صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



مراجعة لكتاب "صناعة التفكير اللغوي"

إبراهيم بن عمر السكران
@iosakran



-بيانات الكتاب:
مقبل علي الدعدي (محرر)، صناعة التفكير اللغوي، مركز تكوين للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى، 1435هـ، (223)صفحة.

الحمد لله وبعد،،

من الكتب الحديثة في معرض الكتاب الحالي 1435هـ هذا الكتاب بعنوان (صناعة التفكير اللغوي)، وهو كتاب مشترك، يتضمن خمس أوراق علمية، وقد حرره وقدم له مقبل بن علي الدعدي، المحاضر بجامعة أم القرى.

فأما المحور الأول في هذا الكتاب فهو عن التجديد، ويتضمن ثلاثة مباحث (التجديد النحوي) و (التجديد البلاغي) و (التجديد المعجمي).

وأول مبحث فيه وهو عن (التجديد النحوي) هو قراءة لأطروحات تجديد النحو الحديثة، وهو للباحث د.أحمد بن جار الله الزهراني، وهذا الباحث له أطروحة أكاديمية معروفة ومطبوعة بعنوان (إتجاهات تجديد النحو عند المحدثين: دراسة وتقويم)، وهذه الأطروحة المبدعة كنت قد قرأتها ونشرت عنها مراجعة موجزة على الشبكة في شعبان 1433هـ، وهذا البحث مستخلص من تجربة المؤلف في دراسة هذه الاتجاهات.

وقد قسم المؤلف الاتجاهات الحداثية لتجديد النحو لثلاث اتجاهات: الاتجاه الإحيائي، والاتجاه الألسني، والاتجاه التعليمي، وناقش أطروحاتها، فأما (الاتجاه الإحيائي) فقد حاول الانطلاق من بدائل داخل التراث للإطاحة بالنحو، ورموز هذا الاتجاه: إبراهيم مصطفى وعبد المتعال الصعيدي والمخزومي والجواري الخ وأما (الاتجاه الألسني) فهو يستبدل النحو العربي بمفاهيم اللسانيات الغربية، ومن رموزه: أنيس فريحة، وميشال زكريا، ومحي الدين حميدي، وعبدالقادر الفهري، وأحمد المتوكل وأما (الاتجاه التعليمي) فهو الذي ركز على قطاع التعليم وطرق التدريس، وبعضهم من مفتشي اللغة العربية، وركز على قضايا تصنيف العلم واستبعاد بعض الأبواب.

وقد كانت الآلية التي استعملها المؤلف في فحص الاتجاهات التجديدية بسيطة لكنها في غاية الفعالية والنجاعة، ومبهرة في ذات الوقت، وهي (تطبيق) هذه النظريات على تراكيب كلام العرب، واختبارها عملياً، وفي بعض التطبيقات على كلام العرب التي يختبر فيها المؤلف النظريات البديلة للنحو التراثي يظهر فعلا التهافت بشكل مثير للغرابة، وأكثر عيب يتكرر من خلال التطبيقات أن النظريات الحداثية البديلة للنحو العربي التراثي تجيب على "بعض" ظواهر لغة العرب، وتخفق في البقية.

وأعظم وأهم وأبدع نتيجة برهنها المؤلف هو أن كل الأطروحات البديلةلم تستطع تقديم نموذج تفسيري "شامل" لـتراكيب كلام العرب، كما قدمه النحو التراثي، وأما عيب البحث الأصل والمستخلص فهو (شح المادة التاريخية) مقابل إسهاب التحليل الموضوعي، فلم يستفض المؤلف في تصوير المذاهب الحديثة محل النقد، وباقتباسات وافية من أصحابها.

وأما المبحث الثاني في هذا المحور فهو بعنوان (التجديد البلاغي)، وهي ورقة للأستاذ الدكتور صالح بن سعيد الزهراني، وأعاد فيه الأطروحة الحداثية الشائعة والمكررة وهي أن تقعيد البلاغة العربية لبعض الظواهر الجمالية يكبح الإبداع، ويعكّر على هذه الأطروحة أنها فكرة غير مبرهنة، بل الذي يلاحظه المتابع الموضوعي هو عكس هذه الأطروحة تماماً، ذلك أنه "واقعياً" مازال التنظير البلاغي قائماً منذ الجرجاني إلى محمد محمد أبو موسى، وهكذا الإبداع الشعري يتطور وينمو ويغتني منذ امرؤ القيس إلى البردّوني، وهكذا النثر استمر يتطور إلى حقبة الرافعي ومحمود شاكر والطنطاوي، فلماذا لم تقم البلاغة العربية بلجم هؤلاء؟، وأما "نظرياً" فهذه التقعيدات والتنظيرات البلاغية تفتح عيون المبدع لاستيعاب الظواهر لجمالية في النصوص بعمق، بدلاً من أن تكون ظواهر جمالية عائمة غير منظّرة، ومن أمثلة ذلك أننا نرى المفسر الخبير بالقواعد البلاغية -كابن عاشور مثلاً- مذهلاً في التقاط الظواهر الجمالية في النص القرآني، بخلاف المفسر غير المستوعب لهذه القواعد، بل ربما يجيش صدره من جماليات الآية وينعقد لسانه عن التعبير عن ذلك لفقده الآلة البلاغية، وعلى أية حال فإن (التقعيد) و (سبك المصطلحات) أكسجين العلوم، وهو الذي يحول الظواهر المدروسة من سلوكات عائمة إلى وعي ناطق، فكيف يقال أن التقعيد البلاغي يكبح الإبداع؟

ثم إن نقد (المعيَرة) يلزم عليه إشكال آخر، إذ يقودنا إلى سؤال: هل الجمال لا معايير له البتة؟ فإن كان لا معايير له مطلقاً آل بنا الأمر إلى عدمية مفرطة، وإن كان له معايير رجع بنا الأمر إلى صحة تعيير وتقييس وتقعيد البلاغيين لبعض الظواهر لجمالية.

ويناقش الباحث في ورقته الرافضين لأصل فكرة التجديد البلاغي وقبول ما لدى الغير، ويبدو لي أن هذا قريب من فكرة رجل القش، وأظنه خروج عن محل النزاع، فليست المشكلة في قبول الأفكار المبدعة التي ثبت فعاليتها، فحياتنا مليئة بمثل ذلك في كل الحقول بلا استثناء، ولكن المشكلة التي أرى من الجيّد أن يناقشها الباحث هي كثرة أطروحات التجديد دون برهنة، وكثرة نقد القديم دون برهنة، وكأن القدم بحد ذاته دليل بطلان، والجدّة بحد ذاتها دليل صواب، فهذا في نظري تفكير غير موضوعي بدأ ينتشر لدى بعض دارسي العلوم التراثية، وهذا كمن يقول إن الحرية قيمة زائفة لأنها فكرة قديمة، والتأميم فكرة صحيحة لأنها معاصرة.

وقارن المؤلف البلاغة العربية باللسانيات وهي مقارنة شائعة لدى بعض المعاصرين، وقارن أيضاً بفكرة البنيوية التي تعزل النص عن المبدع والمتلقي (ص62)، وهذه المقارنة فيها إشكالان، الإشكال الأول عدم تلاقي أساس المقارنة، فاللسانيات إطار عام يدرس التركيب (سينتاكس) والنحو (جرامر) والصوتيات (الفونيتيك) والدلالة (سيمانتيك) ونحوها، وثمة تخصصات فرعية داخها ما زالت تتشعب كاللسانيات الاجتماعية واللسانيات العصبية واللسانيات الحاسوبية وهذه اللسانيات التطبيقية من أكثرها نشاطاً اليوم، وهي متصلة بظاهرة العلوم البينية التي تنشأ بين حقلين، وأما (علم البلاغة العربية) فهو يدرس الجماليات اللفظية والمعنوية، ولذلك ففي تقديري أن المقارنة بين البلاغة واللسانيات مقارنة بين حقلين مختلفين، بل حتى أسلوبية "بالي" التي يحاول البعض ربطها بالبلاغة وبفن القول للخولي فالواقع أنها دائرة بحثية تتجاوز الجمالي، وهذه المقارنة بين البلاغة واللسانيات -في نظري- مثل من يقارن ويقول أن (الكيمياء علم متخلف لأنه يدرس خواص العناصر وليس مثل الفيزياء التي تدرس الحركة، ولذلك يجب تطوير الكيمياء لتدرس الحركة والطاقة ونحوها) فهذا في الواقع ليس تجديداً للعلم بل هو خروج بهويته إلى هوية أخرى.

وأما مقارنة الباحث بالبنيوية ففيها إشكال من جهة أن البنيوية اليوم لا تعبر عن الحداثة النقدية واللسانية، فقد مر النقد بعدها بموجة التفكيكية، ثم هيمن على اللسانيات التداولية (Pragmatics) التي تتجاوز ثلاثية (المبدع-النص-المتلقي) وتمنح الأولوية للسياق.

وليس المقصود بهذه المناقشة منع النقد داخل العلوم التراثية، وإنما المقصود المطالبة بالبرهان والإصرار على عرض الدليل في النقد، وحتى لا يكون الكلام تجريدياً، فمن الأمثلة على النقد المبرهن المدلل النقد الذي كتبه د.عبد لمحسن العسكر بعنوان (إصلاح الإيضاح: استدراكات ومناقشات لمسائل مختلفة في كتاب الإيضاح للخطيب القزويني) وفيه (55) مسألة انتقد فيها المؤلف كتاب الإيضاح وهو أشهر كتاب في البلاغة العربية، وبغض النظر عن مدى الاتفاق والمخالفة في الترجيحات الداخلية للمؤلف، لكن المنهج منهج صحيح، وهو منهج النقد المبرهن المدلل.

وأما المبحث الثالث في هذا المحور فهو بعنوان (التجديد المعجمي) وهي ورقة للدكتور عبد الله المسملي، وتحدث فيها عن التطورات المعاصرة التي تفرض التجديد في محتوى وشكل المعاجم العربية، وحدد الباحث "الثوابت المعجمية" التي ينبغي على المجدد في المعجم مراعاتها، وهي عند الباحث خمس ثوابت: عدم هجر لفظ عربي ورد في نص صحيح، وضبط الألفاظ طبقاً لما نطقت به العرب، والفصل بين الأصيل والأعجمي والمولد والعامي والدخيل، والاعتماد في الترتيب على الجذر اللغوي لا الواقعية اللفظية، وعدم تتبع المعاني المجازية.

ومن صور التجديد في "مادة" المعجم تتبع الاشتقاقات الجديدة الموافقة للقياس، والألفاظ المعربة، وأسماء المخترعات، والتطور الدلالي للفظة، وأما التجديد في "ترتيب" مادة المعجم فينبغي فيه مراعاة تقديم ما حقه التقديم، مثل تقديم المعنى الشائع على الأقل شهرة، وتقديم الأفعال على الأسماء، ونحو ذلك، وأشار الباحث إلى ضرورة تطوير المعاجم في إخراجها الفني باستثمار التقنيات الحاسوبية والطباعية المعاصرة.

وختم الباحث ورقته بالحاجة إلى المعاجم المتخصصة، كالمعاجم المدرسية التي تناسب كل مرحلة عمرية، والمعجم الناطق التفاعلي الذي ينطق اللفظ العربي بصورة فصيحة، ونحوها.

وبعد انتهاء المحور الأول المخصص للتجديد اللغوي، انتقل الكتاب إلى المحور الثاني الذي هو بعنوان (صناعة الاستدلال اللغوي) وهو بقلم شيخنا العالم أبي مالك وائل العوضي، ومبنى هذه الورقة على ذكر الأدلة المستعملة في علوم اللغة، والأخطاء التي تقع في استعمالها، ومناقشة الاعتراضات الواردة علها، فمن الأدلة التي تعرض لها الباحث: السماع والقياس والإجماع والقراءات القرآنية والحديث النبوي وفائت المعاجم والاستقراء، وناقش في ثنايا ذلك إشكاليات ومسائل كثيرة ومنها: دور الكفاءة العلمية العميقة في صحة الاستدلال اللغوي، ودور قلة الخبرة بالعلم في التعثر بالغلط في الاستدلال اللغوي، وهي قضية أولاها الباحث أهمية قصوى ونهائية، وسماها (الأهلية) واستمرت حاضرة طوال البحث، ويكاد الباحث أن يرجع إليها عامة ما يناقشه من الغلط الاستدلالي.

ومن المباحث الطريفة في هذه الورقة أن المؤلف حين يعرض أسس دليلية الدليل اللغوي، يعرض خلال ذلك مناقشات عقلية لإثبات صحة دليلية هذا الدليل المعين، فينتقل بالقارئ من البدهيات إلى أن يوقفه على صحة الدليل المعين ومنطقيته، كما أجاب الباحث على سؤال: كيف يعظم علماء اللغة والنحو السماع والنصوص ويحتجون أحياناً بشاهد واحد، بينما نراهم في موضع آخر يغلّطون الشاعر العربي المحتج بشعره؟ حيث يرى الباحث أنه لا تناقض هنا، لأن النصوص التي يعظمها اللغويون والنحويون هي الشائعة المطردة، أما احتجاجهم أحياناً بالشاهد الواحد فهو موضع اضطرار لقلة المنقول مع اعتبار القرائن في الاحتجاج به.

كما نبّه الباحث إلى بعض الاصطلاحات التي تتداخل مع موضوع التغليط وهي مصطلح (التوهم) وأحال فيه لكتاب د.محمد الغامدي (التوهم في آثار الدارسين). وأما مسألة تحديد القبائل وتحديد الزمان الذي يقف عنده الاحتجاج فيرى أنه مسألة تقريبية، وانتقد الباحث الاحتجاج أحياناً بقول المجامع اللغوية وأن قولها ليس إجماعاً لغوياً بل هو للاستئناس، وأما الجدل الدائر حول إنكار بعض النحاة لقراءة قرآنية فحمله المؤلف على "عدم العلم بالثبوت" وقاسه على تصرفات مماثلة في العلوم الشرعية الأخرى، لمفسرين وفقهاء، وأثنى الباحث في مسألة توجيه القراءات على كتابي د.سليمان خاطر عن "التوجيه النحوي" و "منهج سيبيويه".

وأما لماذا يحتج النحويون ببيت الشعر وفي القرآن ما يشهد للقاعدة؟ فيفسر الباحث ذلك بأن النحويين أرادوا الاحتجاج للقرآن وأنه موافق لكلام العرب، ولا يصح الاحتجاج للشيء بنفسه، ويظهر ذلك في سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس، إذ يأتي ابن عباس بشواهد عربية تعزز الاستعمال القرآني.

واستعمل الباحث في بيان معقولية تصرفات النحويين مع المرويات العربية، القياس على تعامل المحدثين مه المرويات النبوية، في مسألة الترجيح حال الاختلاف والانتقاء من مرويات الراوي المعين بقبول بعضها ورد بعضها الآخر، وكان هذا قياساً ذكياً ومقنعاً.

وفي مسألة الاحتجاج بالحديث النبوي يرجح الباحث أن مدار الأمر كله على ثبوت اللفظ وإشكالية الرواية بالمعنى ونوّه بمعالجة الشيخ محمد الخضر حسين لهذه المسألة في كتابه "القياس في اللغة"، وفي حجية نقل العلماء للغات يرتب الباحث موثوقية المعاجم كالتالي: أعلاها تهذيب الأزهري، ويليه كتب ابن فارس والمحكم لابن سيده، ويليه الصحاح للجوهري، ويليه أساس البلاغة للزمخشري. وأما محيط ابن عباد والتكملة للخارزنجي ونوادر اللحياني فالباحث يراها مظنة اللغات الضعيفة.

وهل الإجماع اللغوي حجة؟ بعد مناقشة الباحث للاتجاهات والاعتراضات خلص إلى أنه: إن كان الإجماع اللغوي راجعاً لمسائل الشرع فحجة، وإلا فلا يلزم، ويبدو لي أن هذا الضابط فيه إشكال لأنه تداخل بين الحجية الشرعية والحجية اللغوية/الصناعية.

ورصد الباحث العمليات الذهنية التي يمر بها عقل العالم اللغوي في صناعة القاعدة اللغوية وتطبيقها، ويراها الباحث ست مراحل ذهنية وهي عنده (الملاحظة، التوجيه، التماس الأمثلة، التبويب، التقعيد، الإلحاق).

ومما تعرض له شيخنا أبو مالك ظاهرة توفر المصادر اليوم عبر وسائل التقنية بشكل يستوي في الوصول إليها العالم والجاهل والمتبحر والمبتدئ، ومع ذلك فنتائج البحوث وعمقها يتفاوت، فما السبب؟ يقول شيخنا (لأن الإشكال ليس فقط في توفر الأدوات، وإنما في المقدرة على استعمالها استعمالاً صحيحاً، فليس كل من وجد فرساً كان فارساً، ولا كل من وجد قلماً كان أديباً) وهذه الملاحظة تقوض الفكرة الجاهزة الشائعة التي يرددها البعض قائلاً بأن "توفر المصادر ينهي مرجعية المتخصص" أو من يقول "لا حاجة لسؤال متخصص، غوغل يوفر جواب أية سؤال"، ونحو هذه الشعارات المعلبة.

والحقيقة أن الباحث في ورقته ركّز تركيزاً ظاهراً على "جواب الاعتراضات" على صنيع العلماء في تقعيدهم وتقريرهم في اللغة والنحو، ولذلك ظهرت في الورقة روح المساجلة، بل والتحدي أحياناً، كقول الباحث مرة (وليس من الصعب ذكر أمثلة تحيّر هذا الشخص وتحمله على الإقرار..)، أو تكرار الباحث القول عن الاعتراضات "الجواب سهل"، ونحو ذلك، وهذا يكشف جلياً للقارئ أن هذه الورقة ليست معلومات حديثة العهد بالمؤلف، بل هي حصيلة خبرة طويلة من التأمل والمناقشات مع أصحاب التخصص وفحص الإجابات على ضوء المطولات.

ولمست من خلال المناقشات في هذه الورقة أن المؤلف يستحضر شريحتين ويساجلهما، وهما الشريحة المنتسبة للعلم التي تتهاون في تغليط العلماء المتقدمين من كهول الفن، والشريحة الثانية الباحثون الأكاديميون المعاصرون الذين يحاولون حمل النصوص اللغوية التراثية لتوافق النظريات الألسنية الحديثة أو لتوافق التيسير اللغوي، ويكون في تفسيراتهم هذه شيء من التعسف والتكلف ترده استعمالات وتطبيقات هؤلاء العلماء في مواضع أخرى.

ولدى الشيخ أبي مالك قاعدة في "التفكير العلمي" شديدة الظهور في حراكه المعرفي، وهي التي يمكن تسميتها "قرينة ضعف تغليط الكبار في المسائل الظاهرة"، وقد عبّر عنها المؤلف مرةّ بقوله ص 176 (لا ينبغي التسرع في حمل كلام العلماء على غلط واضح لا يقع فيه صغار الطلبة) وقال في موضع آخر ص123(فإن ذلك لا يظن ببعض الحمقى، فضلاً عن أمثال هؤلاء العلماء) وهكذا يستعمل شيخنا أبو مالك هذه القرينة في التشكك والتريث في قبول أي تغليط لعالم كبير إذا كان في مسألة ظاهرة لا تغيب عن المبتدئ.

وهذا المبدأ الذي يسير عليه أبو مالك في تفكيره العلمي في مسائل العلوم وجدت نصاً لابن تيمية يؤكده، حيث قال ابن تيمية مرة:

(والأشبه - والله أعلم - أنه لم ينقل قولهم على وجهه، فإن هؤلاء أعقل من أن يقولوا ذلك..، وفي الجملة فهؤلاء من أذكياء الناس وأحدهم أذهاناً، وإذا ضلوا في مسألة لم يلزم أن يضلوا في الأمور الظاهرة التي لا تخفى على الصبيان..، فمن حكى عن مثل أرسطو أو جالينوس أو غيرهما قولاً في الطبيعيات ظاهر البطلان، علم أنه غلط في النقل عليه، وإن لم يكن تعمد الكذب عليه، بل محمد بن زكريا الرازي مع إلحاده في الإلهيات والنبوات..، فالرجل من أعلم الناس بالطب حتى قيل له "جالينوس الإسلام" فمن ذكر عنه في الطب قولاً يظهر فساده لمبتدئ الأطباء؛ كان غالطا عليه)[منهاج السنة:2/570-572]

فانظر كيف يعتبر ابن تيمية أن القول الظاهر البطلان إذا نسب لعالم في نفس تخصصه حُمِل على أنه غلط في النقل عليه، فهذه قرينة في تاريخ المعرفة يعمل بها أبو العباس، ومما له صلة بذلك قول ابن تيمية أيضاً (ومن أعظم التقصير نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه)[الفتاوى:31/114].

والحقيقة أنني استفدت من هذه الورقة العوضية، وفيها (إجابات على إيرادات) أجزم أنها لا توجد في أي كتاب آخر، بل هي من خبرة المؤلف الطويلة في المناقشة والمدارسة والمباحثة في مسائل اللغة، ومضاهاة ذلك بنصوص المطولات اللغوية، والنقص الوحيد في هذه الورقة –في نظري- هو ارتباك ترتيب المادة، فكأن فيها شيئاً من التكرار سببه فيما يبدو دمج أبحاث في أخرى وضيق الوقت عن التحرير.

وأما المحور الأخير في هذا الكتاب فهو بعنوان (صناعة البحث اللغوي) وهو للأستاذ الدكتور سليمان العايد، وهو عن واقع الرسائل الأكاديمية في أقسام اللغة العربية في الجامعات المحلية، وأشار فيه إلى أنه يغلب على الرسائل الأكاديمية أنها "تصنيف" لا "بحث"، إذ تقوم على جمع المتفرق وتفريق المجتمع، وذكر أن المنصوص في لوائح الدراسات العليا أن تكون رسالة الماجستير قائمة على (الأصالة) بينما رسالة الدكتوراه قائمة على (الابتكار) وذكر أن أكثر طلاب الدراسات العليا لا يفرّق بين المصطلحين ويظنهما لوناً من الترادف، كما نبّه إلى أن من أهم عوامل الضعف مشكلة (المجاراة) فيضطر الباحث في الدراسات العليا إلى مجاملة الواقع القائم والمعايير غير المصرح بها مثل اعتبار ضخامة عدد صفحات الرسالة دليلاً على وزنها العلمي فصار الطلاب يتنافسون في التزيد في الحواشي والتقاسيم والحشو اللفظي.

والله أعلم،،

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
أبو عمر
ربيع الثاني 1435هـ

 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
إبراهيم السكران
  • كتب ورسائل
  • مقالات
  • مراجعة كتب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية