اطبع هذه الصفحة


مقتطفات من روائع الكتابات السياسية (9)

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم


يملك العديد من مفكرينا السياسيين رؤية جيدة لواقع الحال الذي يمر بأمتنا، هذه الرؤية من الرصانة والعمق ما يجعلها إضاءات نحن في أمس الحاجة لها في ظل هذه الأحداث الهادرة التي تموج بالأوطان الإسلامية خاصة والعالمية عامة، لذلك رأيت أن أقتطف طرفا من هذه الرؤى، وأجمعها في نظم نضيد، لتكون عونا للمسترشد، ونبراسا للمقتدي، لكن لا يفوتني أن أذكر أنها اجتهادات بشرية ربما يعتريها بعض المآخذ، وهذا ما لا ينكره البصير، فأسأل الله أن يعم النفع بها، ويجنبنا الزلل، إنه نعم المولى ونعم النصير.

الثورات العربية كشفت لنا على نحو كامل هذه المرة، أن هجمات أيلول (سبتمبر)، وتفجيرات مدريد ولندن، وغيرها من الهجمات الإرهابية أطالت في عمر الطغاة العرب، وأخرت ربيع ثوراتنا. عرفنا الآن أن الدول الغربية حينما تتدخل في شؤوننا، فإنها لا تريد حسما سريعاً لمعاناتنا، وإنما تريدنا جميعا أن ننهك كي لا تجد شركاتها «الناهبة للقارات» في آخر المطاف أي معارضة من أحد، ومن يعتقد أن الناتو يدافع عن حق الشعوب فهو مجرد متفائل. [الثورات العربية.. ما لم نكن نعرفه من قبل / وديع منصور]

كان تغييب الكتل الجماهيرية الكبيرة، وإخفاؤها وراء حدود كل مجال عام، المحرّكَ المركزي لمختلف صِيَغ الطغيان التي أفرزها الانحطاط المتجدد المرافق لمتغيرات السلطة الفوقية؛ بالمقابل لم تصعد إلى أعلى هامات الدول إلا الفئويات الأقل عدداً، بل حكمت العالم العربي طيلة أكثر من نصف قرن زُمَر من أفراد معدودين، وفي أحيان كثيرة كان الفرد الواحد هو الحاكم المطلق.
ما يمكن استخلاصُه، أن التاريخ المعاصر للمنطقة قد مرت أحداثه من خلف ظهور مجتمعاتها أو من فوق رؤوسهم بالأحرى، دون أن يكون لهؤلاء الناس أية مشاركة حقيقية في صنعها أو في دفعها، وإنْ كان عليهم أن يتحملوا أثمانها، إذ كانت في معظمها أحداثاً كارثية، وقلما جاء بعضها ببعض الخير العام أو ما يشبهه. [الربيع و’الغيبيات’ نقيضان لا يلتقيان مجددا/ مطاع صفدي]

في قصة الثورة العربية، أنها وليدة القمع، هذا يثبت علمياً أن نهاية القمع تأتي من آليته عينها؛ ذلك أن طبيعة القمع هي من جنس اللامعقول الاجتماعي، فهي ظاهرة طارئة في أصلها. ولكن عندما يجعلها نظام الطغيان أداتَه المركزية والمستمرة، فإن القمع يتطوّر إلى جنون القمع. وهو الأمر الذي ترفضه عقلانية المجتمع، فيغدو القمع العدوَّ الأول لكلّية الشعب. ومن هنا كان كل طغيان محكوماً للانتحار الذاتي بوسيلة قمعه عينه. لذلك كان الطغيان، أخشى ما يخشاه، هو تظهير قمعه نتيجةَ تفعيله إلى الحدّ الذي يجهض فيه سياساته الأخرى، ولا يتبقَّى له سوى وجه الجلاد وسيفه وحده. تلك هي العزلة الحقيقية التي تأسر الطاغي، وتجعله غير معترف به إلا بمآثره الدموية المتمادية، في نظر الرأي العام من حوله، القريب والبعيد في آن معاً.[مطاع صفدي: الثورة أم الطغيان في محكمة المشروعية/اللامشروعية]

يعلم الغرب أن الربيع العربي، لم يعلن حرب الحرّية ضد أنظمته القامعة وحدَها، بل هي حرب عليه، باعتباره هو مهندسها الأصلي، وحاميها المزمن، والمبدع لأفانينها في استلاب إرادات شعوبها، وتحريف نهضتها الإنسانية والمعرفية، إنه هو الغرب، المسؤول الأول عن خمسين ستين عاماً من تصحير الاستقلال العربي، من حرمان أغلبيات شعوبه من أية مشاركة حقيقية في إنتاج مصائرها، من صنع رجالها المخلصين، وطلائعها المتنورة؛ وإذا كان الغرب قد أفلح في ماضي الأيام بإجهاض ثورات العرب، أو تزييفها، وتحويل معظمها إلى مضادات لأبسط ادّعاءاتها الأخلاقية والحضارية، فإنه اليوم، إزاء انبعاث هذا الربيع من رميم تلك النهضات السابقة المغدورة، كأنه مضطر هذه المرة أن يتقمّص مهمة الحليف الذي لا غنى عنه . يختار شراكة المنتصر بدلاً أن ينهزم مع أتباعه المنهارين، متأملاً استعادة السيطرة بأسلوب مختلف. [مطاع صفدي: الثورة في أفخاخ 'حاميها حراميها'..؟]

"وصلت علاقة الدين بالسلطة اليوم إلى أسوأ مراحلها، إذ تحتكر السلطة الدين، وتوظفه في خدمة الاستبداد وبقاء الحكام، وهي أيضا تستخدم قيم الدين ورموزه لإضفاء قدر من الشرعية بعد تفريغها من مضامينها، وصار هناك "فقهاء السلطة" سخّروا الدين في خدمة الحاكم فساهموا في إضاعة الدين وتضييع الشعوب" [عبد الفتاح ماضي: تحرير الدين]

نشأت السلطة في الدولة القطرية نشأة مشوهة من وجوه ثلاثة على الأقل، فقد ظهرت بلا مرجعية سياسية وفكرية متسقة ومستمدة من المجتمع وأولوياته، ومارست كل صور الاستبداد والإقصاء وقمع الحريات واحتكار الثروة والسيطرة على المجتمع، هذا بجانب أنها قامت على أساس تفتيت الأمة الواحدة إلى دويلات (سلطة قُطْرية) في وقت كانت الفكرة القومية ذاتها تقوم على توحيد الأمة الواحدة في دولة واحدة. [عبد الفتاح ماضي: تحرير الدين]

تحول الصراع مع الصهيونية إلى خلاف على شئون الحياة اليومية كأي خلاف بين جيران، ومن هو الذي مازال يطالب بما كانت تطالب به الجماهير التي خرجت في مظاهرات حاشدة ضد أنور السادات؟ بل الجماهير التي صوبت اتجاه ثورة يوليو عندما هدرت برفض موقف قيادتها المتردد وليس الموافق على مبادرة إيدن 1955؟ أين هو اليوم موقع من يطالب بفلسطين كلها من البحر إلى النهر، وبتفكيك الكيان الصهيوني الاستعماري، وبعودة اللاجئين إلى وطنهم، وبحظر أي اتفاق سلام واستسلام بواقع وجود الصهاينة على أرضنا، ومن باب أولى يناهض أي لقاء أو تحالف أو تطبيع معهم؟
بل أين هو الفدائي الذي صمد في بيروت صموداً أسطورياً ليتحول بلمح البصر إلى شرطي حارس لأمن الصهاينة؟ ومن يصدق أن القداسة فارقت قضية فلسطين بعد عقود من الجهاد والاستشهاد وأصبحت من نصيب التنسيق الأمني مع عدو فلسطين ضد من مازال يجاهد لأجل فلسطين، وأن يهتف لهذا الرأي الرسمي الشاذ ويهلل له من اتهم السادات بالخيانة وطرده من الأمة فيما سبق؟ وهل كنا نحلم في أسوأ الكوابيس أن يصطف العربي بل الفلسطيني والصهيوني معاً ضد تحرير فلسطين والجهاد لأجلها ؟ [محمد شعبان صوان: متتالية الهزيمة: كيف نجحت سياسة الخطوة خطوة في تدجين الجماهير]

 

د/ خالد سعد النجار
[email protected]

 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية