدث أي شيء من الشقاق ؟!!
في السيرة حادثين للخلاف أحدهم بين المهاجرين والأنصار ، وكان بفعل المنافقين ، أعني ما حال العودة من بني المصطلق[30] ، والثاني بين الأنصار ( الأوس والخزرج ) وكان بفعل اليهود[31] ، وكلا الحادثين انتهى في دقائق ببضع كلمات .
أفي هذا أمارة على الشقاق أم أمارة على أن الدين غالب على النفوس يوجهها ؟!
يا عبَّاس !
الصحابة كرام .. أكرم الناس جملة وتفصيلاً  .. وربي يكذبك فيما تفتريه على أوليائه ، قال تعالى : {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ }الفتح29 .
وقال تعالى : {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا }الحشر9 .
 وقال تعالى : {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال63
{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً }آل عمران103
فكانوا (رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) ، كانوا(  يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً ) ، كانوا ( إخواناً ) . وليس كما يقول عباس العقاد .
وكذباً يصور العقاد الصحابة وكأنهم كانوا بالسيوف في الطرقات ينتظر كل واحدٍ منهم الآخر ، ولولا حروب الردة ما اتحدوا !!
يقول هذا الشقي : ( فلما تحفزت البادية للوثوب على المدينة أحس المسلمون جميعاً أنهم فريق واحد ، مهدد بخطر واحد ، فاتفقوا بوحي البداهة التي لا موضع فيها لتعمل التفكير وحيلة الحض والتحريض ولبثوا متفقين ما كانوا بحاجة إلى الوفاق ، وما كان الشقاق بينهم مرهوب العواقب محذور الأخطار  )([32]) .
هنا كذب على كذب .. ظلمات بعضها فوق بعض ، يصور الحال ، وكأن حروب الردة كانت حرباً بين أهل البادية وأهل الحضر ( مكة والمدينة) ، توحدت البادية فتوحد أهل الحضر ( مكة والمدينة .. قريش والأنصار ) .
وهو ينقض هذا الكلام في نفس الكتاب ( عبقرية خالد )([33])  وهو يتكلم في ذات السياق إذْ ذكر أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ استنجد بقبائل البادية المجاورة للمدينة في قتال المرتدين .
 ونقضه أيضاً في مقدمة كتاب ( عبقرية خالد ) حين ذكر أن مكة كانت وسطاً بين الحاضر والبادية .
 وينقض كلامه التاريخُ والواقعُ إذ كانت جموع من المرتدين من أهل العراق ، وهم أهل ريف وزرع وكثير منهم عرف المدنية كما أقر هو في مقدمة الكتاب ( عبقرية خالد ) .

وهذا التصور ( صراع بين الحضر والبادية ) قائم في ذهنه وهو يتناول أحداث السيرة كلها تقريباً ، فبه يفسر كثير من الأحدث ،  مثلا  تجده يتكلم عن نقمة البادية على قريش ، وعن نظرة قريش العلوية لأهل الباديةِ والسوادِ مما أدى إلى تمرد البدو وحدوث الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان رضي الله عنه وكثير من صاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك(([34])).
وحين تكلم عن الفتوحات الإسلامية تكلم عن ( الفتوحات العربية ) لا ( الإسلامية ) ، وقد تقدم تفصيل هذا .!!
والأحداث في القرون الأولى لم يكن غير العقيدة محرك لها ، فكان الخلاف الأول على الخلافة ، وهي قضية عقدية لا قبلية ولا عنصرية ( عرب وعجم أو عبيد وأحرار ) ، والخوارج لم تكن دعوتهم قبلية أو تستبطن القبلية ، فقد كانوا من قبائل شتى ، وكانوا من العرب وكانوا من العجم ( الأمازيغ ـ البربر تحديداً )([35]) ، وهكذا ، فقول العقاد بعيد جد بعيد ، وهو قول المستشرقين تسرب إليه . وإن شاء الله ألقي مزيد بيان على هذا الأمر  .
. وقد غضضت الطرف ـ طلباً للاختصار ـ عن كلام العقاد على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ـ رضي الله عنهم ـ ، وفيه ما فيه من سوء الأدب مع صاحبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهو مشهور كلما تكلم أحدهم عن حال العقاد مع صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء على قوله في معاوية وعمرو ـ رضي الله عنهما ـ ؛ تركته لشهرته ولأقول بأن الأمر لم يكن مع علي ومعاوية فقط وإنما مع الجميع .. كان تصوراً عاماً عند عباس العقاد عن الصحابة رضوان الله عليهم .

 
أبو جلال
محمد جلال القصاص
فجر الأحد
‏16‏/05‏/1430
الموافق ‏10‏/05‏/2009
 

---------------------
([1]) انظر تفسير الطبري للآية 65 من سورة التوبة .
(([2])) وهذا تفضل من الله ـ سبحانه وتعالى وتقدس ـ علينا فله الحمد والمنة ، جعل نفسه ورسولَه ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين صفاً واحداً كأن من يستهزئ بهم يستهزئ به ـ سبحانه وتعالى وتقدس ـ وبرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومثل هذا أيضاً قول الله تعالى  {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }النساء142، فهم لا يخادعون الله في الحقيقة ، وإنما يخادعون المؤمنين ، وعَدَّ الله خداع المؤمنين خداعاً له . فتدبر . وقفت على مثل هذا في كتاب المنافقون للشيخ عبد الرحمن الدوسري ( مقالات ودروس مجمعة )
([3]) وليس كل المتطاولين ( الطاعنين ) من أهل النفاق الأكبر المخرج من الملة ، فقد كان حسان بن ثابت ومسطح  بن أثاث وحمنة بنت جحش ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ممن تكلموا بالإفك ، ولم يرموا بنفاق ، فالقصد في مثل هذه الأمور قصدان قصد للفعل ( أو القول ) وقصد لما وراء الفعل أو القول ، والعبرة هنا بالثاني وأيضاً يعرف القول بالنظر فيه وبالنظر في قائله وبالنظر في سياق حاله ، وقد شرح هذا وفصل فيه الشيخ رفاعي سرور في تقديمه لكتاب الكذاب اللئيم زكريا بطرس ، وانظر ( التأويل أنواع ) ( القصد قصدان )  للكاتب بالصفحة الخاصة في صيد الفوائد ، وغيرها .
(([4])) منشور بالصفحة الخاصة في صيد الفوائد ، وفي شبكة القلم الفكرية : http://www.alqlm.com/index.cfm?method=home.con&contentid=255
 
([5]) لم ألتزم في الترتيب أفضلية الصحابة ( أبو بكر فعمر فعثمان فعلي .... ) وإنما راعيتُ أشياء أخرى يطول المقام بشرحها ولا أحسبها تفيد القارئ .
([6]) الصديقة /91
(([7]))عبقرية علي / 692
([8]) الصديقة بنت الصديق /96
([9]) الحكمة هي السنة ، وكل نبي أرسله الله بكتاب وحكمة ( سنة ) شارحة لهذا الكتاب ، قال الله : {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ }آل عمران: من الآية81 ، وقد يكون للنبي كتاب مستقل كما هو الحال مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما نعلم ، وقد يكون النبي شارح لكتابِ نبي آخر كما هو الحال مع أنبياء بني إسرائيل ، فإنهم كانوا كعلماء الأمة يعلمون الناس دينهم ، ولا يستوي نبي وغير نبي أبداً .
([10]) الصديقة بنت الصديق /97
(([11])) عثمان ذوالنورين ـ المكتبة العصرية /102
(([12])) عبقرية علي / 703
([13]) عبقرية عمر  /371
([14]) عبقرية عمر / 490
([15]) عبقرية عمر / 490
([16]) عبقرية عمر /490
(([17])) عثمان ذو النورين المكتبة العصرية / 63 وما بعدها .
(([18])) عبقرية علي / 713 ، وهو ينفي صحة هذه الرواية بعقله ، ولكنه يثبت ما تنطوي عليه من أنه يقود قوماً بلا أخلاق أو دين منه ومنهم !!
([19]) استدل على ذلك بأن دغفل النسابة المشار إليه ، التقى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكة وهو يعرض نفسه على القبائل ، وكان غلاماً صغيراً لم تكتمل لحيته ، وكان مع سادات قومه ( بكر بن وائل ) وتحدث مع أبي بكر ، والقصة معروفة مشهورة . انظر دلائل النبوة للبيهقي 2/297 ، وأمية لم يلتق عبد المطلب ، فقد عاصر عبد المطلب ولده حرب بن أمية ، ومعروف أن عبد المطلب تجاوز المائة عام .بمجموع ذلك ( عمر عبد المطلب وعمر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبيل الهجرة حين التقاه دغفل ) قلت بينهما قرن ونصف من الزمن ، والعقاد لم يتدبر . ، وكلمة دغفل ( علم على ولد الفيل )
([20]) عبقرية خالد /173 ، 174
(([21])) عثمان ذوالنورين ـ المكتبة العصرية /102
(([22])) عبقرية علي / 717
([23]) عبقرية عمر / 457
([24]) عبقرية عمر  / 461
(([25])) عبقرية علي /717
([26]) عبقرية عثمان/100
([27]) عبقرية عثمان / 34 ، 35
([28]) عبقرية عثمان30
([29]) عبقرية خالد 82، 83
[30] أعني ما نزلت فيه سورة ( المنافقون ) ، وذكرها أهل التفسير كلهم ، وأهل الحديث انظر البخاري (3257)
[31] أعني  ما فعله شاس بن قيس اليهودي ، ونزل فيه قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ }آل عمران100انظر تفسير الطبري وغيره للآية .
([32]) عبقرية خالد 82، 83
([33]) انظر  ص 86
(([34])) انظر عبقرية علي ص/  ، وهو ينقد هذا القول في تحليلة للأحداث في ( عثمان ذو النورين ) إذ أنه هناك يهون من أمر الفتنة ويذكر أنها حالة شغب صغيرة من الدهماء جرأهم سهولة الشكوى وسرعة الاستجابة لها من قبل الخليفة ، وسهل مهمتهم أن لم تكن حراسة عند الخليفة تمنعهم ، ولم تكن ثورة يتمرد فيها الشعب أو عامة الرعية على الحاكم سخطاً .
([35]) أحداث الخوارج في المغرب الأوسط ( الجزائر ) في بداية القرن الثاني الهجري مشهورة جداً ، وكان من قادتهم هناك في المغرب الأوسط ( الجزائر ) حفيد رستم القائد الفارسي . فلم تكن أبداً دعوى قبلية .  

 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد القصاص
  • مقالات شرعية
  • في نصرة النبي
  • مقالات في فقه الواقع
  • مقالات أدبية
  • تقارير وتحليلات
  • رسائل ومحاضرات
  • مع العقلانيين
  • صوتيات
  • مقالات تعريفية بالنصرانية
  • رد الكذاب اللئيم
  • اخترت لكم
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية