بسم الله الرحمن الرحيم

ثامنا : رد ما اعتمدوا عليه من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله


قال الحافظ في الفتح 1 / 61
( والكلام هنا في مقامين : أحدهما كونه قولا وعملا ، والثاني كونه يزيد وينقص .
فأما القول فالمراد به النطق بالشهادتين ،
وأما العمل فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح ، ليدخل الاعتقاد والعبادات .
ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى.
فالسّلف قالوا : هو اعتقادٌ بالقلب ونطقٌ باللّسان وعملٌ بالأركان ،
وأرادوا بذلك أنّ الأعمال شرط في كماله ، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي.
والمرجئة قالوا : هو اعتقاد ونطق فقط.
والكرامية قالوا: هو نطق فقط.
والمعتزلة قالوا : هو العمل والنّطق والاعتقاد ،
والفارق بينهم وبين السّلف أنّهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحّته والسّلف جعلوها شرطاً في كماله ، وهذا بالنّظر إلى ما عند الله ، أمّا بالنّظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط فمن أقرّ أُجريت عليه الأحكام في الدّنيا ولم يُحكم عليه بكفر إلاّ إن اقترن به فعل يدلّ على كفره كالسّجود للصّنم ) .

استشهد بهذا الكلام : الزهراني في حواره مع الأخ العبد الكريم ، وعلي الحلبي في تعليقه على رسالة حكم تارك الصلاة للشيخ الألباني رحمه الله ، عند قول الشيخ :" إن الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند أهل السنة خلافا للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار".
وأورده في " التعريف والتنبئة " في هامش ص 83 ، وعلق عليه بقوله : " ولم يتعقب هذا القول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على " الفتح " – المطبوع في حاشية مجلداته الثلاثة الأولى - ، ولا فضيلة الشيخ عبد الله الدويش في " تعليقه " على " الفتح " – أيضا – المطبوع في "مجموع مؤلفاته " ج 2 – رحمهما الله –".
وكذلك فعل العنبري في أصل كتابه 1/121 فقال : " ويشرح الحافظ ابن حجر كون العمل شرطا في كمال الإيمان عند أهل السنة فيقول ...".
ورأيت من يتمسك بكلام الحافظ هذا معتمدا على سكوت الشيخ ابن باز عنه في تعليقه على الفتح.
والجواب من وجوه :
الأول : أن هذه النسبة إلى السلف لا تصح ، فلا يعلم عن واحد منهم أنه أطلق على العمل أنه شرط كمال.
الثاني : أنه قد تقدم ذكر الإجماع على أنه لا يجزيء القول والتصديق دون عمل الجوارح ، ولا عبرة بمن خالف هذا الإجماع.
الثالث : أنه يمكن حمل كلام الحافظ على محمل حسن لا يتعارض مع ما قرره أهل السنة في هذا الباب، وهو ما قاله الدكتورعبد الله بن إبراهيم الزاحم في تقريظه لكتاب : التبيان لعلاقة العمل بمسمى الإيمان لعلي بن أحمد بن سوف ، قال حفظه الله : " فإني أود التنبيه على عبارة الحافظ ابن حجر رحمه الله حين أراد التفريق بين قول أهل السنة وقول المعتزلة في تعريف الإيمان وبيان حده فقال ... إذ قد فهم منها بعض الفضلاء أن الأعمال الصالحة كلها شرط كمال عند السلف. وهذا خطأ يقع فيه كثير من طلاب العلم ، ممن لم يمحص قول السلف في هذا الباب ، فإن هذه العبارة عند السلف يراد بها آحاد الأعمال لا جنسها ، أي أن كل عمل من الأعمال الصالحة عندهم شرط لكمال الإيمان ، خلافا للمعتزلة الذين يرون أن كل عمل شرط لصحة الإيمان ، لأن الإيمان عند السلف يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وليس مرادهم أن جنس الأعمال شرط لكمال الإيمان ، ولأن هذا يقتضي صحة الإيمان بدون أي عمل ، وهذا لازم قول المرجئة ، وليس قول أهل السنة" انتهى.
الرابع : أن هذا القول من الحافظ أنكره الشيخ ابن باز رحمه الله وبين أنه قول المرجئة . وذلك في حوار مع مجلة المشكاة ، هذا نصه :
المشكاة : ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح عندما تكلم على مسألة الإيمان والعمل ، وهل هو داخل في المسمى ، ذكر أنه شرط كمال ، قال الحافظ ( السلف قالوا ...)
فأجاب الشيخ : لا ، هو جزء ، ما هو بشرط ، هو جزء من الإيمان ، الإيمان قول وعلم وعقيدة أي تصديق ، والإيمان يتكون من القول والعمل والتصديق عند أهل السنة والجماعة.
المشكاة : هناك من يقول بأنه داخل في الإيمان لكنه شرط كمال ؟
الشيخ : لا ، لا ،
ما هو بشرط كمال ، جزء ، جزء من الإيمان . هذا قول المرجئة ، المرجئة يرون الإيمان قول وتصديق فقط ، والآخرون يقولون: المعرفة. وبعضهم يقول : التصديق . وكل هذا غلط .
الصواب عند أهل السنة أن الإيمان قول وعمل وعقيدة ، كما في الواسطية ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
المشكاة : المقصود بالعمل جنس العمل ؟
الشيخ : من صلاة وصوم وغير. عمل القلب من خوف ورجاء.
المشكاة : يذكرون أنكم لم تعلقوا على هذا في أول الفتح ؟
الشيخ : ما أدري ، تعليقنا قبل أربعين سنة ، قبل أن نذهب إلى المدينة ، ونحن ذهبا للمدينة في سنة 1381 هـ ، وسجلنا تصحيحات الفتح أظن في 1377 هـ أو 87 [ لعلها 78] أي تقريبا قبل أربعين سنة . ما أذكر يمكن مر ولم نفطن له.).
نقلا عن مجلة المشكاة المجلد الثاني ، الجزء الثاني ، ص 279 ، 280
الخامس :
أن الشيخ ابن باز رحمه الله أقر ما تعقب به الشيخ علي بن عبد العزيز الشبل كلام الحافظ ، وذلك في كتابه : التنبيه على المخالفات العقدية في الفتح ص 28
قال المؤلف : ( الصواب أن الأعمال عند السلف الصالح قد تكون شرطا في صحة الإيمان ، أي أنها من حقيقة الإيمان ، قد ينتفي الإيمان بانتفائها كالصلاة.
وقد تكون شرطا في كماله الواجب فينقص الإيمان بانتفائها كبقية الأعمال التي تركها فسق ومعصية وليس كفرا ، فهذا التفصيل لابد منه لفهم قول السلف الصالح وعدم خلطه بقول الوعيدية .
مع أن العمل عند أهل السنة والجماعة ركن من أركان الإيمان الثلاثة : قول وعمل واعتقاد ، والإيمان عندهم يزيد وينقص خلافا للخوارج والمعتزلة ، والله ولي التوفيق).
والشاهد اعتبار هذا الموضع من مواضع المخالفات العقدية في الفتح .
السادس : أن الشيخ رحمه الله قد أقر ما هو أبلغ من ذلك وأظهر في نقد كلام ابن حجر وبيان معتقد أهل السنة ، وذلك بإقراره ما كتبه الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف في كتابه : التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد ، ص 71
حيث علق في الهامش بقوله : ( وكلامه هذا عليه مآخذ أهمها نسبته القول بأن الأعمال شرط كمال الإيمان للسلف ، وهو على إطلاقه غير صحيح ، بل في ذلك تفصيل :
فالأعمال المكفرة سواء كانت تركا ، كترك جنس العمل أو الشهادتين أو الصلاة ، أو كانت فعلا كالسجود لصنم أو الذبح لغير الله : فهي شرط في صحة الإيمان،
وما كان ذنبا دون الكفر فشرط كمال. وإنما أوردت كلامه هنا لحكمه بالكفر على من فعل فعلا يدل على كفره كالسجود لصنم دون أن يقيده بالاعتقاد. على أن هذه العبارة فيها نظر أيضا ، فالسجود لصنم كفر بمجرده وليس فعلا يدل على الكفر، وانظر "سادسا" في المقدمة ).
وقد أثنى الشيخ رحمه الله على الكتاب وقال ( فألفيتها رسالة قيمة مفيدة يحسن طبعها ونشرها ليستفيد منها المسلمون بعد حذف بعض ما نقلتم عن صاحب الفروع ابتداء من قوله : وقال في الترغيب إلى آخره ، وحذف ما نقلتم عن الدسوقي كله لما فيه من اللبس ).
وهذا الكتاب من آخر ما قرئ على الشيخ رحمه الله. وسيأتي مزيد بيان لمذهب الشيخ رحمه الله في هذه المسألة ، ضمن الجزء الثالث المخصص لذكر كلام أهل العلم .
السابع : أن كلام الحافظ هذا رده الباحث الأخ محمد إسحاق كندو في رسالته : منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري ، حيث قال ( 3/1141) : ( ولكن تبقى الإشارة إلى أن ثمة ملاحظة فيما ذكره الحافظ من مراد السلف بدخول العمل في مسمى الإيمان ، حيث قال : " وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله". وهذا القول ليس صحيحا ، فإنه لا يحفظ عن أحد من السلف أنه قال هذا ، وإنما أراد السلف بذكر العمل في تعريف الإيمان أن العمل جزء من الإيمان ...).
الثامن : أن أهل العلم قد بينوا قديما مخالفة كلام الحافظ لما عليه أهل السنة في هذه المسألة : جاء في الدرر السنية في الأجوبة النجدية 12/7،8
في معرض بيان الشيخ عبد الرحمن بن حسن ما كان عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه :
( ثم إن شيخنا رحمه الله تعالى بعد رحلته إلى البصرة وتحصيل ما حصل بنجد وهناك ، رحل إلى الإحساء وفيها فحول العلماء منهم عبد الله بن فيروز أبومحمد الكفيف ، ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم ما سرّ به ، وأثنى على عبد الله هذا بمعرفته بعقيدة الإمام أحمد.
وحضر مشايخ الإحساء ومن أعظمهم عبد الله بن عبد اللطيف القاضي ، فطلب منه أن يحضر الأول من فتح الباري على البخاري
، ويبين لهم ما غلط فيه الحافظ في مسألة الإيمان ، وبين أن الأشاعرة خالفوا ما صدر به البخاري كتابه من الأحاديث والآثار) .
فالمسألة معلومة مشهورة ، وسيأتي من كلام علماء الدعوة ما يبين ذلك ، كما يأتي بيان أن هذه المقولة " العمل شرط كمال " من مقالات المرجئة ، كما قال علماؤنا ومشايخنا، إن شاء الله تعالى.

كتبه ... الموحد