اطبع هذه الصفحة


يحيا النظام .. يعيش يعيش يعيش

د. خالد سعد النجار

 
بسم الله الرحمن الرحيم


أزمات نفسية تتابع ولا تكاد تنتهي، واكتئاب يخيم بظلاله السوداء على أفق النفوس والأحداث الجارية.
فنشرات الأخبار تنزف دماء عربية وإسلامية في مختلف الأصقاع، وأمم حازت سبق المجد في التاريخ تغلي مراجلها: سورية واليمن والعراق وليبيا وتونس ومصر .. ومستعمر الأمس عاد اليوم بخيله ورجله وصواريخه وطائراته ومدرعاته ومدمراته، يجرب كل هذا في قطيع الفئران العربية.
هل يصدق عقل أن:
اليمن السعيد يعاني من الكوليرا التي اجتثت جذورها في مجاهل أفريقيا منذ زمن!
وسوريا الشام سويت بالأرض بعدما كانت عامرة بالتراث وخيرة العاملين والمجاهدين.
والعراق صار فريسة للصفوية
وليبيا يؤرقها حفتر الإمارات
وتونس لم تحرك ساكنا
ومصر تتعثر في اقتصادها وماء نيلها وسجن شرفاءها وترهيب شعبها.
الشيعة يتمددون، والأكراد كعادتهم يقدمون رجالهم لمذابح الأمريكان تارة وللروس تارة، والسوريون ينزفون ويتشردون، والروهينجا يُعتصرون، واليمنيون محرومون.
الأطباء وخبراء إدارة الذات لا يكفون من التحذير عن المنغصات السلبية على مريض الاكتئاب، خاصة وإن كانت تلك المنغصات هي سبب المباشر لهذا الاكتئاب.
ماذا أفعل أو أقدم غير حرق الدم وتلف الأعصاب واعتلال المزاج.
لماذا لا أنفض يدي من هموم هذه الأمة، وأتوقف عن مشاهدة نشرات الأخبار، وقراءة كتب أدب المعتقلات، ومطالعة ساسة بوست ونون بوست وعربي بوست وسائر البوستات كلها .. وأكف عن التدوين في فيس بوك وتويتر.
لماذا أدفع ثمن أخطاء أنظمة شمولية مستبدة عميلة من دمي وأعصابي ونفسيتي، وأنا لا أقدر أن أدفع تكليف طعامي إلا بشق الأنفس.
لماذا لا أعيش مثل هؤلاء الذين يرون الأحوال بلون وردي. وأرى التردي الاقتصادي أزمة وستعبر، والانقلاب على الشرعية خشية استحواذ الإخوان على السلطة، وبشار يحارب الإرهابيين، وحفتر يحول دون اقتناص ليبيا، واليمن والصومال متعودتان على مثل هذه الارتباكات.
لماذا لا أطرح القضايا المصيرية جانبا بعدما طرحتنا وبطحتنا، وأشاهد أفلام شارلي شابلن والكاوبوي والأكشن وبرامج الطبخ ومن سيربح المليون، وأتنزه في الحدائق على ندرتها، وأتسكع في الطرقات على قذارتها، وأجلس على المقاهي على كثرتها ألعب الدومينو وأنفق أوقاتي في أحاديث السمر والفكاهة.
وإن نبح علي عصب الثقافة أقرأ روايات اجتماعية وكليلة ودمنة والشاطر حسن وميكي، وإن حن الحنين للشعر فلدي المعلقات السبع أو حتى أشعار بيرم التونسي، وإن تعطشت للشعارات فعندي: الفنان الأسطورة والفنانة اللولبية واللاعب المعجزة والموسيقار المبدع، فشعارات: حقوق الإنسان والانبطاح العربي والتضامن العربي والقومية العربية والمهلبية والملوخية .. شعارات ليس ورائها سوى صداع الرأس وفوران الدم.
تحيا السلطة .. تعيش تعيش تعيش
يعيش الرئيس المؤمن
يعيش الملك المفدى
يعيش القائد الملهم
يعيش الواحد المفرد
سأرقص أمام لجان الانتخابات، وسأطرح التأزم والأزمات، وأتقن فن التبريرات، وأسير مع ركب المؤيدين والمطبلين والمهللين والمصفقين والموافقين والدستوريين والمخبرين.
لكن أصدقكم سرا.
كيف لمخيلتي أن تتجاوز صورة اغتيال الطفل محمد الدرة في فلسطين، وعتاب الطفل عمران السوري للأنظمة العربية، ومشاهد إلقاء الفوسفور الأبيض الحارق على غزة، وأكداس ضحايا غاز السارين في سورية، وأشلاء الموتى في رابعة، ومجاعات اليمن والصومال، ومجازر الروهينجا، والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بمقعده، والسادات بغليونه، وعبد الناصر بميكروفونه، والملك حسين بطائرته الخاصة، وصدام حسين بسيجاره الكوبي الفاخر.
كيف أستسيغ ميلاد «وزارة الترفيه» في بلاد الحرمين التعيسة، وسجن العلماء، وترهيب الشرفاء واغتصاب العفيفات.
كيف أتجاوز القضية الفلسطينية، والخوف من زوار الفجر ومن ظلمة المعتقل ومن البوح حتى بامتعاضي واعتراضي.
كيف أقتل الإنسان بداخلي لكي أعيش وهما اسمه الإنسانية؟!!!.


د/ خالد سعد النجار
[email protected]

 

د.خالد النجار
  • تربية الأبناء
  • المقالات
  • بين زوجين
  • موسميات
  • مع المصطفى
  • تراجم وشخصيات
  • إدارة الذات
  • زهد ورقائق
  • مع الأحداث
  • قضايا معاصرة
  • القرآن الكريم وعلومه
  • التاريخ والحضارة
  • من بطون الكتب
  • الصفحة الرئيسية