اطبع هذه الصفحة


تلك المهاجرة
(١)

د.محمد السيد

 
قد يهاجر الإنسان بقرار يتخذه وهو سعيد به .
لكن قد تكون هجرته أمراً لا مفر منه، قد تكون فراراً من واقع الدمار والخراب الذي حل وغيَّر الأرض والذكريات وتلك الحكايات الجميلة . تلك هجرة تترك فيها حنين مولدك ، وأرضك التي تقربك من أنفاس أحبابك الراحلين .
تخرج منها بلغة الدموع بين القلب والعين
"قلب يتذكر وعين تدمع"
دمعة حارة وهي ترى المسافات تبعدها عن تربة أحبابها .
دمعة تسيل خوفا من ذلك المجهول الذي ستصل إليه وهي لا تعلم ما سيكون !!!!
ودمعة ذكرى لمن كان يمسح تلك الوجع بيديه "أبي الذي فقدنا كل شي بعده . صوته،طيفه،حنانه،أنامله،أنفاسه ،قبلته .

....والان أخطو إلى المجهول بعيداً حتى عن قبره. وذكريات بيتنا حيث رسمنا كل ذكرياتنا
في ساحته ، وحديقته الصغيرة ، وغرفتي الجميله، وصوت عصفوري الذي هاجر كما هاجرتُ دون أن نتبادل أي مراسم للوداع ..إنه وداع الحروب!
نعم وداع الحروب نعيشة بكل أحداثه وكأنه برزخ جديد يجب أن نهاجر إليه بعد فقد كل ما فقدناه .
لكن لا!!!
أستغفر الله .
ترك الله معي الدنيا الحق ، وأنعم علي برفيقتي لأي حياة وإن كانت قاسية . رفيقتي.. بل أنا رفيقتها . بل هي إنقاذي وحمايتي ودرعي عن القتل والتعذيب ... هي زادي ومتاعي وأمني واطمئناني وبقية حياتي وذاكرتي...ومهدي .. وبدايتي بعد الله .
إنها أمي...اه يا أمي . فأنا لم أعرف أنك تهبين حياتك رخيصة لأجلي إلا في طريق هجرتي .
طريق شاق محفوف بالمخاطر
نسير ساعات على أقدامنا
لكن الهروب عند أمي كان فرحة لأنه ميلاد لي . وأمنٌ من كل خطر .
كنتُ أتمزق وأنا أفارق تربتي وأبي وأعلم أن أمي تتمزق أضعافي لكنها تحفظني عن الخطر لتكرم أبي وترعى ما زرع .
سلكنا رحلة الموت وكانت فيه المشقة موتاً بعد موت وكان سقم أمي أشد من الموت ، لكن عزمها كان مكوكنا للفضاء الجديد .

وصلنا إلى مخيم في الأردن وصرفت لنا خيمة ...
وهنا شعرنا بالفقد لكل شي ..
لم أستطع أن أتكلم مع أمي إلا بالدموع ..
أصبحنا أنا وهي لاجئات بكل ماتحمله الكلمة الخاليه من الوطن .
لكن أمي كانت مختلفة تماما وكأنها خططت لمشروعها قبل أن تستلم خيمتها...إنه ( أنا ) ابنتها وتميزها وقيمها ..فكان التعليم هو حديثها والقيم هي حكايتها ..
لكن الواقع والمناخ لا تبشرها بذلك.
ورغم ذلك آمنتُ بمشروع أمي وعلمتُ أنه لاسبيل لتبديل واقعي وواقعها إلا بالعلم وبالهدف الطموح .
خرجنا من المخيم وسكنّا في غرفة واحدة في عمّان وكانت تعيش معنا أسرة بأطفالها ..ولكم أن تتخيلوا كل تفاصيل مثل هذه الحياة.!
التحقتُ بالثانوية وشعرت أنني قادرة على التميز والنجاح رغم الفقد .
أما غرفتنا المشتركة لن تجعل الطالبة تنام وقت نومها أو تدرس وقت دراستها...أكثر شيء أفتخر به وأمتنُّ عبره لأمي هو كفاحها لأجل درسي.
كانت أمي تأخذني أدرس في أي ظل لأي بيت قريب منّا كل يوم وحتى غياب الشمس...آه لو رأيتم أمي كيف ترعاني في ذلك الظل فيستحيل مع حبها إلى أجمل حدائق العالم يستحيل بابتسامتها وتحفيزها لمستقبل جميل...
وهاهو المستقبل البعيد بات قريباً بعد أن أوصلنا الله لمجمع نموذجي يرعى الأسر اليتيمة بكل كرامة...فبعد أن تم قبولنا وتسكيننا في شقة واسعة مفروشة وجميلة أنا وأمي شعرنا بجنة الدنيا تفتح أبوابها وأن الله أذِنَ بسعادتنا من جديد ..
فبرامج المجمع ، والأسر الساكنة فيه والحياة الاجتماعية المفرحة الطموحة التراحمية فيه لهي العوض من الله وهي السعادة بعد الشقاء شعرنا اننا وصلنا لسعاده تُنسى معها كل الآلم والأتعاب .
حفظتُ القرآن.. والتحقتُ بمشروع (أكسجين ) الحياة (المكتبة) فكانت هي مشروع ثقافتي وطموحى واتساع إدراكي واكتشاف نفسي .
تخرجتُ من الثانوية بتميز .
والحمدلله قُبلتُ في المجال الذي كنتُ أطمح إليه (كلية الصيدلة ) ودخلت الجامعة والفرحة تخلق لي ولأمي عمراً جديداً يعيد النور لقلب أمي صانعة إنجازي .
اليوم !!! المهاجرة أصبحت في الجامعة في كلية الصيدلة وتقديرها بعد سنه ونصف من الدراسة ( ممتاز ) وأصبح اسم تلك المهاجرة اليتيمه في لوحة الشرف في جامعتها
سماني أبي علياء..فأصبح ذلك الاسم هو ملهمي .
ليتك يا ابي ترى علياء واسمها اليوم
في لوحة الشرف (علياء)
وفي قيمها (علياء)
وهي اليوم شاعرة لكن شعر (علياء)
الفرحة لن تفارقني لأنني أسعى لأن تكون المهاجرة أعظم سفيرة لأمها المانحة وأعظم أثر لأبيها الراحل .
لقد هاجرت لفرحتي !!
 

من واقع الميدان
د محمد السيد
١/رجب/١٤٤٠

 

د.محمد السيدة
  • مقالات
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية