صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







دور الأمة ومكانتها في بناء النظام السياسي

محمد بن شاكر الشريف

 
 الجزء الأول

الأمة تعني الجماعة ، والجماعة إنما تكتسب قوتها ومكانتها لا من حيث العدد فحسب ، ولكن من حيث الترابط الذي يربط بين آحادها ، فالعدد المجموع الذي لا يربط بينه رابط لا يستحق لفظ" الأمة" وإن كثرت أعداده، وأقوى رابط يربط بين الناس من المنظور الشرعي هو الدين، ولذا فإن المسلمين أمة واحدة وإن اختلفت أعراقهم أو أجناسهم أو لغاتهم أو أوطانهم، فالأمة الإسلامية لها بذلك اتساع عرقي ولغوي وجغرافي فسيح تتباين فيها المستويات الإيمانية، والقيادية والعلمية والفكرية والإنتاجية، وقد زكى الله تعالى هذه الأمة وأثنى عليها وعدِّلها وبيِّن مكانتها فقال في كتابه "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..." و قال النبي  صلى الله عليه وسلم  في تفسيرها " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله عز وجل "(1) فكانت هذه الأمة خير أمة خلقها الله تعالى وقد بينت الآية شرط ذلك، وهو إيمانها بالله وقيامها بما أوجب عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قرأ عمر رضي الله عنه تلك الآية ثم قال :"يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها"(2) وقد أحل الله تعالى هذه الأمة المكانة العالية حين جعلها تتبوأ منصب الشهادة على الأمم، وهي المكانة التي لا يرقى إليها إلا الصادقون العدول القوامون بالحق والعدل فقال تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" والوسط: العدل، وهو خيار الشيء وأفضله، وكذلك جاء قوله  صلى الله عليه وسلم  في حق هذه الأمة عندما قال مخاطبًا أصحابه " أنتم شهداء الله في الأرض "(3)، وكررها ثلاث مرات، ويتبين مما تقدم أمران :
أ- مكانة هذه الأمة وفضلها وشرفها وعلوها .
ب- مسوغات ذلك وهو الإيمان والعمل الصالح والقيام بحق الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمة يتحقق فيها ما تقدم، لا تكون أمة مهملة لا قيمة لها، ليس لها من أمرها شيء بل تقاد رغمًا عنها أو بغير اختيارها، أو أنها تختزل كلها في شخص واحد، أو عدة أشخاص، وما تقدم من الأدلة يكفي في الدلالة على دور الأمة في التشريعات العامة (التعاونية) التي لا يتوجه الطلب فيها إلى أعيان الأشخاص، وإنما يتوجه الطلب فيها إلى الأمة في مجموعها والتي يُحتاج في تنفيذها إلى التعاون على البر والتقوى، والتي منها بناء النظام السياسي .

أدلة اعتبار الأمة في النظام السياسي : هناك عدة من الأدلة تبين مكانة الأمة المتأصلة في بناء النظام السياسي الإسلامي فمن ذلك:
1- يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر
لما أعلم الله نبيه محمدا  صلى الله عليه وسلم  بدنو أجله وقرب قبضه، أراد الرسول  صلى الله عليه وسلم  انطلاقًا مما وصفه الله به "بالمؤمنين رءوف رحيم"، أن يحتاط لما يمكن أن يحدث من اختلاف بعده في عقد الخلافة لمن يستحقها، فإن هذا المنصب العالي قد تتشوف بعض النفوس إلى الوصول إليه، ولو بارتقاء المراقي الصعبة التي تعرض جماعة المسلمين للخطر، فأراد الرسول  صلى الله عليه وسلم  أن يقطع ذلك، باختيار رجل ممن يصلح لهذا الشأن يقوم بالأمر بعده، وكان من المفهوم جدًا أن تتوجه إرادة الرسول  صلى الله عليه وسلم  إلى اختيار أبي بكر رضي الله عنه الذي جمع من الفضائل ما لا يدانيه فيها أحد من الصحابة، فعزم الرسول  صلى الله عليه وسلم  أن يعهد إليه، ثم لما تبين له أن ذلك كائن شرعا وقدرا: قدرا بأن ذلك سوف يقع، وشرعًا بأن أبا بكر حائز على أعلى درجات الاستحقاق لهذا المنصب، وأن المسلمين يختارونه لذلك، تراجع عن عزمه، وقد بين الرسول  صلى الله عليه وسلم  السبب في تراجعه، كما يظهر ذلك فيما روته السيدة عائشة رضي الله عنها حيث تروي أن الرسول  صلى الله عليه وسلم  قال –في المرض الذي توفي فيه- "... لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون "(1) وفي رواية " قال لي رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في مرضه ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر "(2)
قال ابن حجر :" قوله فأعهد: أي أعين القائم بالأمر بعدي ، هذا هو الذي فهمه البخاري فترجم به (يعني بذلك ترجمة البخاري على الحديث بقوله باب الاستخلاف) ثم ذكر ابن حجر عدة روايات تشهد لصحة ترجمة البخاري ثم قال "فهذا يرشد إلى أن المراد الخلافة "(3)
فدفع الله وإباؤه هو ما يقدره من القدر من كون الخلافة لأبي بكر ، ودفع المؤمنين وإباؤهم هو في عقدهم الخلافة لأبي بكر دون غيره وعدم قبول أحد لها بخلافه ، فقوله  صلى الله عليه وسلم  "يأبى المؤمنون " يبين مدخل الأمة في الاختيار، وأن هذا الأمر منوط بها ، وأن لها أن تأبى تولية من لا تريد توليته، ممن لا يستحق أو ممن يكون هناك من هو أولى منه ، كما أن عليها أن تولي من يستحق ، أو من يكون أكثر استحقاقًا ، وفي هذا الدليل على أن الأمة هي التي تعقد الخلافة لمن تعقدها له، وهي التي تأبى أن تعقدها لمن لا تعقدها له، ولو لم يمكن لها ذلك لما كان لقوله  صلى الله عليه وسلم  "يأبى المؤمنون" تأثير في الموقف ، فعلم من ذلك أن الأمر من الناحية الشرعية راجع للمسلمين أي للأمة ، وقد كان بالإمكان أن يقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم  على قوله"ويأبى الله"وما قدره الله فهو واقع لا محالة ، ولكنه أضاف "والمؤمنون " أي ويأبى المؤمنون للدلالة البينة على مكانة الأمة ودورها في ذلك ، وللدلالة على أن القدر لابد له من شرع يحققه ، وأنه لا ينبغي الاتكال على القدر وترك العمل المشروع الذي به يتحقق القدر، إذ القدر والشرع متوافقان ولا يتعارضان .

2- لا يعطيناها الناس
في المرض الذي توفي فيه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال العباس عم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لعلي بن أبي طالب اذهب بنا إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فلنسأله فيمن هذا الأمر إن كان فينا علمنا ذلك ، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا ، فقال علي : إنا والله لئن سألناها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده ، وإني لا أسألها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  "(4) أراد العباس رضي الله عنه أن يعلم "فيمن هذا الأمر " أي الخلافة فكان منه قوله الذي تقدم، وكان من جواب علي رضي الله عنه "لايعطيناها الناس بعده" دليل ذلك على مكانة الأمة في الاختيار وأنها تملك المنع ، فإذا منعت أحدًا عن تولي الأمر فليس له أن يتولى، ومن يملك المنع يملك الإعطاء.

3- البيعة بمشورة من المسلمين
يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لابن عباس رضي الله عنهما: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم (عمر) فقال:يا أمير المؤمنين هل لك في فلان ؟! يقول :لو قد مات عمر، لقد بايعت فلانًا ، فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ، فغضب عمر ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم"(5)
كان ذلك في منى في موسم الحج في آخر حجة حجها الفاروق رضي الله عنه ، فلما بلغه أن رجلاً يريد أن يبايع لرجل محتجًا في ذلك بما تم في قصة بيعة أبي بكر رضي الله عنه غضب ، ورأى رضي الله عنه أن في استبداد واحد بالبيعة دون الرجوع إلى الناس غصبًا لأمور الناس ، ثم عزم على أن يبين للناس أن ذلك لا يصلح ، إذ أن أمر الخلافة أمر الأمة وليس أمر فرد من الأفراد، ولذلك ينبغي بيان ذلك للناس وتحذيرهم ممن يريد أن يغتصب أمرهم ، وعمر عندما أراد أن يوجه هذا الخطاب لم يكن ليوجهه إلى فرد أو طائفة أو مجموعة من الناس ، وإنما كان يريد توجيهه إلى المسلمين الذين حضروا موسم الحج وهم أعداد غفيرة تأتي من أمصار المسلمين كلها ، فبين عمر بذلك المسلك أن هذا الأمر أمر المسلمين كلهم في أمصارهم، ورأى أن اقتصار واحد ونحو ذلك واستبداده بالعقد غصب لحقوق الناس ومن أجل ذلك عزم على ما عزم عليه ، وهذا مما يدل على دور الأمة في بناء نظامها السياسي ، ولكن عبد الرحمن رضي الله عنه نصح عمر بأن الموسم يجمع الكثير من الناس ومنهم من لا يحسن أن يضع الكلام مواضعه ، وطلب منه أن يؤخر كلامه حتى يرجع إلى المدينة فيلتقي بأهل الفقه وأشراف الناس فيحدثهم بما يريد فكان مما قال:" فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها"، وعندما رجع عمر رضي الله عنه إلى المدينة ، ووقف على المنبر في أول جمعة حذرهم من قول ذاك القائل ثم قال :" من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا " ثم يقص قصة مبايعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة ثم يعيد في نهاية كلامه الجملة السابقة "من بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين .." مرةً أخرى تأكيدًا لذلك وترسيخًا في أذهان السامعين ، وقد ورد في بعض الروايات أن الرجل الذي قيل ببيعته هو طلحة بن عبيد الله ، ورغم أن عمر رضي الله عنه كان يراه أهلاً لذلك بدليل جعله واحدًا من الستة الذين رشحهم للخلافة عندما طعن ، إلا أن عمر رضي الله عنه، لم يرض استبداد أحد من الأمة بذلك ، وأنه لابد من الشورى بين المسلمين في هذا الأمر العظيم ، ومما يدل على أن دور الأمة في التولية كان أمرا منشورا في الثقافة العامة للأمة وفي وعيها ، ما نجده في التاريخ- حتى في الفترات التي قيل عنها إنها فترات استبداد- من حرص الخليفة على أخذ البيعة لمن يريد استخلافه من أهل الحل والعقد ما يدل على رسوخ ذلك في فكر الأمة وتصورها ، وإنما الذي يعيب ذلك هو الشكلية التي كان يتم بها ذلك، أو الاحتيال في التجاوز الحقيقي للأمة مع الحرص على الشكل ، وقد نقلت إلينا كتب التاريخ أن معاوية رضي الله عنه لما أراد العهد ، كان ذلك بناءً على إشارة من أحد عماله ، ومع ذلك فإن معاوية رضي الله عنه أرسل يستشير في ذلك والي البصرة ، ووالي المدينة ويقول في رسالته لوالي المدينة " كبرت سني ودق عظمي ، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي ، وقد رأيت أن أتخير لهم من بعدي وكرهت أن أقطع أمرًا دون مشورة من عندك وكتب أيضًا إلى عماله أن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فقدمت عليه الوفود من البصرة والكوفة والمدينة ، وتكلم الخطباء فأعربوا عن تأييد البيعة وبايع أكثر الناس ليزيد"(1).

أقوال أهل العلم في دور الأمة :
أجمع أهل العلم على أن نصب الإمام فرض كفاية على الأمة (2)، وهذا يعني أنه مفروض على الأمة من حيث مجموعها لا من حيث أفرادها ، ولا يمكن أن يقال أن الأمة مفروض عليها القيام بذلك العمل بينما لا يكون لها دور في العمل نفسه هذا كلام متناقض يدفع بعضه بعضا ، قال القرطبي رحمه الله :" ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله ، واتبعه على رأيه ومذهبه "(3) ، وقال النووي :" وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ، "(4) ، وقد تحدث الماوردي عن حالة ما إذا وقع الإمام في أسر يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه ثم قال " وللأمة اختيار من عداه من ذوي القدرة "(1) وبين أنه لو عقدت الخلافة لرجلين ، وأشكل معرفة المتقدم منهما ، فلو تنازعاها ، وادعى كل واحد منهما أنه الأسبق ، لم تسمع الدعوى وعلل ذلك بقوله " لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعا"(2)
فكون نصب الإمام واجب على الأمة ، يعني أن الأمة هي التي يصح منها ذلك ، وأنه لو استبد بذلك واحد أو جماعة بدون موافقتها لم يصلح ذلك ، وهذا هو الذي يليق بمكانة هذه الأمة الشريفة التي هي خير أمة أخرجت للناس من ذرية آدم عليه السلام.

دور الأمة في خلافة الراشدين:
قال الرسول  صلى الله عليه وسلم  :" خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء"(3)، وقال "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله تبارك وتعالى إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.."(4) الحديث.
فقد بين الرسول  صلى الله عليه وسلم  أن الخلافة التي جاءت بعده هي خلافة نبوة ، ومدتها ثلاثون سنة ، وهذه المدة تشمل مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم والتي تعرف بــ" الخلافة الراشدة" وقد استنبطت هذه التسمية من قوله  صلى الله عليه وسلم  " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ..."(5) الحديث ، فهذه الخلافة هي خلافة نبوة وخلافة راشدة ويستفاد من ذلك أمور يخصنا هنا أمران :
1. أن هذه الخلافة ظهر فيها دور الأمة كما أرشدت لذلك الشريعة.
2. أنه ينبغي علينا اتباع ذلك في إعطاء الأمة دورها في الاختيار.
وقد اتبع في تولية الخلفاء الراشدين طريقتان : العقد عن طريق أهل الحل والعقد ، والعقد عن طريق الاستخلاف أو العهد ، قال الماوردي :" والإمامة تنعقد من وجهين : أحدهما باختيار أهل العقد والحل، والثاني بعهد الإمام من قبل"(6)

بيان دور الأمة في الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد:
أهل الحل والعقد هم طائفة من الأمة ذوو صفات مخصوصة يقومون باختيار الخليفة وعقد الولاية له، وهم يعدون في فقه السياسة الشرعية الممثلين للأمة والمعبرين عن رغبتها، فاختيارهم هو اختيار الأمة ، ويظهر ذلك من وجوه:
 
1- التسمية: فتسمية هؤلاء بأهل الحل والعقد دال على مكانتهم ودورهم في المجتمع؛ فإن أهل الحل والعقد يعني الذين يملكون إبرام الأمور ونقضها، ولا تتمكن جماعة من ذلك إلا أن يكون لها قبول واسع عند الناس، ورضا عام عندهم، بحيث يكونون معبرين عن طموحاتهم ورغباتهم، ويحوزون ثقتهم لعلمهم وأمانتهم، ولا يكون ذلك إلا للكبار أصحاب الشهرة والمكانة عند الناس، الذين يرجع إليهم الناس، يستنصحونهم ويستشيرونهم، ولا يملك هذا في الحقيقة فرد واحد أو اثنين أو أربعة مثلا في أمة لها هذا الاتساع، كما لا يملكها أيضا من يكون خاملا بين الناس لا يشاركهم بل منعزل عنهم، حتى وإن كانوا أشخاصا مؤهلين تأهيلا ممتازا ما داموا قابعين في أبراجهم لا يعرفون الحياة من حولهم ، ولا يعرفهم الناس، فأهل الحل والعقد إضافة إلى تأهيلهم الممتاز وأمانتهم وعلمهم، هم أناس مشهورون منغمسون في الحياة العامة للأمة، لهم جهد بارز في إدارة حركة المجتمع وقد بين ذلك الشيخ محمد رشيد رضا فقال :" وكان ينبغي أن تكون تسميتهم بأهل الحل والعقد مانعة من الخلاف فيهم ؛ إذ المتبادر منه أنهم زعماء الأمة وأولوا المكانة وموضع الثقة من سوادها الأعظم، بحيث تتبعهم في طاعة من يولونه عليها؛ فينتظم به أمرها،ويكون بمأمن من عصيانها وخروجها عليه ...إلى أن يقول :فإذا لم يكن المبايعون بحيث تتبعهم الأمة فلا تنعقد الإمامة بمبايعتهم"(1) ، وقد دل على ذلك كلام غير واحد من أهل العلم، فقال الشربيني:" المعتبر ببيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم، لأن الأمر ينتظم بهم ، ويتبعهم سائر الناس"(2) فبين أن سائر الناس يتبعهم، وهذا يعني أن أهل الحل والعقد يستندون إلى قبول واسع بين الأمة، مكنهم من أن يكون لهم القدرة على البت في الأمور المهمة، وقبول ذلك منهم، وقد عبر بعض أهل العلم عن هذا القبول الواسع لأهل الحل والعقد بلفظ الشوكة، والشوكة تعني القوة، ولا يمكن أن تكون هناك شوكة حقيقية –بعيدا عن الشوكة الظالمة المرتكنة للقوة الباغية- إلا في ظل ذلك القبول الواسع لأهل الحل والعقد، ويعبر عن ذلك إمام الحرمين فيقول :" فالوجه عندي في ذلك أن نعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة ومنعة قاهرة بحيث لو فرض ثوران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم اتباع الإمام "(3)، ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:" بعض أهل الكلام يقولون : إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أهل السنة بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماما حتى يوافقه أهل الشوكة عليها، الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن مقصود المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماما، فإن الإمامة ملك وسلطان والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكا بذلك...إلى أن يقول: فمن قال: إنه يصير إماما بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط"(4) وهذا ونحوه من كلام أهل العلم مما يبين أن طريقة الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد إنما هو اعتداد بدور الأمة في هذا الأمر الجليل، ويتبين مما تقدم أنه لا يشترط عدد معين في أهل الحل والعقد كما لا يشترط إجماعهم ؛ إذ المطلوب أن يكون ذلك معبرا عن رأي الأمة فأي عدد من أهل الحل والعقد حصل به ذلك كفى.
الوجه الثاني: صفات أهل الحل والعقد: يدور كلام أهل العلم على أن الصفات المطلوب وجودها فيهم هي العدالة الجامعة لشروطها(الإسلام والبلوغ والعقل والاستقامة والأمانة) والعلم بأحكام الإمامة لمعرفة من يستحقها على الشروط المعتبرة فيها، والحكمة والرأي المؤديان إلى حسن المفاضلة والموازنة بين أهل الاستحقاق"(5) فهذه الصفات متى توافرت عند مجموعة من الأفراد، فإن الأمة تلتف حولهم وترجع إليهم، وتصدر عن آرائهم وتفزع إليهم في مهماتهم وملماتهم، وتركن إلى اختياراتهم وترجيحاتهم، فكان تحقق هذه الشروط فيهم من الضمانات التي تجعلهم مقبولين عند الأمة، ومعبرين عن إرادتها.
الوجه الثالث: ملكات أهل الحل والعقد وقدراتهم واستعداداتهم : المجتمع الإنساني في عموم الزمان والمكان ليس كله مثالا واحدا ، بل تتفاوت فيه الملكات والقدرات والاستعدادات بين الناس تفاوتا عظيما، هذا ما لا يمكن إنكاره أو جحده، فمن الناس من له القدرة على الاجتهاد والقيادة والتوجيه، وله مع ذلك عناية خاصة بالمسائل العامة، والمصالح التي تخص الأمة، ومنهم من له القدرة على حسن تقدير الأمور وتقويمها والموازنة بينها، ومنهم من ليس قدرة إلا على المتابعة والتنفيذ، ومنهم من لا يحسن غير عمله اليومي أو الشخصي، الذي لا يتجاوز به دائرته المحدودة، ومنهم من لا يكاد يحسن شيئا، ومن المعلوم من طبائع النفوس أنها تسلم في الغالب لمن هو أجود منها رأيا، وأسد فهما، وأقدر على حل المشكلات، ولاشك أن ملكات وقدرات أهل الحل والعقد هي في الدرجة العالية وهذا ما يجعلهم حائزين على رضا الأمة وقبولها.
من كل ما تقدم يتبين أن تدبير الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد إنما هو إعمال لدور الأمة في بناء النظام السياسي وليس تهميشا لها ، أو تقليلا من شأنها في ذلك، وهو طريقة عملية اهتدى إليها المسلمون لتحقيق الحكم الشرعي في الواقع، وقد طبقت هذه الطريقة في الخلافة الراشدة مرتين: مرة في اختيار أبي بكر رضي الله تعالى عنه أول الخلفاء الراشدين، ومرة في اختيار علي رضي الله تعالى عنه رابع الخلفاء الراشدين، ففي اختيار أبي بكر اجتمع الصحابة بعد موت الرسول  صلى الله عليه وسلم  في سقيفة بني ساعدة وحدثت بعض المناقشات، ولما خشي عمر رضي الله تعالى عنه من الاختلاف بادر إلى مبايعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وقد كانت مكانته معلومة محفوظة عند الصحابة وكانوا موقنين بأنه جدير بل الأجدر بها؛ إذ هو في الذروة العليا من ذلك، لذلك فبمجرد أن بايعه عمر أقبل على مبايعته المهاجرون ثم الأنصار مبايعة رضا واختيار، لأنه لم يكن يملك إكراههم على ذلك، ولم ينازعه في ذلك أحد، حتى الذين تأخروا عن البيعة في أول الأمر لم يكن ينازعونه فيها، ثم عادوا فبايعوا، وقد كان الصحابة الموجودون في ذلك الوقت هم عظماء الأمة وأفاضلها، وهم خلاصة الأمة فلم يكن يمكن لأحد من المسلمين خارج المدينة أن ينازعهم فيما ذهبوا إليه، أو يعترض عليهم.
وفي اختيار علي رضي الله تعالى عنه، فقد حاول قتلة عثمان رضي الله عنه أن يبايعوه لكنه لم يقبل ذلك منهم ؛ إذ ليسوا هم أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم الناس في ذلك، رغم ما كان عندهم من قوة تمكنوا بها من قتل الخليفة رضي الله تعالى عنه، حتى جاءه المهاجرون والأنصار الذين بالمدينة وألحوا عليه في ذلك؛ درءا للفتنة وحفظا لدماء المسلمين، فقبل ذلك منهم مرغما، وقد كان من بينهم طلحة والزبير رضي الله عنهم وهم من المبشرين بالجنة، ولم يكن بعدهم في المسلمين مثلهم، ومع ذلك فإن عليا رضي الله تعالى عنه قد خرج إلى المسجد وخطب فيهم مبينا حق الأمة في ذلك فقال:" يا أيها الناس عن ملأ وإذن، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم " فهاتان البيعتان تمتا عن طريق بيعة أهل الحل والعقد المعبرة عن رأي الأمة واختيارها، وقد حدث أن امتنع بعض الصحابة عن مبايعة على رضي الله عنه، وبالتدقيق في هذا الامتناع نجده مما يشهد لقضية دور الأمة في بناء النظام السياسي ولا يعارضها؛ إذ أن من امتنع يرى أن من عقد البيعة لعلي لم يكن معبرا عن الأمة وأن الأمة لم تجتمع على ذلك، وأما الذين قبلوا البيعة وبايعوا عليا فهم يرون أن الذين عقدوا البيعة يعدون معبرين عن الأمة، لاسيما أن أفضل الصحابة في ذلك الوقت كان ممن عقد البيعة لعلي ، فالخلاف إذن بين المبايعين والممتنعين ليس في دور الأمة ومكانتها في عقد البيعة، وإنما هو هل تحقق في هذه البيعة ذلك الأمر أم لم يتحقق، فالخلاف إذن في تحقيق المناط ، والصحيح أنها تحققت والصواب كان في مبايعة علي رضي الله عنه، ومما يدل على اعتبار رأي الأمة فيمن يتولى أمرها وأن أهل الحل والعقد يراعون ذلك في الاختيار ما يذكره الماوردي أن الشخص الذي يقدمونه بعد اكتمال الشروط يكون ممن" يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته"(1)

مكان أهل الحل والعقد : ظهر مما تقدم في بيعة أبي بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما، أن أهل الحل والعقد الذين عوِّل عليهما في عقد البيعة كانوا في المدينة، ولم يثبت أنهما رجعوا إلى غير هؤلاء، فهل يعني هذا عدم الاعتداد برأي الأمة في التولية، وأن ذلك مقصور على من كان ببلد الإمام، وعند التدقيق في الأمر يتبين أن المدينة-في ذلك الوقت- وهي مهجر رسول الله  صلى الله عليه وسلم ومعدن السنة النبوية، وبها أفاضل الصحابة وخيارهم من المهاجرين والأنصار، كان لها عند المسلمين مكانة خاصة ، وكان ما يصدر عن أهلها يتلقى بالقبول منهم، فكانت موافقة أهل الحل والعقد بالمدينة كافية في قبول المسلمين لذلك، ومما يدل على ذلك أنه بعد اختيار أبي بكر وعلي رضي الله عنهما لم يعارض أحد في الاختيار، ولم يقل: لماذا لم يؤخذ رأينا في ذلك؟ حتى ما كان من معاوية رضي الله عنه في موقفه من علي فإنه لم يجادل في أحقيته في ذلك، ولم يعترض بأنه لم يؤخذ رأي أهل الشام في ذلك، كما أنه لم يدع إلى بيعة أحد غير علي، ولم يمتنع من الدخول في البيعة، وإنما كان يطالب بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه أولا ثم يدخل في البيعة بعد ذلك، ومما يدل على مكانة المدينة في ذلك الوقت أن إماما عظيما كمالك رحمه الله تعالى كان يجعل إجماع أهل المدينة من مصادر الحجة الشرعية (ولا شك في صواب ذلك في فترة الخلافة الراشدة كما حقق ذلك ابن تيمية رحمه الله) ومما يبين مكانة المدينة في ذلك عند الناس ما يقوله طارق بن شهاب:" لما قتل عثمان قلت: ما يقيمني بالعراق؟، وإنما الجماعة بالمدينة عند المهاجرين والأنصار"(1) وقد مر بنا قول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لعمر:" فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها"ومن هنا يتبين أن الاقتصار على أهل الحل والعقد بالمدينة (بلد الإمام) كان وضعا مرتبطا بذلك الزمان ؛لأنهم هم المعبرون في الحقيقة عن الأمة، وليس تشريعا عاما تلزم به الأمة في كل عصر ومصر.
دور الأمة في الاختيار عن طريق الاستخلاف : والاستخلاف هو أن يحدد الخليفة عندما تحضره مقدمات الوفاة، أو عند توقع حدوث ما يخشى منه، أو قبل ذلك شخصا يتولى الخلافة بعده، وقد حدث هذا في استخلاف عمر رضي الله تعالى عنه حين استخلفه أبو بكر رضي الله تعالى عنه لما حضرته مقدمات الوفاة ، كما حدث هذا أيضا في تولية عثمان رضي الله تعالى عنه، حين طعن عمر فجعلها شورى في ستة يختارون من بينهم واحدا، وقد ينظر إلى هذه الطريقة على أنه لا دور للأمة فيها، وأن الأمة كلها قد اختزلت في اختيار فرد منها ألا وهو الخليفة، لكن مع النظر السليم والفهم السديد، لا يظهر من ذلك إلا أنها طريقة عملية أخري لاشتراك الأمة في الاختيار، وذلك بالنظر في أمور ثلاثة:1- أن الخليفة الذي يستخلف هو الخليفة الشرعي، الذي وصل إلى مكانه بالطريق الصحيح، وهو لا شك أحد أعضاء جماعة أهل الحل والعقد.
2-أن الشخص المعهود إليه هو شخص مستجمع للشروط الواجب توافرها فيه.
3-أن الخليفة المستخلف يستشير أهل الحل والعقد في هذا الاستخلاف ولا يستبد به .
وقد كان الأمر على ذلك النحو في حوادث الاستخلاف في الخلافة الراشدة، ولما كان دليل الاستخلاف هو تلك السوابق في الخلافة الراشدة إضافة إلى العزم المستفاد من عزم الرسول  صلى الله عليه وسلم  لاستخلاف أبي بكر ، فينبغي أن يتم الاستخلاف على مقتضى الدليل الذي دل عليه.

دور الأمة في طريقة التغلب والقهر:
ذكرت كتب السياسة الشرعية أن من تغلب على الأمة وقهرها بسيفه، فإنه يصير إماما وإن لم يختاره أهل الحل والعقد، وإن لم يستخلف من الإمام السابق، ومن البين أن مثل هذا الإمام لا دخل للأمة في نصبه ، وهذه الطريقة لا تعد طريقة من طرق تولي الأمر المشروعة، والفقه الإسلامي لا يدعو إلى إليها ولا يأمر بها، وإنما يتعامل معها من باب الاضطرار، إذ يعد هذا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات، فالاعتراف به والإقرار له هو من هذا الباب ، ومع ذلك فإنه يتبقى للأمة دور في النصيحة والاحتساب، وعدم المعاونة أو المشاركة في باطله ، ويبقى مع ذلك حد أدني لا يمكن تجاوزه ، وهو أن يكون المتغلب مسلما، فإن كان المتغلب غير مسلم فلا يحل موافقته أو إقراره، وكذلك إذا غير شيئا من الشرعة فإن ذلك لا يحتمل ، فإنه وإن احتمل منه بعض المعاصي والمنكرات والاستئثار بحظوظ الدنيا، في سبيل استقرار أحوال الأمة، وعدم تعريضها للفتنة، وحقنا لدمائها، ومحافظة على إمكاناتها وطاقاتها، فلا يحتمل منه الكفر أو تغيير الشرعة، وعلى الأمة في هذه الحالة أن تسعى بكل سبيل لإيجاد البديل، فهذا دورها وواجبها، أما إن كان المتغلب صالحا للإمامة قائما بواجباتها وتم له الأمر، فإن دور الأمة يتمثل في إقراره وعدم منازعته.
 


 الجزء الثاني

بلغ من اعتداد الشريعة بمكانة الأمة في بناء النظام السياسي أنها لم تسمح بأي مسوغ للالتفاف حول اختيارها، بل أمرت بقتل من يحاول أن يفسد هذا الاختيار الذي تم بإرادة هذه الأمة ورضاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" ، وقد قيد الرسول صلى الله عليه وسلم حل دمه بكونه خرج على من اجتمعت عليه الأمة، مما يبين المكانة العظيمة والدور الكبير للأمة ، وأنه يترتب على اختيارها من الأحكام ما لا يترتب إذا لم تكن هي المختارة.

صور تحقيق دور الأمة في الاختيار:
في المقال السابق تبين وجود صورتين عمليتين لدور الأمة قد حدثتا في زمن الخلافة الراشدة، وقد دل على اعتبار مشروعية تلك الصور أمران: الأول قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" ...فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ..." الحديث، وهذا من سنن الخلفاء الراشدين، الأمر الثاني: أن هذه الصور قد تحقق فيها دور الأمة فعلا وواقعا، وقد بين المقال السابق كيف تحقق دور الأمة في كليهما، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا العصر هل هناك صور أخرى يمكن أن يتحقق بها دور الأمة في الاختيار غير تلك الصورتين؟ الأمر البين الذي لا يختلف عليه أن النصوص الشرعية لم تحدد طرقا عملية معينة لكيفية قيام الأمة بدورها في ذلك بحيث يقال لا يصلح غير هذه الطرق، وإنما دلت على دور الأمة الذي يجب عليها وأطلقت الكيفية، وهذا يقود إلى نتيجتين في غاية الأهمية ، الأولى: أن الطريق الذي لا يجعل للأمة دورها في بناء النظام السياسي هو طريق غبر شرعي ، الثانية: أن الطريق العملي الذي يؤدي إلى قيام الأمة بدورها في ذلك هو طريق مشروع وإن لم يأت في خصوصه نص شرعي، والحكمة في عدم النص على الطرق العملية لتنفيذ بعض الأحكام الشرعية تكمن-والله تعالى أعلم- في أن النص عليها يجعلها من الأمور التي ينبغي اتباعها في كل زمان ومكان، بينما كانت هي في الواقع حلا مرتبطا بعناصر البيئة التي يطبق فيها، فكان المناسب لكمال الشريعة وحكمتها الكاملة أن الأمور التي لا ترتبط بتغيرات الزمان، والمكان أو التي ينبغي مراعاتها في جميع الأحوال أن تذكر في النصوص الشرعية، وأما الأمور المرتبطة بالزمان والمكان وتختلف فيها وجوه المصلحة باختلاف العصور والأحوال، فإنها تترك لأهل العلم كي يجتهدوا في النصوص الواردة للإتيان بتفاصيل تناسب الواقع من جانب، وتحقق النصوص من جانب آخر، من غير أية مخالفة للشريعة ، وعلى ذلك جاءت النصوص ببيان دور الأمة في الاختيار بينما أطلقت الطرق العملية في الكيفيات، فالأمور التفصيلية قد يحتاج إليها في زمان دون زمان ومكان دون مكان وبتفصيلات متباينة فليس من الحكمة أن ينص على جميع التفصيلات لتكون على مستوي واحد، فإذا كانت الدولة ذات مساحة صغيرة جدا لا تتجاوز مساحة المدينة المنورة( في أول الهجرة) فلا ينبغي أو فلا يلزم أن توجد فيها جميع التنظيمات أو الإدارات التي وجدت فيما بعد في الدولة ذات المساحة الواسعة التي شملت كل ما يسمى بالعالم الإسلامي، لذلك لم يكن عدم النص على مثل ذلك إهمالا لها أو نسيانا أو عدم معرفة أو خبرة، ولكن لأن الأوضاع لا تحتملها أو لا تحتاج إليها، في الوقت الذي يوجد فيه في النصوص الشرعية ما يسمح باستنباط كل ما يلزم الدولة من مؤسسات أو هيئات أو تنظيمات عند الحاجة، ولذلك لم يشعر أحد من المسلمين بوجود نقص في التشريعات في هذا الباب ، ولم يشعر أحد كذلك في استنباط ما دعت إليه الحاجة أنه قد جاء بأمر سد به نقصا أو دارى به عيبا؛ لأن الذي يستنبط ذلك إنما يرجع إلى النصوص ويعول عليها وهي بحمد كافية شافية لا تحوج أحدا إلى شيء غيرها وإنما المطلوب هو حسن الفهم والقدرة على الاستنباط السليم، والأمور المستجدة التي تعد تطبيقا عمليا للنصوص الشرعية حسب الإمكانات المتاحة، ينبغي أن يراعى في استنباطها أن تكون محققة للحكم الشرعي ، من غير أن يخالف قاعدة من قواعد الشريعة أو يعارض دليلا من أدلة الشرع التفصيلية، أو أن يترتب على ذلك مفسدة تربو على المصلحة المتوخاة منه، ومثل هذه الطرق التي تتحقق بها الأحكام الشرعية في الواقع تعد من السياسات الجزئية التي تتناسب مع الزمان والمكان وتختلف باختلافهما، وليست من الشرائع الكلية أو العامة اللازمة للأمة إلي يوم القيامة ، فالذي يجمع بين السياسات الجزئية أنها تتفق في تحقيق الحكم الشرعي أو المقصد الشرعي وإن اختلفت أعيانها، ولو نظرنا بهذا المقياس فيما تم في زمن الخلافة الراشدة لوجدنا ذلك متحققا إذ جميع الطرق اتفقت على إعطاء الأمة دورها ومكانتها في الاختيار وإن اختلفت طرق تحقيق ذلك في الواقع، وهذا الإطلاق في النصوص يناقضه أن نضع اليوم طريقة ونقول:هذه هي الطريقة المشروعة الوحيدة التي يتحقق بها دور الأمة، فنجعلها من قبيل الشريعة العامة بينما هي في حقيقة الأمر من السياسات الجزئية ، ومن هذا المنطلق فإنه يتصور تغاير الطرق من زمن إلى زمن، ولا يعد في ذلك مخالفة شرعية مادام الأصل- وهو اشتراك الأمة- في ذلك موجودا .

صور لا يتحقق فيها دور الأمة:
ونعني بها صورا واقعة وليست صورا متخيلة افتراضا، فمن ذلك:
التغلب والقهر
صورة التغلب والقهر التي ينزو فيها واحد أو جماعة على السلطان بما يمتلكونه من أدوات القوة ووسائل التأثير بغير اختيار من الأمة أو الرجوع إليها في ذلك، وهذه صورة وجدت في القديم كما وجدت في الحديث وتكلم عنها أهل العلم، وهذه الأصل فيها أنها لا تحل ولا تجوز ، وتقدم الحديث عنها في المقال السابق ،ومن ذلك صورة أخرى وهي في مظهرها على النقيض من صورة التغلب والقهر، وهي صورة الانتخابات ، ولما كانت هذه الصورة معاصرة لم يتقدم فيها كلام لأهل العلم السابقين فيحسن أن نبسط الكلام فيها بما يناسب حجم المقال.
الانتخابات:
والمراد بالانتخابات اشتراك جميع أفراد المجتمع البالغين في الاختيار، والدعاة إلى ذلك يرونه أصدق أسلوب في التعبير عن رأي الأمة، وبالتالي فهو أفضل طريق لتمثيل الأمة، والانتخابات في حقيقتها ليست مجرد آلية للاختيار وإنما هي تنطلق من مبدأ قائم على أن الشعوب هي سيدة نفسها وأنه لا سلطان عليها من خارجها، وانطلاقا من ذلك فإنه يدخل في الاختيار طوائف المجتمع كلها فيدخل في ذلك كل من يطلق عليه لقب مواطن سواء كان مسلما أو كان نصرانيا أو يهوديا أو وثنيا لأن له من الحق في السيادة مثل ما لغيره، كما يدخل في الاختيار النساء للسبب نفسه أيضا، ومن الأمور المجمع عليها في فقه الشريعة أن غير المسلم لا يتدخل في الاختيار، كما أن النساء لا مدخل لهن في الاختيار أيضا، ، ويترتب على هذا الأسلوب أمران:
أولهما: جواز أن يرشح الإنسان نفسه لتولي هذا المنصب، (أي يسأل أو يطلب هذا الأمر لنفسه)
وثانيهما: إباحة الدعاية لنفسه والثناء عليها باستحقاقها لهذا المنصب وقدرتها على القيام بأعبائه، وكلها أمور منهي عنها بمقتضى النصوص الشرعية ، وإذا أخرجنا من الاختيار غير المسلمين وأخرجنا كذلك النساء، ولم نسمح أيضا بالترشيح والدعاية، فإن طريقة الانتخابات تظل مع ذلك غير محققة لدور الأمة في الاختيار لأمور كثيرة منها: عزوف أو غياب كثير من الناس عن المشاركة في ذلك لأسباب متنوعة حتى يصل عدد المشاركين في أحيان كثيرة إلى أقل من نصف الذين يحق لهم التعبير عن رأيهم حسب أنظمة الانتخابات، ومنها: وجود الأصوات الباطلة نتيجة الوقوع في بعض مخالفة نظام الانتخابات، ومنها: توزع أصوات الناخبين على أكثر من مرشح، حتى يصير المرشح فائزا في الانتخابات لحصوله على الأغلبية، بينما هو في حقيقة الأمر لم يحصل إلا على أغلبية المشاركين في الاختيار، وهي في أحيان كثيرة أغلبية نسبية وليست أغلبية مطلقة ( أي يحصل على أكبر عدد من الأصوات بالنسبة للمرشحين الآخرين وليس الحصول على أكثر من نصف الأصوات مجتمعة)، ومنها: وهو الأهم إضاعة رأي الفئة المميزة في المجتمع سواء كان التميز علميا أو دينيا فرأي الفئة المميزة في المجتمع وفقا لهذه الطريقة مهدر لا قيمة له، وهذا من أهم العيوب والقوادح التي تقدح في هذا الأسلوب ، وذلك إذا قسمنا المجتمع إلى عدة مستويات من حيث النضج والمقدرة على تمييز من يصلح ممن لا يصلح فإننا نجد أن المستوى الأعلى من ذلك هم قلة قليلة جدا بالنسبة لمجموع الشعب، وأن الكثرة الغالبة من الشعب لم تصل إلى هذه المستويات من النضج والوعي على اختلاف بينهم في ذلك، والمقصود أن رأي هذه الفئة ذات المستوى المميز يضيع وسط تلك الكثرة الكاثرة ولا يكون له تأثير في الأمور؛ إذ صوت العالم الخبير بالأمور يستوي مع صوت العامي الذي لا يملك من المؤهلات أكثر من كونه بالغا عاقلا مما يبين فساد تلك الطريقة في التعبير عن رأي الأمة.
حدود دور الأمة:
الأمة عندما تقوم بهذا العمل لا تقوم به من باب المصلحة فتكون حدودها بحدود تلك المصلحة، وإنما تقوم بأداء عمل قد وجب عليها أداؤه من قبل الشريعة، وعلى ذلك فإن حدود دورها إنما يحدده الذي أوجب عليها هذا الدور:
ليس للأمة تولية من لا يستحق:
فالشريعة أوجبت عليها الاختيار وحددت شروطا معينة ينبغي توافرها فيمن تختاره الأمة ، وعلى ذلك فليس للأمة أن تختار من تشاء بمجرد الرغبة في اختياره إذا لم تتحقق فيه الشروط المطلوبة، فإذا اختارت الأمة من ليس أهلا للإمامة فلا يقبل ذلك منها لأنها تصرفت بغير ما أذن لها فيه، وهذا مما يبين فساد من يقول إن السيادة أو السلطان للأمة، أو أن الأمة هي مصدر السلطات، تأثرا ببعض النظريات السياسية الغربية، فإن الأمة وإن كان منوطا بها الاختيار مثل ما تملك الحق في عزل من أتي بما يستحق لأجله العزل، فإنها لم تفعل ذلك بمجرد رأيها وإنما تفعله وفق الشروط الشرعية لذلك ، وإذا كانت لا تفعل ذلك إلا بتلك الشروط، وهي لم تضعها، بل وضعت لها، فكيف يقال إنها صاحبة السيادة؟! فالأمة ليست هي التي تمنح الحاكم الحق في المنصب ، وإنما الذي يمنحه ذلك الحق هو الشرع لتحققه بالصفات والشروط المطلوبة، والأمة شاهدة أن ذلك الشخص تحققت فيه تلك الشروط والصفات المطلوبة وهي بعد ذلك مأمورة أن تعطي هذا المنصب لمن يستحقه، فإذا شهدت الأمة بما علمت وقامت بإعطاء الحق لمن يستحق لا يقال إنها صاحبة السيادة أو السلطان أو أنها هي مصدر السلطات، ولكنها فعلت ما يجب عليها أن تفعله.

ليس للأمة عزل من لا يستحق:
والشريعة قد أوجبت إمضاء البيعة وعدم في السعي في حلها مادام الإمام محققا للشروط قائما بالواجبات من غير إخلال، وعلى ذلك فليس للأمة أن تحل البيعة أو أن تسعى في ذلك من غير سبب شرعي يسوغه، ولا يعد نبوغ من هو أفضل من الإمام بعد البيعة له مسوغا شرعيا يبيح حلها وعقدها للأفضل، إذ أن هذا أمر لا ينفك عن مثله الزمان، ولو كان كلما نشأ في الزمان رجل أفضل من رجل حللنا بيعة المفضول وعقدناها للفاضل لم يستتب للإمامة معنى، فقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم البيعة من المسلمين وكان مما جاء فيها "وأن لا ننازع ا لأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" فمنازعة ولاة الأمر الذين تولوا بطريقة شرعية لا تجوز إلا ببرهان دل عليه الشرع، فإذا كان الإمام مستوفيا للشروط قائما بواجباته من غير إخلال ولا تقصير، متجافيا عما يقدح في استمرار ولايته، كان إقصاؤه عن منصبه رغبة في التغيير والتجديد، وإحلال من هو أفضل منه مكانه، ليس من البرهان الذي دل عليه الشرع ، قال الماوردي رحمه الله :" فلو تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة وحدث بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه" وقال إمام الحرمين :" الإمام إذا لم يخل عن صفات الأئمة فرام العاقدون له عهدا أن يخلعوه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا باتفاق الأمة فإن عقد الإمامة لازم لا اختيار في حله من غير سبب يقتضيه، ولا تنتظم الإمامة ولا تفيد الغرض المقصود منها إلا مع القطع بلزومها ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق على حكم الإيثار والاختيار لما استتب للإمام طاعة ولما استمرت له قدرة واستطاعة ولما صح امنصب الإمامة معنى" ، ولا يبيح ذلك أن يشترط في عقد البيعة تقييدها بمدة زمنية معلومة كما يقول به المتأثرون بالنظم الديمقراطية المعاصرة؛ إذ هذا الكلام ليس إلا مجرد حيلة شكلية للخروج من مخالفة الشريعة ، وبيان ذلك من عدة وجوه منها: أن خروج الإمام عن منصبه لا يكون إلا بالإخلال بواجباته أو فقد أحد شروطه وأن انقضاء فترة زمنية معينة ليست داخلة في ذلك، ومنها: أن دور الأمة أن تشهد بأن هذا صالح لذلك المنصب ومعلوم أن هذه الصلاحية لا تتقيد بزمن، ومنها: أن هذا القيد هو في حقيقته إخراج للصالح للإمامة عن ولايته بغير سبب شرعي يوجبه، ومنها: أن هذا القيد مناف للغرض المقصود تحقيقه من عقد الإمامة وهو استقرار الأحوال وانتظام الأمور، ومنها: أن هذا القيد لم يقل به أحد من أهل العلم المتقدمين، ومنها: أن هذا القيد قد جاء عن أهل العلم ما يدل على إهدارهم له، وذلك أنهم افترضوا مثل تلك الحالة التي نحن بصددها من حصول من هو أفضل من الإمام المبايع، ومع ذلك لم يحترزوا لها ويقيدوا الولاية بفترة زمنية تمكنهم من العقد للأفضل بعدها، ومنها: أن هذا الحكم حكم شرعي وليس حكما عقليا وعلى ذلك فالذي يضع عليه القيود أو الشروط هو الشرع وليس العقل، والشريعة لم تضع قيدا على استمرار الولاية سوى متابعة ولي الأمر للشريعة وتقيده بها وعدم الخروج عليها ، وقدرته على القيام بأعباء الإمامة وتحقيق المصالح المناطة بها.
وهذه الطريقة التي يطالب بها بعض المفتونين بحضارة الرجل الأبيض يضيع فيها كثير من الوقت والجهد والمال إضافة إلى المهاترات والمزايدات السياسية التي نراها اليوم، حتى إن منهم من يفتعل المشاكل افتعالا في الفترة التي تسبق الانتخابات حتى يشعر الناخب بحاجته إليه ثم إذا انتهت الانتخابات عاد كل أمر إلى حاله كأن لم يكن شيء قبل ذلك، لا فرق في ذلك بين من يقال عنها إنها دول متقدمة أو عريقة في الديمقراطية وبين من يقال عنها أنها دول متخلفة أو حديثة في الديمقراطية،حتى قال بعضهم إن أسوأ أربعة أشهر في حياة الولايات المتحدة على الإطلاق هي تلك التي تسبق عملية الانتخابات الرئاسية في كل مرة، وليس يخفي على القارئ أنه في ظل أن يكسب مرشح تلك الانتخابات قد ينفق عشرات من ملايين الدولارات فمن أين يأتي بها وكيف يعوضها (وتلك أمور وراءها قصص يطول سردها)، وإذا كان المسلم يعلم أن تلك المسئولية حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها فهل يعقل أن يدفع مسلم صالح تقي يخشى الله تعالى عشرات الملايين من الدولارات لكي يتحمل بهذه المسئولية؟

حقيقة ما يجب على الأفراد في بناء النظام السياسي:
القول بأن على الأمة أن تقوم ببناء النظام السياسي لا يعني أن كل فرد فيها مطالب بالقيام بكل مهمة من مهمات هذا النظام وإنما يعني أن الأمة مجتمعة عليها أن تقوم بذلك ، وهذا يؤدي إلى أمرين هامين:الأول: تقسيم المهام على الناس كل بحسب الاستعدادات والقدرات والإمكانات بحيث يقوم كل واحد بما يستطيعه ويحسنه،فيصير مجموع الأمة قائما بمجموع مهام بناء النظام السياسي فأهل الحل والعقد يعقدون البيعة لمن يستحقها(أو يحلونها ممن فقد استحقاقها)، وأهل القوة والشوكة ينصرون ذلك ويساعدون عليه ويمضونه ، وبقية الرعية تقبل وتطيع وتتابع وتشايع، والأمر الثاني: الاشتراك في المسئولية العامة بحيث لا يقول أحد: ليس هذا مطلوبا مني، بل هو مطالب بالسعي، فيسعى بما يمكنه من ذلك ولو كان غير مطالب به على التعيين، قال الشاطبي رحمه في تفسير فرض الكفاية:" القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة فهم (المكلفون ) مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان أهلا لها، والباقون وإن لم يقدروا عليه قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها، فالقادر إذا مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به"
 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
محمد الشريف
  • مقالات في الشريعة
  • السياسة الشرعية
  • كتب وبحوث
  • قضايا عامة
  • الصفحة الرئيسية