اطبع هذه الصفحة


لا عليك ما فاتك من الدنيا (3)

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم


عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
( أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، وعفة مطعم )

حُسن الخلق

الخلق الحسن صفة سيد المرسلين، وأفضل أعمال الصديقين، وهو على التحقيق شطر الدين، وثمرة مجاهدة المتقين، ورياضة المتعبدين.
قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] .. قال ابن عباس: "لعلى دين عظيم، لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام".
فجعل -رضي الله عنه- الدين كله خلقا، فمن زاد عليك في الخلق، فقد زاد عليك في الدين.
وقال الحسن: "هو آداب القرآن".
وقالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "كان خلقه القرآن". (1)
وسُألت -رضي الله عنها- كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خلا مع نسائه؟ قالت: "كان أكرم الناس، وألين الناس، وأحسنهم خلقا، وكان رجلا من رجالكم، وكان بساما ضحاكا". (2)
وعن النواس بن سمعان الأنصاري -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البر والإثم؟ فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) (3)
فقابل -صلى الله عليه وسلم- البر بالإثم، وأخبر أن البر حسن الخلق، والإثم حواز الصدور، وهذا يدل على أن حسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ولهذا قابله بالإثم، وفي حديث آخر: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر) (4)
وقد فُسر حسن الخلق بأنه البر، فدل على أن حسن الخلق: طمأنينة النفس والقلب، والإثم حواز الصدور، وما حاك فيها، واسترابت به.
وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) (5)
فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة وهي: «حسن الخلق» ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله.

باقة عطرة

قال -صلى الله عليه وسلم-:
(إن الناس لم يعطوا شيئا خيرا من خلق حسن) (6) (أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقا) (7) (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) (8) (استقم وليحسن خلقك للناس) (9) ( عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فو الذي نفسي بيده ما تجمل الخلائق بمثلهما) (10) (أثقل شيء في ميزان المؤمن خلق حسن، إن الله يبغض الفاحش المتفحش البذي) (11) (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) (12) (إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة) (13) (ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) (14) (إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه وكرم ضريبته) (15) (ما عمل ابن آدم شيئا أفضل من الصلاة وصلاح ذات البين وخلق حسن) (16) (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدا؟ على كل هين لين قريب سهل) (17) (من كان سهلا هينا لينا حرمه الله على النار) (18) (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله ما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) (19) (خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أخلاقا) (20) ( صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار) (20)

أربعة دعائم

قال أهل العلم: حسن الخلق يقوم على أربعة دعائم: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.
الصبر: يحمل العبد على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة .. شتم رجل سلمان الفارسي -رضي الله عنه-، فقال له: "إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول، وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول". وشتم رجل الربيع بن خثيم، فقال له: "يا هذا، قد سمع الله كلامك، وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول، وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول". ويروى أن رجلا من قريش أغلظ القول لعمر بن عبد العزيز، فأطرق عمر زمانا طويلا ثم قال: "أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا".
قال معاوية -رضي الله عنه-: "لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم".
وقال الأحنف بن قيس: "وجدت الحلم أنصر لي من الرجال" .. وقال له رجل: علمني الحلم يا أبا بحر، فقال: "هو الذل يا ابن أخي، أتصبر عليه؟!" .. وكان -رحمه الله- يقول: "لست حليما، ولكنني أتحالم". (23)
ويقول: "من لم يصبر على كلمة، سمع كلمات، ورب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه". (24)
وقال: "ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم -رضي الله عنه- لأنه قتل ابن أخ له بعض بنيه فأتي بالقاتل مكتوفا يقاد إليه فقال: ذعرتم الفتى! ثم أقبل على الفتى فقال: بئس ما فعلت! نقصت عددك، وأوهنت عضدك، وأشمت عدوك، وأسأت بقومك، وأثمت بربك، وقطعت رحمك، ورميت نفسك بسهمك .. خلوا سبيله، واحملوا إلى أم المقتول ديته فإنها غريبة! ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه". (25)
العفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على الحياء، وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة .. عن سفيان بن دينار قال: "قلت لأبي بشير ـ وكان من أصحاب علي ـ أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا، قلت ولم ذاك قال لسلامة صدورهم". (26)
وجاء رجل فشكا للإمام أحمد جارا له، فقال: "إنك إن سببت الناس سبوك، وإن نافرتهم نافروك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن فررت منهم أدركوك، وإن جهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، كل زمام بسبعين ألف ملك". (27)
وعن العتبي عن أبيه قال: "أعيا ما يكون الكريم إذا سأل حاجة، وأعيا ما يكون الحليم إذا خاطب سفيها". (28)
الشجاعة: تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته .. عن ابن سيرين قال: "كانوا يرون حسن الخلق عونا على الدين". ( 29)
ورد صعصعة بن صوحان على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من البصرة، فسأله عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- وكان على خلافته بها، فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث، وتارك لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمور إذا خولف، تارك للمراء، وتارك لمقاربة اللئيم، وتارك لما يعتذر منه (30)
ويروى أنه كان بين عاصم بن عمر وبين رجل من قريش دور، فقال القرشي لعاصم: إن كنت رجلا فادخلها. فقال عاصم: أو قد بلغ بك الغضب هذا، هي لك. فقال القرشي: سبقتني بل هي لك، فتركاها لا يدخلها واحد منهما حتى هلكا ثم لم يعرض لها أولادهما.
وعن أبي الحسن بن عطاء قال: "أربعة من علامات الأولياء: يصون سره فيما بينه وبين الله عز وجل، ويحفظ جوارحه فيما بينه وبين أمر الله عز وجل، ويحتمل الأذى فيما بينه وبين الناس، ويداري مع الخلق على تفاوت عقولهم. (31)
العدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على الجود السخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة، وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس .. كان أبو حفص إذا غضب تكلم في حسن الخلق حتى يسكن غضبه ثم يرجع إلى حديثه (32)
وقال الهيثم بن جميل: "يبلغني عن الرجل يقع في فأذكر استغنائي عنه فيهون علي" (33)
وعن مطرف قال: قال لي مالك بن أنس: ما يقول الناس في؟ قلت: أما الصديق فيثني، وأما العدو فيقع. قال" ما يزال الناس كذا لهم عدو وصديق، ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها (34)
عن أم الدرداء -رضي الله عنها- قالت: "بات أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي، وهو يقول: (اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي) حتى أصبح. فقلت: يا أبا الدرداء، ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق؟ فقال: يا أم الدرداء، إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن الخلق الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، وإن العبد المسلم ليغفر له وهو نائم. قال: فقلت: كيف يا أبا الدرداء؟ قال: يقوم أخوه من الليل فيتهجد فيدعو الله عز وجل فيستجيب له، ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه. (35)
ودخل رجل على أبي الموجه، فقال: إني خارج من مرو، فلو وعظتني. فقال أبو الموجه:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل (36)

الهوامش والمصادر

(1) تفسير القرطبي ج8 ص 6896 (2) الزهد لهناد ج: 2 ص: 598 برقم 1269(3) رواه مسلم ـ كتاب البر والصلة والآداب برقم 4632 (4) رواه أحمد في مسنده ـ مسند الشاميين برقم 17320 (5) رواه أبو داود ـ كتاب الأدب برقم 4167(حسن) انظر حديث رقم: 1464 في صحيح الجامع. (6) رواه الطبراني في الكبير عن أسامة بن شريك(صحيح) انظر حديث رقم: 1977 في صحيح الجامع (7) رواه الطبراني في الكبير عن أسامة بن شريك (صحيح) انظر حديث رقم: 179 في صحيح الجامع (8) رواه أحمد والترمذي عن أبي ذر (حسن) انظر حديث رقم: 97 في صحيح الجامع (9) رواه الطبراني عن ابن عمرو (حسن) انظر حديث رقم: 951 في صحيح الجامع (10) مسند أبي يعلى عن أنس (حسن) انظر حديث رقم: 4048 في صحيح الجامع (11)رواه البيهقي في السنن عن أبي الدرداء. (صحيح) انظر حديث رقم: 135 في صحيح الجامع (12) رواه الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد (حسن) انظر حديث رقم: 1231 في صحيح الجامع (13) ‌رواه البزار عن أنس (صحيح) انظر حديث رقم: 1578 في صحيح الجامع (14)‌ رواه الترمذي عن أبي الدرداء. (صحيح) انظر حديث رقم: 5726 في صحيح الجامع (15) رواه أحمد والطبراني عن ابن عمرو (صحيح) انظر حديث رقم: 1949 في صحيح الجامع (16) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة (صحيح) انظر حديث رقم: 5645 في صحيح الجامع (17) رواه الطبراني عن ابن مسعود (صحيح) انظر حديث رقم: 2609 في صحيح الجامع (18) رواه الحاكم عن أبي هريرة (صحيح) انظر حديث رقم: 6484 في صحيح الجامع (19) رواه الترمذي عن جابر(حسن) انظر حديث رقم: 2201 في صحيح الجامع (20) رواه أحمد عن أبي هريرة (صحيح) انظر حديث رقم: 3262 في صحيح الجامع.‌ (21) رواه أحمد عن عائشة -رضي الله عنه- (صحيح) انظر حديث رقم: 3767 في صحيح الجامع (22) العقد الفريد 1/287 (23) عيون الأخبار 1/284 (24) وفيات الأعيان 2/188 (25) الزهد لهناد ج: 2 ص: 600 برقم 1275 (26) شعب الإيمان ج: 6 ص: 352 برقم 8478 (27) شعب الإيمان ج: 6 ص: 356 برقم 8504 (28) حلية الأولياء ج: 2 ص: 274 (29) شعب الإيمان ج6 ص 261 برقم 8483 (30) شعب الإيمان ج6 ص 261 برقم 8497 (31) صفوة الصفوة ج: 4 ص: 120 (32) شعب الإيمان ج6 ص 355 (33) شعب الإيمان ج6 ص 355 برقم 8496 (34) شعب الإيمان ج: 6 ص: 365 برقم 8545 (35) شعب الإيمان ج: 6 ص: 358 برقم 8506
 

د/ خالد سعد النجار
[email protected]

 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية