صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



التيار الترابي في البلاد العربية والمراجعات المفقودة
 لمحة عن النموذج الترابي التونسي
بقلم نوفل بن إبراهيم ـ باحث تونسي مقيم في النرويج

محمد جلال القصاص
[email protected]


أثارت تصريحات الترابي الأخيرة زوبعة في السودان وصلت إلى حد مطالبة علماء السودان في "الرابطة الشرعية لعلماء ودعاة السودان" باستتابته, بعد أن وثقوا تصريحاته في إباحة الخمر مدة معينة, وإنكار الحجاب الشرعي وأن شعر المرأة ليس بعورة, وأن اليهود والنصارى مؤمنين وليسوا كفارا, وأن للمرأة أن تؤم الرجال في الصلاة, وأن شهادتها ليست نصف شهادة الرجل وإنكار نزول المسيح, وأن من يقول بذلك جاهل! إلى غير ذلك من الشطحات التي عرف بها.. والتي لا يستغربها من عرف الترابي في مجالسه الخاصة ومن عرف متطرفي الترابيين.

وقد وصلت أصداء زوبعة تصريحات الترابي القديمة المتجددة إلى الأوساط الدعوية والإعلامية خارج السودان, ربما بحثا عن أضواء افتقدها, أو انتقاما من العلماء والدعاة الذين قاوموه في السودان وخارجها وفرحوا بإبعاده عن الحكم في السودان, إلا أن المشكلة هي أن الردود تحصر الأمر في شخص الترابي, الذي لم تعد له قيمة في حد ذاته بعد أن فقد نفوذه وأهميته في السودان, وانفض من حوله أغلب أتباعه, غافلة أو متغافلة عن التيار الترابي في البلاد العربية, الذي يظل بعيدا عن المراجعات مطالبا غيره بها، وهو الأحوج إليها، خاصة وهو بصدد التحول, إن لم يتدارك عقلاء الإخوان المسلمين وعلماءهم الأمر, إلى طابور خامس داخل الحركة الإسلامية, ينظر إلى التدخل الأمريكي في البلاد العربية, كأمر مفروض لا مفر منه باسم الواقعية واستيعاب المرحلة.

ففي حين تشن حملات إعلامية ممنهجة وإرهاب فكري منذ سنوات على بعض التيارات الإسلامية مطالبة إياها بالمراجعات, وهي مراجعات مطلوبة من الجميع بلا شك، وخاصة ممن تورطوا في مسارات ومناهج خاطئة خالفت مقاصد الشريعة وأضرت بمصالح المسلمين.. فمتى يؤوب الترابيون أيضا إلى المراجعات, بعد أن وصلت الأمور إلى افتئات واضح على بعض أحكام الشريعة، وملامح بدايات تنظير للاستقواء بالأمريكان "لتغيير" الأوضاع الراكدة في البلاد العربية؟!


* الترابي والترابيون:
التيار الترابي أو الترابيون، كما يسميهم الشيخ الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس, أحد قيادات الإخوان المسلمين في الأردن، الذي هاله ما أحدثه الترابي وأتباعه في إخوان الأردن, فكتب عن الظاهرة يقول: "الترابي والترابيون: هم جماعة فتنوا بأفكار حسن أحمد عبد الله الترابي, وهو سوداني النشأة والحياة, درس القانون وتخرج من الجامعة الفرنسية "السربون" حاصلا منها على درجة الدكتوراه. والترابيون هم الذين فتنوا به وأعجبوا به من السودان ومن غير السودان, فله معجبون في الأردن وفي اليمن و في الجزائر وفي سوريا وفي لبنان وفي تونس .. ومن أكثر البلاد تأثرا به, نفر من الاخوان المسلمين الأردنيين ...".

* توطئة:
لقد أحدث الترابي شرخا كبيرا وفادحا في الحركة الإسلامية في البلاد العربية لا يزال قائما إلى اليوم, وخاصة في جماعات الإخوان المسلمين والتيارات القريبة منها, والبلد الذي حقق فيه التيار الترابي أكبر اختراق بعد السودان طبعا, هو تونس، حيث استحوذ التيار الترابي منذ 1981 على زمام "حركة الاتجاه الإسلامي" التي تحولت فيما بعد إلى حركة النهضة, فقد تبنت قيادة الحركة وعلى رأسها قائدها ومنظرها راشد الغنوشي, فكر ومنهج الترابي تبنيا كاملا منذ وقت مبكر, ولكنها حافظت في نفس الوقت بخلاف الترابي, على ارتباطها بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين, مجتهدة في تسويق منهج الترابي وفكره داخل صفوف تنظيمات الإخوان المسلمين, فهاهو الغنوشي يسافر برفقة عزام التميمي إلى الأردن في الثمانينات للدعوة لمبايعة إخوان الأردن للترابي زعيما للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين!

وإذا كان هناك حديث كبير في الكتابات الإسلامية عن ما يسمى بالتيار العصراني أو ما يسميه البعض بالتيار التغريبي داخل الحركة الإسلامية, واختراقه للفكر الإسلامي وللإخوان المسلمين والجماعات المشابهة لهم, والجذور العلمانية للكثير من رموزه الذين قدموا من تجارب يسارية قومية, لينقلبوا بعد تدينهم بين عشية وضحاها إلى منظرين للفكر الإسلامي ودعاة للتنوير والتجديد الإسلامي!, يعني ليفصلوا لنا إسلاما على مقاسهم!...فإن هنالك غفلة عن أن الاختراق الترابي للإخوان المسلمين كما أحسب, هو الذي مهد الأرضية لتقبل هؤلاء المفتئتين على الشريعة القادمين من تجارب علمانية ويسارية مثل محمد عمارة وغيره.

ولذلك كان من الخطأ اعتبار الترابي مجرد عصراني من العصرانيين وعدم التأكيد على أنه صاحب مدرسة هي الأخطر في هذا المجال, مدرسة تجمع بين العمل الفكري المخالف في عدد من جوانبه لمنهج التلقي والاستنباط والعمل الحزبي والكفاح السياسي, بل والعسكري إن لزم الأمر...

وهكذا انتشر الترابيون منذ الثمانينات كالنار في الهشيم في تنظيمات الاخوان المسلمين والجماعات القريبة منها, أو المشابهة لها, في الأردن واليمن, حيث تمكنوا من محاصرة الشيخ عبد المجيد الزنداني, وفي الجزائر والمغرب وموريتانيا وغيرها من البلاد... واختلط المؤثر الترابي بالمؤثر الإيراني الشيعي في تنظيمات إسلامية نظرا للعلاقات الوطيدة بينهما, كما هو الشأن في حركة النهضة التونسية, وتنظيم "حركة الاختيار الإسلامي" في المغرب سابقا, الذي انقسم منذ سنوات, لينضم الشق الأكثر "راديكالية في ترابيته وإيرانيته" إلى التحالف مع اليسار الماركسي المتطرف في المغرب اليوم ضد إخوانه المسلمين, وهو ما يعرف باسم حزب "حركة البديل الحضاري". وبما أن التفصيل في تجليات وامتدادات التيار الترابي في البلاد العربية يطول، سأكتفي في هذا المقال, بتناول التيار الترابي في تونس, حيث حقق حتى بداية التسعينات ـ قبل انهياره الشامل هناك ـ أكبر اختراق للحركة الإسلامية بعد السودان ... حتى صار اسم الغنوشي يقرن بالترابي في العقل الجمعي للنخبة الإسلامية, وخاصة أن الغنوشي لا يكف عن وصفه بالعلامة والإمام المجدد الترابي!

وقد سبق أن نشرا كتابا مشتركا بينهما حمل عنوان "الحركة الإسلامية والتحديث"، كما أن الغنوشي أهدى أهم كتبه وهو "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" إلى شيخه حسن الترابي, واصفا إياه بالإمام المجدد, إضافة إلى إهداءه إلى الإمام المجدد الخميني!

ونموذج حركة النهضة التونسية هو أكثر النماذج تعبيرا عن التوجه الترابي في غير السودان, ولذلك ظل العديد من الباحثين الغربيين مثل فرنسوا بورغا, الباحث الفرنسي المتخصص في الحركات الإسلامية وبعض الأتباع من الباحثين العرب أيضا, يؤكدون على تميز فكر حركة نهضة الغنوشي عن بقية التيارات والحركات الإسلامية في البلاد العربية، وهو ما يعتز رموز الحركة به ويستشهدون به باستمرار, حتى إن بعض الباحثين الغربيين يصف الغنوشي بـ"الليبيرو إسلامي".

ومما تميزت به الحركة في نظري هو الانشقاق الذي شهدته في وقت مبكر من نشأتها في أواسط السبعينات، وهي لا تزال تخطو خطواتها الأولى بحثا عن موطئ قدم لها في الساحة, ذلك الانشقاق الذي سوف يلعب دورا رئيسا في توجهاتها اللاحقة, إذ إنه رغم محاصرة المنشقين تنظيميا, بعد أن عزلوا أنفسهم برفضهم تكوين تنظيم لحركة الصحوة, فقد تمكنوا من اختراق الحركة بفكرهم ومنهجهم, عبر بعض عناصرهم التي بقيت مع تيار الأغلبية مثل بن عيسى الدمني، الذي تولى عضوية أول مكتب سياسي للحركة بعد إعلان تأسيسها في حزيران ـ جوان 1981, عبر ضغطهم على الحركة بحواراتهم مع مثقفيها وتكثيفهم للنشر عبر "مكتبة الجديد" التي كان يملكها أحدهم, والتي تحولت فيما بعد إلى "دار البراق"، وكانت تنشر كتبهم وتبيع ما يخدم فكرهم, عبر مجلتهم التي سموها مجلة الفكر الإسلامي المستقبلي, التي كانت تنشر لمنظريهم مثل صلاح الدين الجورشي وحميدة النيفر، إضافة إلى كتابات أركون وحسن حنفي وأنطونيو غرامشي, وعلي شريعتي وحتى بعض كتابات "لاهوت التحرير" في أمريكا اللاتينية" الذي كانوا معجبين به!....

ومما ميز ذلك الانشقاق كما يرى بعض الدارسين، هو أن المنشقين على الحركات الإسلامية عادة ما يجنحون إلى ما يسمونه باليمين, فيعيبون على الحركة التميع والتساهل ويدعونها إلى التمسك بالأصول, إلا أن الانشقاق المبكر الذي قام به دعاة ما يسمى باليسار الإسلامي الذين سرعان ما اختاروا تسمية "الإسلاميون التقدميون"، كان يدعو إلى عكس ذلك، فقد كان انشقاقا إلى اليسار مشبعا بالتحامل على منهج أهل السنة، الذي كرس الانبطاح للحاكم، حسب زعمهم، والحرفية والماضوية...وكان همهم منصبا على نقد حركة الإخوان المسلمين، التي كانت تمثل في ذلك الوقت حسب اطلاعهم التعبير السياسي الحركي عن منهج أهل السنة, وينقمون عليها تمسكها به كما يرون, و"أخلاقويتها"، وهو مصطلح طلعوا به على الساحة، ويعنون به استغراقها في نقد المسائل الأخلاقية والاهتمام بها, على حساب الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإسلام, ويدعون إلى الانفتاح الواسع على اليسار وإعادة الاعتبار إلى الفرق التي همشتها القراءة السنية الرسمية حسب قولهم.

وتجدر الإشارة إلى أن المنظرين الأساسيين، كانا حميدة النيفر الذي درس في الأزهر إلى مستوى الماجستير, وحمل عداء شخصيا لسيد قطب..., وصلاح الدين الجورشي، الذي انضم إلى شباب الصحوة شابا عصاميا بعد أن انقطع عن الدراسة قبل السنة الأخيرة في الثانوية! وهو اليوم من ألمع الصحفيين في تونس.

وقد تميز هؤلاء اليساريون بدعوتهم إلى إعادة النظر في موقع ودور المرأة في العمل الإسلامي والمجتمع وإعادة قراءة النصوص في ضوء ما سموه بمقاصد الشريعة وحركة التاريخ، وهنا أدخلوا القراءة الماركسية أي المادية التاريخية وقراءتها لأنماط الإنتاج عبر التاريخ, واستفادوا في ذلك من المنظر الإيراني الشهير علي شريعتي، الذي يدخل الصراع بين أنماط الإنتاج حتى في الخلاف بين ابني آدم، باعتبار أحدهما يعبر عن نمط الإنتاج الرعوي والآخر يعبر عن نمط الإنتاج الزراعي...!

وهكذا وصل منظرو التيار إلى القول بإلغاء الحدود والمساواة بين الجنسين في الميراث، إن لم يطالب بعضهم بإلغائه. ويوجد اليوم ثلة من هؤلاء في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي التقدمي بقيادة أحمد نجيب الشابي, وهو تجمع يساري يضم يساريين من مشارب شتى قومية وماركسية و"إسلامية تقدمية"، وينسق مع حركة النهضة.

لقد أثارت في حينها أطروحات هذا التيار زوبعة كبيرة في صفوف الصحوة الإسلامية اليانعة, وكان الغنوشي على رأس محاربيهم متهما إياهم بالمروق عن الدين, بل إنه كان يطالبهم بمراجعة إيمانهم, ومن ذلك ما حدثني به الأخ الحبيب, لطفي السنوسي, وهو سجين اليوم ومحكوم بالمؤبد ـ وقد كان من رافضي المنهج الترابي ـ أنه عندما كان حميدة النيفر يطالب بإنكار حد الردة, كان الغنوشي يقول له: "راجع إيمانك".

ومضت الأمور على هذا المنوال بسبب تمسك الجماعة بالخط التقليدي لجماعة الإخوان المسلمين الموافق في عمومه لمنهج أهل السنة والجماعة...إلى أن عاد الغنوشي من زيارته للسودان سنة 1981، حيث مكث هناك فترة في ضيافة الترابي, وبعد عودته ألقى محاضرة بين قيادات الصحوة انقلب فيها كما يروي الشيخ خميس الماجري مقاله" قصة الإعلان"، 180 درجة على منهجه السابق, حتى قال حميدة النيفر: "لو كنت أحسن الزغردة لزغردت". ومن وقتها والحركة تشهد تحولات عميقة في منهجها الفكري والعقدي والتربوي، بعد أن اعتنق منظرها وقائدها المنهج الترابي, فهمشت التربية والدراسات الشرعية وعظمت الفلسفة والكتب الفكرية, وصار العمل الإسلامي هو العمل السياسي.

ومن المفارقات التي بانت لي بعد مغادرتي للحركة، هي أننا كنا ننتمي إلى تنظيم ينتمي دون علمنا إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين, في حين أننا نُشئنا في الحركة على السخرية من منهج الإخوان "الأخلاقوي"، وأقبلنا بنهم على كتابات المفكرين الشيعة الإيرانيين والعراقيين وغيرهم, بعد أن اقتنعنا بأن الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلاف تاريخي مصطنع, كما كان يكتب الغنوشي في مجلة "المعرفة"، فأبهرتنا تلك الكتابات بمصطلحاتها الجديدة علينا, مثل المستكبرين والمستضعفين والاستكبار العالمي, ومناقشاتها المعمقة للماركسية والفلسفات السياسات الغربية, حيث لم نعرف من أهل السنة من تناول هذه المسائل بالعمق الذي وجدناه عندهم والاطلاع, وهذا تقصير لدى الكثير من سادتنا علماء أهل السنة المعاصرين، لا أعلم من عمل على تجاوزه غير الشيخ سفر الحوالي في كتابه "العلمانية", في حين رد أبو حامد الغزالي على فلاسفة عصره رد المتمكن العالم بمذاهبهم, وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية من بعده.

وكانت الحركة هي التي تروج بيننا هذه الكتابات وتشجعنا على قراءتها، خاصة أن الغنوشي قد وضع الخميني في مصاف مجددي القرن الثلاثة إلى جانب المودودي والبنا، ثم كان للسفارة الإيرانية دورها الكبير في مدنا بالنشريات والكتب, كما كان هناك دور لمجلة "المسلم المعاصر"، التي كانت تحسب على "اليسار الإسلامي" ويحذرنا الإخوة منها, قبل أن تدور الأيام وإذا بها قريبة من فكر حركة النهضة!

وكان هناك دور كبير لمكتبة الجديد, التي كان يملكها أحد عناصر" اليسار الإسلامي"، الذي يعد هو أول تيار روج لكتب "اليسار الإسلامي" في تونس وأساسا كتب حسن حنفي, وكذلك للكتابات الشيعية القريبة من فكرهم وخاصة لعلي شريعتي، الذي كانوا هم أول من انبهر به وروج له, وحتى أكون أمينا فقد حذرنا الغنوشي في أحد دروسه المسجدية من كتاب "الشهادة" لعلي شريعتي, الذي طعن فيه في أبي هريرة وافترى عليه, إلا أن ذلك التحذير لم يكن شيئا يذكر أمام تزكيته لكتب الشيعة وترويجه لها, فهل الخميني الذي لا يزال يصر على تسميته بالامام المجدد أفضل من شريعتي، فشريعتي على الأقل قد رفض ما كان يسميه بالتشيع الصفوي، وهو صاحب مصطلح "التشيع الصفوي"، ورفض الكثير من خزعبلات الشيعة الأمامية، التي اعتبرها تحريفات صفويةـ مثل كتاب "بحار الأنوار" للمجلسي, وهو الكتاب الذي طالما أثنى عليه الخميني, بل إن علي شريعتي كان متهما بالوهابية، بسبب رفضه للكثير من خزعبلات التشيع الصفوي.

* التيار الترابي في تونس ودخول العمل السياسي:
ثم كان الإعلان عن ميلاد حركة الاتجاه الإسلامي ودخول العمل السياسي في 6 حزيران ـ جوان 1981، وهو الإعلان الذي تحفظ عليه العديد من رموز الصحوة مثل الشيخ محمد الصالح النيفر رحمه الله، فالصحوة كانت يانعة لم تقف على رجليها بعد, وقياداتها ينقصها الكثير من العلم والتمرس, فكيف تقتحم بالجموع زخم العمل للسياسي مرة واحدة؟, وقد دأبت الحركة منذ إعلانها عن نفسها بإبراز تميزها عما كانت تسميه بالحركات الإسلامية المشرقية, وهو توجه ترابي بحت, لتبرير مخالفاته.

ثم جاءت محنة بداية الثمانينات، حيث سجنت قيادات الحركة من 1981 إلى 1984، لتخرج بعفو رئاسي بعد أن توجه أحد قادتها برسالة طلب عفو من رئيس الدولة, واستمر مسلسل" الاجتهادات الترابية" الجديدة وبدأ الترويج لكتب مالك بن نبي, بعد أن كان مهمشا بسبب غلبة التوجه الإخواني الذي كان يتحفظ عليه آنذاك.

* المكونات العقدية والفكرية لأتباع حركة النهضة:

ولفهم أعمق للتكوين العقدي و الفكري لحركة النهضة, لابد لنا من الرجوع إلى بحث كتبه الأستاذ الغنوشي ونشره "مركز دراسات الوحدة العربية" مع بحوث أخرى ألقيت في مؤتمر عقده المركز عن" الصحوة الإسلامية في الوطن العربي", ففي هذا البحث الذي حمل عنوان "حول مكونات الظاهرة الإسلامية في تونس"، يقول الغنوشي بأن هذه المكونات هي ثلاثة, وقد أسهمت مع بعضها في تكوين ذهنية أتباع الحركة, بعد أن تفاعلت:

1ـ التدين التقليدي التونسي: وهو المتمثل في عقيدة الأشعري وطريقة الجنيد السالك والمذهب المالكي.

2 ـ التدين السلفي الإخواني: موضحا أنه يعني الاهتمام بشمولية الإسلام, وبمسالة الحاكمية, ورفض القبورية والدعوة إلى الاجتهاد ورفض التعصب المذهبي.

3ـ التدين العقلاني: ويقول إنه المهيمن على الجناح الطالبي للحركة: ومن ميزات هذا التيار كما يرى، الإعلاء من شأن العقل, ونقد المنهج الاخواني وتجربته, والتفاعل الايجابي الكبير مع الثورة الإيرانية، والدعوة إلى التفاعل مع التجارب اليسارية في العالم ومع الفكر اليساري, وإلى إعادة الاعتبار للفرق التي أهملتها القراءة الرسمية السنية للتاريخ..

وأضيف بأن هذا المكون هو الذي هيمن على قيادة الحركة بعد تخرج الطلبة من الجامعة، باعتبار أن المثقفين هم من يقودونها في النهاية وليس التيار الشعبي الذي ظل في عمومه أقرب إلى المنهج الإخواني العام, أو ما يسميه الغنوشي بالتدين السلفي الإخواني, وهو ما نلمسه في أغلب العناصر غير المثقفة من أتباع النهضة في المهجر, أما في تونس اليوم فقد اختفت الحركة من الساحة الشعبية.... وعندما تقرأ لغالب النهضويين اليوم وإخوانهم من أنصار المدرسة الترابية الذين اختلفوا مع الغنوشي, وتركوا التنظيم, ولكن لم يتخلوا عن المنهج الترابي, تخال نفسك تقرأ لعلماني من العلمانيين, فلا تقرأ إلا عن الوطن وأوجاع الوطن والمجتمع المدني, بل لا أستغرب أن نقرأ لهم قريبا عن "أزمة الأغنية والموسيقى التونسية وسبل النهوض بها"!, "لأنه لا بد من الالتصاق بالجماهير وهموم الوطن والتخلي عن المثالية..."، ولم لا, فقد كنا معشر مناضلي ومناضلات الاتجاه الإسلامي نذهب أفواجا إلى مهرجان السينما في تونس لنشاهد الأفلام المشاركة في المسابقة، فنتفرج في اليوم الواحد على ثلاثة أفلام على الأقل, وكنا كالمجانين من قاعة سينمائية إلى أخرى, والكثير من تلك الأفلام كانت تحوي مشاهد مخلة بالآداب, ورغم أنني كنت أتساءل أحيانا بيني وبين نفسي عن شرعية ذلك, إلا أنني لم أكن قادرا على الإنكار, فهو التوجه العام للحركة التي أثق فيها ثقة عمياء, وأقول لنفسي إن الضرورة تبيح ذلك, وذلك حتى نتعلم النقد السينمائي, وتصبح لنا قدرة على إنتاج سينما إسلامية!

* الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي، والنزعة الاعتزالية الواضحة:
وخوفا من تفلت أكثر للحركة بسبب ضعفها العلمي وجرأتها على النصوص, ولتميزا عن اليسار الإسلامي الذي مضى أسرع من الحركة في التحلل من مصدر التلقي, وظل يستقطب من حين لآخر بعض شباب الحركة المتفوقين فكريا وسياسيا, كما حصل مع زياد كريشان وكمال بن يونس وعبد العزيز التميمي، الذين كانوا من ألمع قيادات "الاتجاه الإسلامي" في الجامعة, فقد رأت الحركة وضع ما سمته بـ"الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي", فكان أن كلفت د. عبد المجيد النجار, وهو المفكر الأزهري, بوضع تلك الرؤية، فصاغها على المنهج الترابي الذي اختاره تعزيزا لإعلاء منزلة العقل أمام النص، وتوسعا لما سماه بمنطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية، التي اعترفت الحركة في نص وزعته لشرح تسميتها باسم "حركة الاتجاه الإسلامي"، بأنه مصطلح مستعار من محمد الباقر الصدر.

وقد عمل النجار على أخذ موقف وسط بين أهل السنة وبين دعاة ما يسمى باليسار الإسلامي, فيما يتعلق بما سماه بالفهم المقاصدي للنصوص, الذي أهدر فيه اليساريون النصوص إهدارا تاما مقابل ما يرونه من مقاصد وضعوها للشريعة, فصارت المقاصد والمصالح عندهم تنسخ الأحكام الشرعية القطعية، مثل أحكام الميراث والحدود وغير ذلك, مستدلين بالطوفي الذي قال بالعمل بالمصلحة حتى ولو خالفت النص, ومقتدين بمعلمهم, حسن حنفي القائل بأن "الوحي علماني في جوهره"، مستدلا بالنسخ في القرآن الذي هو تغيير للأحكام بتغير الوقائع كما يرى, ويرى أن النسخ يستمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم, مع تغير الوقائع والمستجدات.

وهكذا لم يعد هناك ضابط أمام الاجتهادات، وصار يكفي أن تكون طلق اللسان وقارئا لفلان وعلان من دعاة "الفكر الإسلامي المستنير"، والأفضل أيضا للجابري وأركون ولميشيل فوكو وجاك ديريدا, لتكتب ما تشاء وتقول ما تشاء ولا أحد يعترض عليك.

* الحركة ومرحلة المهجر:
بعد المواجهة الكبيرة مع النظام في تونس في صيف 1991م, منيت الحركة بهزيمة قاسية, لم تدفع ثمنها لوحدها, و لكن كل العاملين للإسلام في تونس, على اختلاف مشاربهم ومناهجهم,وفي المهجر الأوروبي استقرت بقايا قياداتها التي لم تنسحب من الحركة أو أفلتت من السجن، وكذلك أغلب بقايا أتباعها, وهناك خضعت الحركة إلى تأثير التيارات السلفية على العديد من أتباعها ـ في الواقع لقد بدأ التأثير السلفي لدى الكثيرين, منذ مرحلة الهجرة إلى السودان بالنسبة لمن أقام في السودان قبل الهجرة إلى أوروبا, بعد خيبة الأمل في النموذج الترابي في السودان الذي انكشف لهم على حقيقته ـ مما جعلها تخسر العديد من أتباعها, وتضطر إلى شن حملة تحصين لضمان ولاءهم.

وفي نفس الوقت، ومع مرور الزمن واستعصاء عفو النظام عن الحركة, كان التواصل مع شق هام من اليسار الماركسي الراديكالي المتطرف في عداوته للإسلام وللشريعة الإسلامية والعلمانيين, يتوطد حتى كادت تختفي الحواجز..

وكان من نتيجة هذا الفكر الترابي المتألق، محاربته للسلفية وتواصله مع اليساريين. بل بدأت القيادات المتألقة تتساقط صرعى اليسار، فهذا القيادي المناضل العتيد نور الدين الختروشي، الذي طالما نسق ولا يزال مع اليسار التونسي في باريس يعلن انسحابه من حركة النهضة وتخليه عن "الإسلام السياسي"! كما قال، ورغم ذلك فلم يتوان هادي بريك أحد قيادات حركة النهضة في ألمانيا من كتابة مقال كامل لمدحه، وذلك لأن الختروشي قد رفض عرض أحد مبعوثي النظام له بالعودة إلى تونس، فأخذوا ينفخون في موقفه النضالي البطولي, لأن ذلك هو الأهم, أما قضايا التدين، فلا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام.

وفي الوقت الذي لا نجد فيه مراجعة واحدة أو اعتذارا من الحركة للسلفيين الذين تشتمهم باستمرار وتشهر بهم في المجالس العامة, فإنها سباقة إلى الاعتذار من الإخوة المناضلين في اليسار كما يصفهم حسين الجزيري ومحمد بن سالم عضوي المكتب السياسي لحركة النهضة في حوار مع الصحفية اليسارية سهام بن سدرين, نشرته في مجلتها الالكترونية "كلمة"، وقد تضمن الحوار إضافة إلى هجمة شرسة على تيار الدعوة السلفية في تونس، اعتذارا من اليسار لخطأ فادح وقع فيه الغنوشي عندما استعمل عبارتي, كفر وإيمان, إذ يقول محمد بن سالم: "ووردت عبارة كفر وإيمان, وهي عبارة نأسف لها", مضيفا: "إن المعركة ليست بين كفر وإيمان, فراضية مازالت كيسارية محترمة, تدافع عن حقوق الإنسان, ونحترمها من أجل ذلك ونتضامن معها".

وراضية هذه هي راضية النصراوي, المحامية الشيوعية المتطرفة في عداوتها للإسلام وتشنيعها بأحكامه, زوجة حمة الهمامي زعيم حزب العمال الشيوعي التونسي الماركسي الستاليني المتطرف، الذي يستلهم من فكر رأس التطرف الماركسي أنور خوجة, الذي لا يتردد في إعلان إلحاده، ولا ينافق مثل الأحزاب الشيوعية العربية التي كانت مرتبطة بموسكو, التي ينعتها بالتحريفية, وقد تسبب هذا الحزب في ردة الآلاف من الشباب عن الإسلام في تونس, وقد عرف الحزب بدمويته وإرهابه, لكن الغنوشي وجماعته يدافعون عنه ويستميتون في التحالف معه لمجرد أنه مختلف مع السلطة في تونس. ونجد الغنوشي يدخل في إضراب جوع في مكتبه في لندن منذ سنوات قليلة تضامنا مع راضية النصراوي القيادية الشيوعية المضربة عن الطعام في بيتها حتى يطلق سراح زوجها "المناضل العتيد".

* موقف الترابيين التونسيين من تصريحات الترابي الأخيرة:

لئن لزم الغنوشي الصمت كعادته في مثل هذه الأمور, حتى لا يثير عليه العلماء وهو بحاجة إلى إرضاء الجميع , وتزويق خطاب مناسب لكل تيار كما هي عادته, فإن بعض تلامذته لم يتحمل الصمت, فهاهو أحد رموز حركة النهضة التونسية في ألمانيا, أبو وليد حبيب المكني, يدبج مقالا طويلا تحت عنوان "تصريحات الترابي واختبار جديد لمبدأ حرية الرأي"، ينشره على موقع نهضوي هو موقع الحوار, يقول فيه في مقدمته إنه لا يحب التكلم في المسائل الشرعية، ويتركها إلى أهل الاختصاص, ثم يناقض نفسه في كامل المقال في رده على أهل العلم والاختصاص، بتهجمه عليهم على إدانتهم للترابي ومطالبتهم باستتابته, مطالبا بما يسميه حرية الفكر, ورفض الوصاية على الناس، مدينا الحكم الذي سبق أن صدر في عهد نميري بردة زعيم الإخوان الجمهوريين الباطني, علي محمود طه، وهكذا على العلماء أن يخرسوا ليتركوا لرويبضات الترابي المجال أن يجتهدوا في الدين على هواهم, وما يقوله المكني يتفق مع ما سبق أن صرح به الغنوشي للصحفي الأردني قصي صالح درويش في كتابه "حوارات مع الغنوشي"، إذ عندما سأله درويش عن رأيه في سلمان رشدي ورواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ, كان جواب الغنوشي: "أنا ضد تدخل الفتوى في قضايا الفكر"!

كانت الأسطر السابقة مختصرا لفكر وممارسات التيار الترابي التونسي, للدلالة على أن الأمر يتعلق بظاهرة كرسها الترابي وتلامذته في البلاد العربية, ولا تتعلق بشخص الترابي نفسه, وهي في الواقع غيض من فيض, والسؤال الآن هو: إلى أين المسير، وإلى متى يستمر مسلسل الانهيار دون ضوابط، وإلى متى يستمر خلو حركة النهضة التونسية من العلماء وتهميشها للعلم الشرعي, وإلى متى يستمر المتعاطفون من غير التونسيين في الدفاع عنهم والتعصب لهم؟

 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد القصاص
  • مقالات شرعية
  • في نصرة النبي
  • مقالات في فقه الواقع
  • مقالات أدبية
  • تقارير وتحليلات
  • رسائل ومحاضرات
  • مع العقلانيين
  • صوتيات
  • مقالات تعريفية بالنصرانية
  • رد الكذاب اللئيم
  • اخترت لكم
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية