صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







مقاصد الحج

 

محمد بن ابراهيم بن سعود السبر

  ​      

الحمد لله العليم القدير، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره وهو العزيز الغفور، وأشهد ألا إله إلا الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، السراج المنير، والبشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وصبحه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وزاد الصالحين، ونجاة من كربات يوم الدين، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

عباد الله، تحنُّ القلوبُ وتهفو النفوسُ في كلّ عامٍ في مثل هذه الأوقات إلى حجّ بيت الله العتيق، وتلبيةً لنداء الخليل إبراهيم -عليه السلام-، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. فجاءت وفود الحجيج صوب البيت العتيق من جميع أصقاع الأرض وهي تردد هتافاً واحداً، «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك».

والحجّ ركن من أعظم أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وقد جاء الحديث عن الحج في أكثر من موضع من كتاب الله العزيز، حيث وردَ ذِكر الحج في سور: البقرة، وآل عمران، والمائدة، والتوبة، والحج، وسورة الحج هي السورة الوحيد التي سميت باسم ركن من أركان الإسلام.

وقد فصّل القرآن الحديث عن أعمال الحج ما لم يفصل في غيره من العبادات، وهذا يدل على عناية الله بهذه العبادة العظيمة، والمتدبّر لحديث القرآن الكريم عن الحج يلمس عددًا من المقاصد والأسرار التي ينبغي أن يتوقف معها المسلم، ويضعها نصب عينيه؛ لأن فهم مقاصد العبادة وحِكمها يورث تعظيمها وحضور القلب عند القيام بها، وفي هذه الخطبة نلفت الانتباه إلى بعض مقاصد الحج، التي من أجلها وأعظمها تحقيق التوحيد، فالبيت بني لأجل تحقيق التوحيد، والنهي عن الشرك، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، وقال: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾، وتحقيق الإخلاص لله تعالى، الذي هو أعظم ثمرات التوحيد: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.

ومن مقاصد الحج إقامة ذكر الله تعالى؛ فالذكر من أعظم العبادات أجراً، وقد ربطت به كثير من العبادات، ومنها الحج، فربطه القرآن بمناسك الحج، حيث قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا

وقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾.

فالذِّكر هو رُوح الحج ولبُّه ومقصوده، كما قال النبي : «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله». رواه أبو داود والترمذي.

فمن اعتاد على ذكر الله في الطواف، وفي السعي، وعند رمي الجمار، وعند الوقوف بعرفة، وعند ذبح الهدي، وفي المشاهد جميعًا فلن يجفّ لسانه عن الذكر بعد الحج، لأنه ذاق حلاوة الذِّكْر وتعلّق قلبه بالمذكور سبحانه.

ومن مقاصد الحج تزكية النفس وتنقيتها من الأخلاق المذمومة؛ فقد نهى اللهُ -سبحانه- الحاج عن الفحش والسباب واللغو والجدال والمماراة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾. وقال : «مَنْ حَجَّ، فلَمْ يَرْفُثْ، وَلم يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدْتُهُ أُمُّهُ». متفق عليه. وذلك تعظيمًا لفريضة الحج، وليعتاد المسلم على الابتعاد عن مثل هذه الأخلاق المذمومة بعد الحج؛ لأنها مذمومة في كلّ زمان ومكان.

في الحج يبتعد المسلمون عن كل أسباب الخلاف والاختلاف استجابة للتوجيه الرباني ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.

في الحج يتعارف المسلمون بعضهم إلى بعض، ويتنافسون في التقوى، ويتسابقون إلى الخيرات؛ طلباً لمغفرة الله، وكسب رضوانه، ورغبة في دخول جناته.

ومن مقاصد الحج إبراز روح المساواة بين الناس، فتذوب الفوارق، وتنبذ الخلافات، وتتساوى الأجناس والأعراق، وتزول الفروق بين الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والحاكم والمحكوم، فالكل على صعيد واحد بلباس واحد، وسمت واحد، متجهين إلى إله واحد؛ طلباً للرحمة والمغفرة والرضوان، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، فقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

فالناس كلّهم أمة واحدة، سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، يلتقون في بيت الله والمشاعر إخوانًا متساوِين، متجردين من عصبية الجاهلية؛ ولذا أمر الله سبحانه بالانشغال بذكره تعالى عن التفاخر بالآباء والأجداد، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال الطبري في تفسيره (4/196): «قال بعضهم: كان القوم في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمرهم الله في الإسلام أن يكون ذكرهم بالثناء والشكر والتعظيم لربهم دون غيره، وأن يلزموا أنفسهم من الإكثار من ذكره، نظير ما كانوا ألزموا أنفسهم في جاهليتهم من ذكر آبائهم».

ومن مقاصد الحج الاستعداد للآخرة بخير الزاد؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. «أمر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد، ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى، فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يبلغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلّا بزاد من التقوى، فجمع بين الزادَين». إغاثة اللهفان (1/ 58).

في الحج تذكير لأولي الألباب بيوم القيامة ويوم الحشر، وأن الدنيا فانية، والعمر قصير مهما طال، وعليه يجب أن يزول الغرور ويعرف الإنسان قدره وحدوده.

ومن المقاصد العظيمة الحثّ على تعظيم شعائر الله سبحانه وفي الحديث عن الحج قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فشعائر الله هي أعلام دينه الظاهرة وأوامره ونواهيه التي تعبدنا بها، وتعظيم هذه الشعائر علامة على تقوى العبد وورعه، وهي مقصد عظيم من مقاصد الحج؛ فالمسلم عندما يعتاد على تعظيم شعائر الله في أعمال الحج؛ فإنّ ذلك يربي في نفسه تعظيم أوامر الله وتقواه في كلّ وقت.

ومن مقاصد الحج التربية على الدقّة والانضباط، وذلك يظهر من خلال تحديد المواقيت الزمانية والمكانية للحج، فالمواقيت الزمانية هي أشهُر الحج، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾. وهي عند جمهور العلماء: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج.

أما المكانية فهي الأماكن التي حددها الشارع للإحرام، فلا يتجاوزها بدون إحرام، والوقوف بعرفة له وقت، إذا تجاوزه الحاج بطل حجه، ولرمي الجمار وقت، وللإفاضة وقت وهكذا مناسك الحج بمثابة التدريب العملي للمسلم على النظام والدقة والانضباط في جميع أموره.

ومن مقاصد الحج تحقيق وحدة الأمة واجتماعها، وإحياء روح الأخوة الإيمانية، وهذه من أعظم المنافع التي يجنيها الحاج من موسم الحج، فاجتماع الأمة بهذه الأعداد الكبيرة مع اختلاف أشكالهم ولغاتهم على توحيد الله وعبادته يترك مردودًا نفسيًّا واجتماعيًّا كبيرًا في قلوب أهل الإيمان، ولذلك أمر الله الأمة بالاجتماع على دينه فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

ومن مقاصد الحج الموازنة بين المصالح الدنيوية والأخروية من محاسن الإسلام ومقاصده، وذلك يظهر جليًّا في عبادة الحج، حيث أبيح للحاجّ أن يجمع بين أداء المناسك وبين التجارة والتكسّب الطيب الحلال الذي لا يؤثر على مقصود الحج، ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال أيضًا: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾.

وبعد، عباد الله فهذه بعض المقاصد والأسرار حول هذه الفريضة العظيمة، بعضها ظاهر ومشاهد، وبعضها علمه عند الله سبحانه، فحري بالمسلم أن يتدبرها، وأن يظلّ متلبسًا بالعبودية الحقة سواء عرف الحكمة أم حُجِبَت عنه؛ لأنه يعبد إلهًا حكيمًا لا يأمر بشيء إلّا وفيه حكمة، ولا ينهى عن شيء إلّا بحكمة فإنه ربك حكيم عليم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ....

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وأدوا العبادات على مراد الله تعالى، واتباع أمره، واجتناب نهيه، فمناسك الحج تربي المسلم على الاتباع والامتثال وصدق التوجه والاستسلام لله، وفي دعاء خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل-عليهما السلام- ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.

هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد بن عبدالله امتثالاً لقول ربكم جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقوله ﷺ: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً »، اللهُم صل وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والشفيع المُشفع يوم المحشر، الذي شُق له القمر، وسلم عليه الحجر والشجر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن بقية العشرة وأصحاب الشجرة، وعن سائر أصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ‏‏اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لكل خير، واحفظ الحجاج والزوار والمعتمرين وردهم إلى ديارهم سالمين غانمين، اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ثبتنا على دينك وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، اللهم فرج همومنا، واقض ديوننا، واشف مرضانا، وارحم موتانا وموتى المسلمين يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
 
  • خطب دعوية
  • مقالات دعوية
  • تحقيقات وحوارات صحفية
  • الصفحة الرئيسية