اطبع هذه الصفحة


( 146) فكرة وفائدة من كتاب كيف نتعامل مع القرآن

 اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

أمير بن محمد المدري
إمام وخطيب مسجد الإيمان – اليمن


بسم الله الرحمن الرحيم

1. القراءات التي تقوم على الهذرمة، والقراءة اللغوية، والفهم المعتمد على تردد البصر بين الآية والمعجم اللغوي، والذهن العملي، أو الآلي، لن توصل إلى الوعى الحضاري العمراني بالقرآن.
2. الذى يقرأ القرآن في إطار وحدته الكلية غير الذى يقرؤه قراءة انتقائية.
3. الذى ينظر إلى القرآن قصصاً وتشريعا وترغيبا وترهيبا، غير الذي ينظر إليه جامعا شاملا خالدا مجردا عن حدود الزمان والمكان، يُغطي الوجود الكوني وحركته.
4. القرآن الكريم يستمر في العطاء، ليستجيب لمختلف العصور، وتكون الاستجابة بمكنوناته التي تنكشف طبقا لحالات الاستدعاء الزماني، فهو متجدد العطاء.
5. فرّق المؤلف بين الآيات التكليفية والآيات التكوينية، معتقداً أن النسخ ينحصر في الآيات التكوينية ولا ينصرف إلى الآيات التكليفية، فالنسخ بهذا المعنى يتناول مرحلة تاريخية نسخت ولا ينصرف إلى آيات تكليفية نسخت.
6. أشار الكتاب إلى الأمية العقلية التي نعيشها اليوم مع القرآن، والتي تعنى ذهاب العلم على الرغم من تقدم فنون الطباعة، ووسائل النشر، وتقنيات التسجيل، واستدل بما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عند تفسير قوله تعالى:{ لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [المائدة:63]في الجدال الذى وقع بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه زياد بن لبيد ، مؤشراً دقيقا على الأمية العقلية التي صرنا إليها مع كتاب الله . فعن الإمام أحمد -رحمه الله-، قال: ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئا فقال: ©وذاك عند ذهاب العلم ® ، قلنا: يا رسول الله ، كيف يذهب العلم ونحن قرأنا القرآن ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئون أبناءهم؟ فقال: ©ثكلتك أمك يا بن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل و لا ينتفعون مما فيهما بشيء®.
7. مشكلة المسلمين كلها اليوم في منهج الفهم الموصل إلى التدبر وكسر الأقفال من على العقول والقلوب، وتجديد الاستجابة، وتجديد وسيلتها، ليكونوا في مستوى القرآن، ومستوى العصر، ويحققوا الشهود الحضاري، ويتخلصوا من الحال التي استنكرها القرآن: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }[محمد:24] .
8. الأزمة التي لا نزال نعانى منها، ليست بافتقاد المنهج، فالمنهج "مصدر المعرفة" موجود، ومعصوم، ومختبر تاريخيا؛ لكن المشكلة بافتقاد وسائل الفهم الصحيحة، وأدوات التوصيل، وكيفية التعامل مع القرآن أي: منهج فهم القرآن والسنة ، فالله سبحانه وتعالى يقول:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }[المائدة:48]،ويقول جل شأنه: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[الأنعام:153]، والرسول -صلى الله عليه سلم- يقول: © لو أن موسى كان فيكم حيا ما وسعه إلا أن يتبعني®، لذلك لابد أن نقرر: بأن الأزمة أزمة فهم، وأزمة تعامل، وأزمة أمية عقلية، صرنا إليها بذهاب العلم "مناهج الفهم" و "وسائل المعرفة" .
9. الجهود فيما نرى اليوم يجب أن تنصب على منهج الفهم، وإعادة فحص واختبار المناهج القائمة التي أورثتنا ما نحن عليه، والتحرر من تقديس الأبنية الفكرية الاجتهادية السابقة التي انحدرت إلينا من موروثات الآباء والأجداد والمناخ الثقافي الذى يحيط بنا منذ الطفولة، ويتسرب إلى عقولنا فيشكلها بطريقة التفاعل الاجتماعي.
10. الصورة التي طُبعت في أذهاننا، في مراحل الطفولة، للقرآن أنه: لا يستدعي للحضور إلا في حالات الاحتضار والنزع، والوفاة، أو عند زيارة المقابر، أو نلجأ لقراءته عند أصحاب الأمراض المستعصية، وهى قراءات لا تتجاوز الشفاه.
11. الجهد كله ينصرف إلى ضوابط الشكل من أحكام التجويد ومخارج الحروف، وكأننا نعيش المنهج التربوي والتعليمي المعكوس فالإنسان في الدنيا كلها يقرأ ليتعلم، أما نحن فنتعلم لنقرأ! لأن الهم كله ينصرف إلى حُسن الأداء. وقد لا يجد الإنسان أثناء القراءة فرصة للانصراف إلى التدبر والتأمل، وغاية جهده إتقان الشكل.
12. من أخطر الإصابات التي لحقت بالعقل المسلم فحالت بينه وبين التدبر، وكسر الأقفال، ووضع الأغلال والآصار، والتحقق بالفكر القرآني والرؤية القرآنية الشاملة، والاغتراف منها لعلاج الحاضر، والامتداد صوب المستقبل، واعتماده مصدرا للمعرفة والبعث الحضاري، التوهم بأن الأبنية الفكرية السابقة التي استمدت من القرآن في العصور الأولى، هي نهاية المطاف، وأن إدراك أبعاد النص مرتهن بها، في كل زمان ومكان، وما رافق ذلك من النهى عن القول في القرآن بالرأي ، وجعل الرأي دائماً قرين الهوى، وسوء النية، وفساد القصد. وفي هذا ما فيه من محاصرة للنص القرآني، وقصر فهمه على عصر معين، وعقل محكوم برؤية ذلك العصر، وحجر على العقل، وتخويف من التفكر، الأمر الذى يحول بين الإنسان والتدبر المطلوب إليه نص القرآن.
13. الاقتصار على الأفكار المستمدة من القران في العصور الأولى وجعلها نهاية المطاف هذا المنهج في النقل والتلقي، يحاصر الخطاب القرآني نفسه، ويقضى على امتداده وخلوده، وقدرته علي العطاء المتجدد للزمن، وإلغاء لبعده المكاني: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً }[سبأ:28]، ولبعده الزماني:{وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }[الأحزاب:40] وإلغاء التكليف القرآني من السير في الأرض، والنظر في البواعث والعواقب، واستمرار النظر في الأنفس والآفاق، والاكتشاف المستمر للسنن والقوانين، ولعل ترسب هذه القناعة العجيبة الغريبة، هي من الأقفال الأولى التي يجب كسرها لينطلق الفهم من قيوده وأغلاله وآصاره، فيتحقق العقل بالرؤية القرآنية في أبعاد الحياة المختلفة، وينضح معرفة وحضارة مستمدة من الوحى المعصوم ، لأن هذه القناعة إذا استمرت سوف تلغي الحاضر والمستقبل معا، وتسقط عن القرآن صفة الخلود الزماني، والامتداد المكاني.
14. إن الدعوة إلى محاصرة العقل، والحجر عليه، وقصر الفهم والإدراك والتدبر على فهوم السابقين ، هو الذى ساهم بقدر كبير في الانصراف عن تدبر القرآن، وأقام الحواجز النفسية المخيفة التي حالت دون النظر، وأبقى الأقفال على القلوب، وصار القرآن تناغيم، وترانيم.
15. المشكلة المستعصية في اختلاط قداسة النص ببشرية التفسير والاجتهاد لذلك النص، وإدراك مرماه، حيث عد رأى الشيخ أو المتبوع في تفسير نص ما أو فهمه، هو الأمر الوحيد، والممكن، والمحتمل، والأكمل لمدلول ذلك النص، وصار أي رأى أو احتمال آخر، خروجاً عن الإجماع أو نوعا من الابتداع! وقد لا نستغرب في هذا المناخ أن ينتهى بعض الفقهاء والأصوليين إلى القول: "كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا، فهو مؤول أو منسوخ.
16. الأمة كان لها جهود عقلية وفكرية غير مجدية، استغرقتها مسائل الفروع التي كتبت فيها مئات المؤلفات من المتون، والحواشي، والشروح ، والاختصارات، وضاعت بذلك مقاصد الدين، وحوصر امتداد القرآن والسنة عن شعب المعارف الأخرى، كما توقف الامتداد في بعدي الزمان والمكان، وانطفأت بذلك جذوة العقل السليم، وتجمدت قيم الدين ومقاصده في مجال الشورى، والعدل الاجتماعي، والمساواة والحرية، وغاب الفقه القرآني بمعناه الشامل ليقف عند حدود الحل والحرمة لبعض الفرعيات، وقطعت الرؤية القرآنية الشاملة.
17. كان الاقتصار على بعض مئات من الآيات نظر فيها الأقدمون على أنها آيات الأحكام التشريعية ولا نزال إلى اليوم، نبدى فيها ونعيد من خلال ميراث الفقهاء وليس من خلال موقعها من الرؤى القرآنية حيث للآيات مقاصد عدة: تربوية، واجتماعية، ونفسية، وكونية، ومنبهات حضارية.
18. العجز لحق أيضاً بطريقة التعامل مع آيات الأحكام نفسها التي أخذت هذا الجهد، وتلك المساحة من الميراث الثقافي، وأصبحنا أتباعا مقلدين، غير قادرين ليس فقط على تجاوز فهم السابقين والامتداد بالآيات إلى آفاق إضافية، وإنما عاجزين أيضا عن الإتيان بمثال آخر غير ما جاء به الأقدمون، وهذا من أشنع حالات التقليد. وكما أن مناخ التقليد الجماعي جعلنا عاجزين عن الامتداد.
19. لقد أعطينا صفة القدسية والقدرة على الامتداد والخلود لاجتهاد البشر، ونزعنا صفة الخلود والامتداد عن القرآن، عمليا وإن كنا نرفضها نظريا، كنوع من التعويض عن العجز في الامتداد بالرؤية القرآنية ، والتعامل مع العصر الشهود الحضاري ما نراه اليوم من التوسع فيما اصطلح على تسميته: "الإعجاز العلمي في القرآن"، على الرغم من التحفظات على هذه التسمية لدى كثير من علماء المسلمين الذين يرون أن ميدان الإعجاز ليس المجال العلمي أصلا.
20. موضوع القرآن: صياغة الإنسان ، ووظيفة الإنسان : القيام بأعباء الاستخلاف، والإعمار عن طريق اكتشاف سنن التسخير، وحسن التعامل معها؛ لذلك ، طلب القرآن: النظر، والتدبر، والملاحظة ، والاختبار، وإدراك علل الأشياء، وأسبابها، وامتد في ذلك إلى استشراف المستقبل : { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص:88].
21. نبه المؤلف على أن أخشى ما يخشاه، أن يستغنى المسلمون اليوم عن محاولة الإبداع والإنجاز العلمي في مختلف الميادين في ضوء هداية القرآن، والاستنفار لذلك، بالكلام عن الإعجاز العلمي كلون من التعويض.
22. نرى بعض مسلمي اليوم كلما اكتشفت نظرية، أو حقيقة علمية على يد غير المسلمين، يجهدون أنفسهم عن حسن نية في التدليل على أن القرآن عرض لها، وأثبتها قبل العلم! وأعتقد أن هذا دليل للواقع المتخلف والعاجز، فإذا كان القرآن قد عرض لها، فما بال المسلمين لم يفقهوها؟ لذلك نخشى أن ينقلب موضوع الإعجاز العلمي المعاصر من منبه حضاري مؤرق، إلى صورة من التفاخر والتظاهر المعوق، وتكريس التخلف والأمية العقلية.
23. الوصول إلى منهج لفهم القرآن بأبعاده ومحاوره المتعددة ليكون مصدراً للمعرفة ، ليس بالأمر السهل الذى يمكن أن يتحقق بكتاب، أو حوار، أو مدارسة ولكننا نستطيع أن نقول بكل اطمئنان: إننا استطعنا تقديم آفاق، ومؤشرات، ومعالم على الطريق، تثير وتستدعى كثيرا من النظر والبحث والتأصيل.
24. الكتاب يُعد محاولة لكسر أقفال القلوب، وفتح النوافذ أمام العقول، ووضع الأغلال والآصار التي أثقلت الكواهل ، وأوقفت فاعلية العقل المسلم.
25. لابد من قراءة القرآن الكريم قراءة متدبرة واعية تفهم الجملة فهما دقيقا، ويبذل كل امرئ ما يستطيع لوعي معناها وإدراك مقاصدها، فإن عز عليه سأل أهل الذكر.
26. المدارسة للقرآن مطلوبة باستمرار.. ومعنى مدارسة القرآن: القراءة والفهم والتدبر والتبيين لسنن الله في الأنفس والآفاق، ومقومات الشهود الحضاري، ومعرفة الوصايا والأحكام، وأنوا ع الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وما إلى ذلك مما يحتاج المسلمون إليه لاستئناف دورهم المفقود.
27. الأمة التي نزل عليها القرآن فأعاد صياغتها، هي المعجزة التي تشهد للنبي عليه الصلاة والسلام بأنه أحسن بناء الأجيال، وأحسن تربية الأمم، وأحسن صياغة جيل قدم الحضارة القرآنية للخلق...فنحن نرى أن العرب عندما قرأوا القرآن، تحولوا تلقائيا إلى أمة تعرف الشورى وتكره الاستبداد، إلى أمة يسودها العدل الاجتماعي ولا يعرف فيها نظام الطبقات، إلى أمة تكره التفرقة العنصرية، وتكره أخلاق الكبرياء والترفع على الشعوب .
28. وجدنا الأمة الإسلامية عندما هجرت كتابها، أو على الأقل أخذت تقرؤه على أنه تراتيل دينية، فإنها فقدت صلتها بالكون، وكانت النتيجة: أن الذين درسوا الكون خدموا به الكفر، واستطاعوا أن يسخروه لأنفسهم، ومبادئهم، وإلحادهم، وتثليثهم.
29. مع أن القرآن الكريم تجاوب مع الكون بحيث لم نر كتابا سماويا أو مقدسا كما يقولون نوه بعظمة الله في كونه أو بعظمة الكون... ما الذى صرفنا عن هذا كله؟ صرفنا عنه أننا ما أحسنا التلقي والتعامل مع القرآن أبدا. فالخطأ الكبير فقط ألا يمد القارئ المد اللازم خمس أو ست حركات، أو لا يغن الغنة، أو لا يخفى الإخفاء! وكل ذلك يمكن أن يكون وسائل لحماية الأداء القرآني ليكون محلا للنظر والتدبر.. أما وعي المعاني، وإدراك الأحكام، والتحقق بالعاطفة المناسبة من خلال تشرب معانى القرآن، فقد اختفى من نفوسنا.
30. القرآن كتاب يصنع النفوس، ويصنع الأمم، ويبنى الحضارة.. هذه قدرته.. هذه طاقته.. فأما أن يفتح المصباح، فلا يرى أحد النور لأن الأبصار مغلقة، فالعيب عيب الأبصار التي أبت أن تنتفع بالنور، والله تعالى يقول: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }[المائدة:15 -16] .نحن ما اتبعنا رضوان الله، ولا سبل السلام، ولا استطعنا أن نقدم سلاما للعالم، ولا استطعنا أن ننقل هدايات القرآن للقارات الخمس.. هناك في عصرنا خمسة مليارات من البشر، محجوبة عن أضواء القرآن، لا تعرف عنه شيئا! والسبب: أن المسلمين أنفسهم محجوبون عن أضواء القرآن، وفاقد الشيء لا يعطيه.
31. لابد من إعادة النظر باستمرار بطريقة توصيل القرآن إلى الطلبة والأطفال وإعمال عقولهم بالمعاني الإجمالية التي تتناسب مع عمرهم العقلي، وتعويدهم البحث فيما وراء الألفاظ هذا حق، ولذلك ورد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم الناس المغازي كما يعلمهم السورة من القرآن.
32. لا بد أن يُعاد النظر في أسلوب الحفظ وتوصيل القرآن إلى الأجيال القادمة، فالأمر يحتاج إلى مدارسة وطريقة تربوية تجعلنا نستجيش المعاني، ونحيا بها ولها، ولا نكون أشرطة تسجيل، كل ما لديها أنها تستوعب الألفاظ، وانتهى الأمر.
33. قد تكون الحاجة إلى حفظ الذاكرة تراجعت، وأصبحت الحاجة إلى المدارسة والتدبر هي الأكثر أهمية، على الرغم مما في الحفظ من أبعاد تبقى مطلوبة لأكثر من أمر من مثل: تكوين المرجعية للطفل وانطباعه بأسلوب القرآن وكلماته، وتكوين ملكته اللغوية، إلى جانب استمرار تواتر المشافهة وضرورة استحضار الآيات في الأداء العبادي، وإن كان الحضور القرآني في النفس الإنسانية سوف لا يغنى عنه شيء من تقنيات الحفظ..
34. الإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات" وهو كتاب جيد، لكن الرجل توقف عنده علم الأصول عن العطاء، ولا أعرف من جاء بعده بشكل متميز، ومن ثم أصبح علم الأصول نفسه ذلك المنهج العظيم، على يد المتأخرين، علما مضحكا ، لأنه أصبح كالآتي: الخلاصة ، التلخيص، الملخص، المتن، الشرح، الحاشية.. كأننا نطحن الماء فلا يزيد ولا ينقص.
35. الثقافة الإسلامية بالصورة التي انتهت إليها الآن، لا تسر مسلما حريصاً على ثقافته، لأنها ابتعدت عن الينابيع الأصلية من الكتاب والسنة، وتوقفت عند الحدود التي جمدت عندها مدارس الفكر الإسلامي.
36. يمكن حصر الثقافة القرآنية الآن، في عدد من المدارس: فهناك مدرسة الأثريين، أو أصحاب التفسير بالمأثور، وهى مدرسة يمثلها الآن "ابن كثير" ، وتفسيره شائع، وإن كان ابن جرير الطبري، أرقى منه وتفسيره أدق.. والذى يعيب هذه المدرسة في نظري أنها ربطت تفسير الآيات بأحاديث أغلبها ضعيف، فكانت مصيدة حالت دون انطلاق الفكر القرآني إلى أهدافه الشاملة في التفسير، ووسيلة إلى شيوع الأحاديث الضعيفة التي بنى عليها المحدثون فكرهم القرآني.
37. هناك التفسير الفقهي للقرآن، وهو تفسير طوع الآيات لأحكام الفقهاء وطريقتهم في الاستنباط، ولم يهتم إلا بآيات الأحكام التشريعية، واقتصر في ذلك على الحكم الشرعي دون المقاصد الأخرى، وهذا فيه شيء يستدعى الاستدراك.
38. هناك التفسير الكلامي، وأنموذجه "الرازي" مثلا في "التفسير الكبير" ، وهو تفسير ينبغي أن نأخذ منه بطرف وندع أطرافا أخرى لأنها خرجت.. بالتفسير عن مجاله، وهناك التفسير البياني، وهو مثل تفسير "الزمخشري" وأبو السعود والبيضاوي.
39. رأيت عددا من المفسرين إلى جانب مفسرين آخرين من مدارس أخرى، كانوا بلاء على الأمة الإسلامية، على الرغم من أنهم خدموا البلاغة العربية ، وخدموا التفسير البياني للقرآن أجل خدمة.. لكن حملت تفاسيرهم، إلى جانب ذلك، إساءات كبيرة للفكر القرآني..
40. نريد للعصر الحديث والصحوة الإسلامية لكى تكون ناشبة بأعماق الإسلام، ومنطلقة من أعماقه الصحيحة، أن تقدم له جيلا واعيا، موصولا بالقرآن، مدركا لأبعاده ومقاصده.
41. لابد أن نعود إلى ما عندنا من أصول يقينية حسب مدارسنا التي عشنا بها عقليا، فنحن نحترم المتواتر، ونحترم الحديث المشهور، أما أن يسري فجأة حديث واهي السند، رد الفقهاء والمحدثون عشرات ومئات من أمثاله، لكى يكون حكما على القرآن، فهذا عجيب يجب أن ننقى تفاسير القرآن منه!.
42. القرآن ليس كتابا فنيا مقسما على قضايا معينة، ثم تنقطع فيه الرؤية الشاملة، بل هو يعرض الكون وهو يبنى العقيدة.. ويعرض الكون وهو يربى الخلق. .ويمزج بين الجميع بطريقة مدهشة. فالنظر في الكون والواقع والتاريخ يقود إلى الإيمان، ويوصل التوحيد، ويبنى الخلق. فقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ }[البقرة:21] توحيد ، فيه أمر للناس بالعودة لله ، لكن: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }[البقرة:22] انظر إلى طريقة القرآن: كيف عرض الكون، ومظاهره، وحقائقه وهو ينفى الشركاء ويؤسس عقيدة التوحيد . .
43. القرآن يمنح المسلم رؤية كاملة ومنهجا متماسكا يجعل من الحياة خطوطا متوازية لا تصطدم مهما امتد الزمن، فتجعل العلم مع الإيمان، أو تجعل ما وراء المادة مع المادة، أو تجعل السرائر الباطنة مع المشاعر الحسية، لا فواصل بينها.
44. أين نحن من ارتياد الآفاق وكشف الآيات؟ وأين نحن من حسن قراءة أنفسنا ومعرفة سنن الله وآياته منها في ضوء الأبعاد الواردة في القرآن؟
45. علم النفس ما دُرس دراسة صحيحة إلا بعد أن تحرر من الفلسفة الإغريقية، وبدأ يغوص في آفاق النفس البشرية ليتعرف على دوافعها ونوازعها، معتمدا أسلوب استبطان الإنسان.
46. لو التزمنا الرؤية القرآنية وذهبنا نتدبر آيات الله في الأنفس، لكان عندنا علم النفس الذى يعرف عظمة الخالق عندما فطر هذه النفس، وخلق الإنسان من قبضة طين ونفخة روح :{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}[الحجر:29] وكل بشر نفخة من روح الله.. فنبدأ ندرس النفس الإنسانية والفطرة السليمة، وما ينميها ويزكيها من وسائل ووسائط، وما يعتريها من أمراض وإصابات لابد من معرفة أسبابها وتقديم العلاج التربوي الناجح لها.
47. التقريب بين الدراسة القرآنية وبين ما وصلت إليه الإنسانية وحضارتها، يحتاج منا إلى أن ننخلع قليلا عن بعض مواريثنا القديمة التي ليست من ثوابت الدين وقيمه الأصيلة والإفادة من الحضارة الحديثة وما وصلت إليه من ناحية وسائل فهم الكون، ومن ناحية مردود النظر في النفس الإنسانية، واعتماد كثير منها بعد ضبطها بمبادئ الإسلام ومقاصده الكلية.
48. هناك مناهج تعاملت مع القرآن: كمناهج الفقهاء والأصوليين والمفسرين بمدارسهم ومناهجهم المتعددة، وعلماء الكلام والمتصوفة وعلماء اللغة الذين تعاملوا مع القرآن كمعجزة بلاغية، هذه المناهج الفقه المطلوب لآيات الله وسننه في الأنفس والآفاق، ولم تغن العقل المسلم اليوم بالرؤية الشاملة من خلال الواقع والظروف التي نعيشها، والتوقف والجمود الذى لحق بهذا العقل وغيبه عن ساحة الشهود الحضاري.
49. لقد تقلصت في ثقافتنا الإسلامية الرؤية القرآنية الشاملة، واختزلت المحاور والمقاصد، وأصبحت المصادر الإسلامية تُقرأ على أنها فقه.. السيرة تُقرأ على أنها فقه.. والسنة كذلك.. والقرآن على أنه فقه.. ولا أقصد بالفقه هنا: المعنى العام الذى يعنى فقه الحياة كما ورد في القرآن، وإنما الفقه الذى انتهى إليه المعنى الاصطلاحي وهو : "استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية".
50. نقل المنهج الأصولي ليصبح منهجا للتعامل مع النص القرآني في المجالات والمحاور كلها، فهذا غير صحيح، وغير دقيق، فلكل مجال آلات لفهمه.
51. لابد للإنسان من التدبر في القرآن، والتعرف على سنن الكون وقوانينه التي لا يتحقق بدون إدراكها تعمير الأرض.. لكن عصور الانحطاط والتخلف والتقليد ، أوقعت المسلمين في عجز الرؤية وتجزؤ النظرة، فأصبح الفقه يعنى: استنباط الأحكام التشريعية، والدوران في فلك اجتهاد السابقين، شرحا واختصارا.. أما ما وراء ذلك فأصبح للتبرك، وانحسرت الرؤية القرآنية الشاملة.
52. آيات كثيرة في القرآن الكريم هي قوانين لابد أن تنطبق على العدو والصديق، ومحاولة الإفلات من هذه القوانين ، فاشلة، بل ميئوس من نتائجها، وعندما يقول الله تعالى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ }[الحجر:21]فإن هذا القدر المعلوم يفرض نفسه. ونضرب مثلا في حياتنا العامة. خذ مثلا: نحن نعلم أن القطن يزرع خلال ثمانية أشهر في السنة.. مهما بذلت من جهد لمحاولة أن تجئ بالثمر قبل أوانه فذلك مستحيل. إذا كان الحمل يستغرق ما بين سبعة وتسعة أشهر فلن يكون قبل ذلك إلا إجهاضا، ولن يجيء بعد ذلك أبدا كما يقول علم الطب.
53. إن الخلل الفكري وانهيار عالم الأفكار وعدم التبصر هو الذى يمكن للاستعمار.. إن الأمة لن تخرج من الشباك إلا بقوانين مكتوبة عندها في الوحى النازل عليها، يجب أن تدرسه، وبالتالي يجب عليها أن تعيد حساباتها عن ماضيها. بعد أن تعرضت للاضمحلال والانحلال عندما فرطت في سنن الله الكونية والاجتماعية، وظنت أن المواجهة العسكرية والسياسية العمياء فقط، كافية في استئناف النهوض.
54. إن القرآن عرض لسنن وعوامل نهوض الأمم وسقوطها، وفيه سنن لا تخطئ ولا تحابى أحدا، وما إلى ذلك.. لكن أرى أن المشكلة تتركز اليوم في: إدراك هذه السنن وحُسن تسخيرها والتعامل معها.. كيف يمكن للأمة بواقعها الحالي، أن تنتقل من موقع المعرفة والفكر إلى موقع الفعل؟
55. قد تكون مشكلتنا اليوم في التعامل مع القرآن كالعاصي من البشر الذى يسمع آيات تدعو إلى التوبة فلا يدرك أبعاد معصيته وضرورة الالتفات إلى التوبة المودعة في الآيات، وإنما يلتفت إلى موسيقى القراءة ونغم التالي ، فيقول : " الله.. الله " للنغمة التي يسمعها، فلا يتدبر ولا يفكر قط في أن يصنع شيئا للانتقال من معصيته إلى التوبة المطلوبة منه.
56. لابد من التدبر.. فإن تدبرنا الآيات ، نقلناها إلى حقول الممارسة على الأقل ، أو إلى ميادين السلوك لنعرف كيف نعمل هذه الآية فيما نعانى منه وفى ما نواجهه ، فإذا قيل: {إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ }[يونس:81] { وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ }[يونس:82] فإننا يجب أن نجئ بهذه الآية، وننظر إلى أعمالنا وهى قاصرة: هل يكملها الله؟.. لا.. لن يكملها الله ، لأنه لا يصلح عمل مفسد.
57. تغيير التعامل مع القرآن، يجب أن يبدأ في إصلاح الخلل في مناهج التلقي ، ووسائط التوصيل، وإعادة بناء العقل على منهج فكرى واضح نستطيع به تغيير التعامل مع القرآن .
58. هناك خلل في أخذنا من القرآن الكريم وهذا الخلل سرى حتى في الأعمال الشخصية المحدودة جدا، فأنت ترى الرجل يتوضأ ويبقى وسخا! لماذا؟ لأنه أمر الماء وهو ذاهل، ما نظف به درنا وما أزال به وسخا، فكذلك نحن نستمع للآيات دون وعى: { فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } [الروم:52]. فلابد من أن يتلاشى هذا الخدر الذى قيد الأفكار وقيد الحواس ، وقيد الأعضاء فأصبحنا لا نتحرك بكتاب ربنا كما حرك هذا الكتاب آباءنا.
59. إن الإصابة والخلل واقع في المؤسسات الموكول إليها عملية الإشراف على التربية والتعليم من مناهج وكتاب ومدرس ووسائل معينة.. إنها لم تستطع أن تكون أداة توصيل صحيحة بين الجيل وبين القرآن الكريم ومواريثه الثقافية.. فصار هناك توارث للتخلف والمرض.. فالمشكلة الكبرى قد تكون في المؤسسات المنوط بها الآن تفهيم وإيصال القرآن للجيل..
60. إذا كان هناك في الأزهر أو في الزيتونة، أو في القرويين، أو في المسجد الحرام والمسجد المدني من لا يزالون يقرءون القرآن قراءة ذات فهم موضعي محدود للنص وليس موضوعيا دون أن يعملوا هذا النص في ما نزل من أجله ، وفى ما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-، فمعنى هذا أننا نريق الدواء على الأرض، إن حديثا كحديث: ©هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته ®[رواه البخاري برقم 69 من حديث أبي هريرة]. ما أخذنا منه إلا أن نأكل من البحر الأسماك والحيوانات وإن كانت ميتة، ونغتسل! وانتهى الأمر إلى هنا! هل فقه القرآن الكريم تلاشى عند أننا نأكل سمكا من البحر، ويبقى البحر لغيرنا؟ وكيف نستطيع الوصول. إلى سمك البحر إذا كانت السيطرة عليه لغيرنا؟
61. قال حسن البنا -رحمه الله -: ©لا أدرى لماذا أُهمل التأليف الروائي، وكان يمكن أن يكون سببا في إنشاء أجيالٍ واعية، كان يمكن جدا أن أروى للأطفال: محاولة الحبشة هدم الكعبة تبعا لمؤامرة عالمية بين الإمبراطورية الرومانية في أوروبا وبين الحبشة في إفريقيا، وكيف أنهم أرسلوا الفيل، وكيف أنهم نجحوا في احتلال الجنوب.. وأجعل الأطفال من خلال قصة الفيل، يعرفون أشياء كثيرة من علاقات دينية، وعلاقات دولية، ومعلومات تاريخية، وكيف أن الله ينصر الإسلام بعد أن نبذل نحن جهدنا في نصرته®.
62. قد تكون المشكلة أو الإصابة في التعامل مع القرآن هي في: انقلاب الوسائل إلى غايات.. لقد غابت الأهداف والمقاصد وتركز الاشتغال بالوسائل ، والأشكال ، وغاب من القصص الشهود الحضاري التاريخي الذى لابد من استصحابه للعبرة وتحقيق الشهود الحضاري للأمة المسلمة، وأبدل بالبحث عن مخارج الحروف وإعراب الكلمات ، وبيان الاستعارات، وما هي إلا وسائل وأدوات للوصول إلى تذوق القرآن وتدبره.
63. القصص في القرآن أساس التربية ، لا التربية النفسية فقط بل العقلية أيضا.
64. العقل الإنساني يجب أن يحرر من قيود الوراثة المخرفة، وأن يكون قادرا على الحركة بل أنا أرى أن القرآن يهدف إلى بناء أو إنشاء عقل تجريبي.. عندما يقول تعالى: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج:46].
65. لابد أن ننظر في كل محور من المحاور التي دار عليها القرآن لنعرف كيف أخطأ القدامى، في بعض ما ذهبوا إليه في عصور الجمود والتخلف، أو كيف وقف آباؤنا ولماذا؟ لقد ظلمنا القرآن بسوء التعامل معه، ويجب أن نُحسن التعامل معه كما صنع أسلافنا الأولون.. فالمصلحون الكبار هم الذين يبدأون من العدم.
66. قد تكون المشكلة من وجه آخر، أن معظم العلماء والمفكرين المسلمين تاريخيا، بسبب من الظروف السياسية التي أدت إلى انفصالهم عن الواقع ومتطلباته، أو لأى سبب آخر، صرفوا جهودهم كلها في استنباط الحكم التشريعي من الآيات دون الوقوف عند الأهداف الكثيرة الأخرى التي جاءت الآيات من أجلها ، وأنزلت للفت النظر إليها وإدراك أبعادها والتزامها في الحياة.
67. الجانب الفقهي هو الجانب الوحيد الذى نعتبره إلى الآن أحسن الجوانب في الثقافة الإسلامية، أو بالأصح أكبرها مساحة.. لكن المشكلة في النظر إلى القصص القرآني.. لقد انتقل من دراسة تاريخية لقيام الحضارات وانهيارها إلى دراسة روائية ليس فيها حس بسنن الله الكونية إطلاقا.. فوجدت أساطير، ووجدت الإسرائيليات مجالا واسعا عند القصاصين.
68. التفسير القرآني ابتعد أيضا عن روح القرآن ومقاصده ، فالمحاور القرآنية بشكل عام ، لم تجد من يتبناها ويمشى مع آفاقها لكى يحققها في الحياة.. بل بالعكس، الأسلوب الفقهي تغلب على أنواع البحث التي كان يجب أن تبتكر في الميادين الأخرى.. فإن ما يحتاج إليه الطبيب غير ما يحتاج إليه الكيماوي.. وما يحتاج إليه المهندس الزراعي غير ما يحتاج إليه الفلاح.. فكل شيء له من طبيعته منهج يسير عليه.. امتداد هذه المناهج ، يكاد يكون في ثقافتنا ، صفرا.
69. عملية الفقه إنما استخدمت في القرآن لمعنى أوسع بكثير من المعنى الاصطلاحي الفقهي.. إنه الفقه الحضاري بكل ما تشمل كلمة حضارة من أبعاد.
70. إن كلمة " فقه " من الناحية اللغوية لها أبعاد غير ما استقر في الأذهان.. فنجد أن هناك فقها للفلك ، وفقها للنفس ، وفقها للأخلاق، وفقها للحضارة، وهذا ما نلمحه من قوله تعالى: { فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }[الأنعام:96] إلى أن يقول: { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }[الأنعام:98].ما الفقه هنا إلا معرفة مستقر النفس الإنسانية: "قبل أن توجد وهى في الرحم لأن الآية: { وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ}[الحج:5]. ما المستودع؟.. إنه القبر. وما يصل إليه البدن.. ثم ما بين المستقر والمستودع من حياة، هذا كله يحتاج إلى فقه. هذا الفقه قد يكون فقها في علم الأجنة.
71. مشكلة العجز عن النظرة الشمولية للرؤية القرآنية، أدت إلى لون من تقطيع الصورة وتمزيقها، أو إلى التبعيض المورث للخزي الواقع في حياتنا اليوم وكأنه صدى لقوله تعالى ناعياً على بنى إسرائيل{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[البقرة:85].
72. إن الرؤية القرآنية لا يمكن إلا أن تكون حضارة كاملة.. فأخذه على أنه مجموعة قصص مثلا ودراسة فن القصة على أساس أن القرآن كله قصص لا يمكن أن يكون تصويرا صحيحا للقرآن...
73. النظرة الشاملة هي النظرة الصحيحة للدراسات القرآنية ، ولا يمكن الرضى بنظرة جزئية.. والنظرة الجزئية ، عندما سادت الفكر الإسلامي، نشأ عنها ما يشبه الجسم المشلول في بعض أطرافه، أو في. بعض أجهزته مع بقاء أجهزة أخرى حية..
74. شمول النظرة القرآنية أمر لابد منه لكى تعطى الأحكام الصحيحة حتى من الناحية الفقهية التشريعية، فإذا أدركنا أن الإنسان مخلوق سوي، له سمع، وله بصر، وله فؤاد، ولابد أن يستغل هذه الوظائف جميعا في تصحيح إنسانيته، والعيش بها، أدركنا أنه لا يمكن أن يتم هذا الذى قاله القرآن الكريم في مكان آخر مع إباحة الإكراه. فكيف تكره أحدا؟ إنك بهذا تلغى إنسانيته.. وما فائدة الحكم الشرعي إذا فقد الإنسان الذى يطبق الحكم الشرعي؟.
75. تعلُّم هذا القرآن فضل لا يزنه فضل آخر، إن رجلاً أُوتى القرآن ثم ظن غيره أوتى خيراً منه فقد حقّر عظيما أو عظم حقيرا، فكيف بمن اصطفاه الله لتلقى آياته من السماء؟ لقد سبق سبقا بعيدا ، ولذلك قيل للرسول الكريم: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [الحجر:87].
76. طالما أن الخلود سمة القرآن الكريم، فهذا يعنى من وجه آخر : خلود المشكلات والقضايا الإنسانية التي جاء القرآن لمعالجتها في أصولها، وإن تغيرت في بعض فروعها وألوانها.. أي أن القرآن خالد، والقضايا الإنسانية المطلوب علاجها خالدة أيضا، من بعض الوجوه. ولا تزال في الإنسانية حالات كفر ونفاق، وضعف إيمان، واستكبار، وعلل نفسية، وصور من الولاء والبراء والسقوط والنهوض، والنصر والهزيمة.. الخ.
77. خلود القرآن يعنى: أن القرآن قادر على الاستجابة لكل الحالات، وفى الظروف كلها.. وكما أن الآيات خالدة، فإن المشكلات خالدة، حتى يكون هناك تواز بين المشكلات والآيات.. وتبقى الحاجة للقرآن قائمة فيما تتقلب به البشرية من كفر، ونفاق، وهبوط، وصعود، وما إلى ذلك..
78. إن الحوادث تتكرر.. فالآيات الخالدة تقابلها حوادث خالدة.. فالادعاء بتعطيل بعض الآيات باسم النسخ قد يكون محل نظر، وقد تمر مشكلات بحاجة إلى معالجة هذه الآيات.
79. القرآن أساس للحياة الأدبية في التاريخ الإسلامي، لا شك أن آيات الأحكام كانت من وراء قيام علم الفقه التشريعي. لكن هل القرآن آيات أحكام فقط؟ أم أنه مجموعات أخرى من الآيات تكون كل مجموعة محورا خاصا يدور عليه القرآن الكريم؟ هناك محور القصص القرآني ، هناك محور الفطرة الإنسانية.
80. إن قصص القرآن وآياته أكثر من آيات الأحكام لم يأخذ امتداده أبدا في حياتنا، بل هناك منهجا هذا العلم "علم التاريخ" واعتبروه علم خرافات.. وهذا شيء عجب! ومن العلوم الإنسانية الجديدة: علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأخلاق.. هذه العلوم علوم أساسية في الفلسفة الإنسانية، وهى أساسية في الثقافة الإسلامية، ومع ذلك لم تأخذ الامتداد المطلوب كما سرى هذا الامتداد في أنواع الثقافة الإسلامية الأخرى.
81. شمولية القرآن أصيبت، إذ فرض عليها نوع معين من علوم الدين هو الفقه.. أما آيات النظر، فلم تأخذ امتدادها لتكون علما إنسانيا في التاريخ وما يتصل به.. آيات كثيرة في القرآن الكريم وفى محاوره التي تدرس، لم تأخذ امتدادها لتكون الثقافة الإسلامية الصحيحة.. وهذا ما ينبغي أن نستدركه في ثقافتنا الحديثة.
82. جاء القرآن دعوة إلى قراءة كتاب الكون، وتأمل أسراره وسننه وحث الفرد على التأمل داخل نفسه وخارجها للوصول إلى تعاون أفضل مع بني جنسه، وفهم أتم لوحدات الكون وطبيعة المادة.
83. فقهنا اتسع حيث كان ينبغي أن ينكمش، وانكمش حيث كان ينبغي أن يتسع.. ثم إن منهج الاستقراء والملاحظة والتجربة ، منهج قرآني مائة في المائة. أما فكرة الاستنتاج كما صورها المنطق الإغريقي فهي الفكرة التي تأثرنا بها للأسف.
84. القرآن رسم المسارات العامة للحياة، وبين السنن التي تحكمها، وجاء بقيم ضابطة للمسيرة البشرية.. ودور الإنسان في التعامل مع القرآن وإدراك مقصدة ، إنما يتمثل في الاجتهاد في تحديد هذه المسارات واكتشاف آفاق تلك السنن، وقوانين التسخير ووضع البرامج ضمن إطار القيم الضابطة للمسيرة حتى لا تكون الحيدة ولا يكون الخروج.
85. في نحو عشرة مواضع في القرآن، لا يمكن أن تكون الحكمة هي السنة النبوية.. بل هي ما يستفاد من التعاليم القرآنية، أي وضع الأمر في موضعه.
86. مجموعة الآيات التي وردت فيها الحكمة والميزان، تعطينا منهجا أن الأمة لابد أن يكون لها من الرؤية القرآنية التي تستنبطها أو تستدركها من مجموع الآيات سياسة قرآنية: كيف تحكم الشعب، وكيف تنزلها على واقع الناس.. أي كيف ينزل الفكر القرآني على واقع عملي؟.
87. القرآن الكريم جاء بقيم تحدد المسارات العامة أو قواعد أو مبادئ عامة، ولم يجئ ببرامج إلا في القضايا التي لا تتطور ولا تختلف فيها الفهوم، كما أنها لا تختلف من زمان إلى زمان ، ومن بيئة إلى أخرى، ومن طبيعتها أن تكون توقيفية.
88. الأصل أن تبقى القيم القرآنية هي الضابطة لمسيرة الحياة في إطار عريض، وأن الحركة والاجتهاد ضمن إطار القيم هو متروك لاجتهادات الناس بحسب ظروفهم ومشكلاتهم التي تتبدل بحسب الزمان والمكان.. المهم ألا تخرج الاجتهادات عن الإطار الذى رسمه القرآن، وفى ذلك متسع للزمان والمكان بمقتضى الخلود والخاتمية.
89. الإسلام ليس مجموعة صور محددة ومعينة للنظام ، وليس هو قوالب ثابتة ، وإنما هو قيم ثابتة، على ضوئها ننتقى الشكليات ، أي نشكل ما نريد، وإدارة شئون الدنيا أعطانا الإسلام فيها فسحة: © أنتم أعلم بأمر دنياكم ®[رواه مسلم في صحيحه عن عائشة].أي: أنتم أعلم بالتنظيمات الدنيوية.. والمهم أن تكون هذه التنظيمات ضمن سياج محكم من القيم والقواعد الموجودة في القرآن والسنة.
90. لو اعتبرنا الرأي أو الاجتهاد، في فهم القرآن أو الحديث، دينا له قدسية الدين ، والخروج عليه إثم كإثم الخروج على النص الشرعي نفسه ، وما إلى ذلك، فهذه قضية ستمزق الأمة، وستوقعها بنتائج نلمح بعض آثارها هذه الأيام.
91. ليس هناك من عقلاء المسلمين، بل حتى من العامة في الأقدمين، من قال: إن الخلافات الفقهية تفريق للدين.. لم يقل بذلك أحد أبدا.. الخلافات الفقهية ، خلاف في فهم نص، أو المعنى المقصود وهو أمر يحتمله النص الديني نفسه، هو واحد ويحتمل هذه المعاني.
92. قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }[الأنعام:159] هو حديث عن أهل الكتاب، وتحذير للمسلمين حتى لا يقعوا بالعلل نفسها التي وقع بها أهل الكتاب.. وأن المقصود: " بالتفريق "، التفريق بالعقائد، وليس التفريق بالمذاهب والاجتهادات التي تقع ضمن إطار القيم.
93. نريد أن نعلّم الناس الإسلام كله فإذا كان الإسلام سبعين شعبة أو يزيد ، فلنبدأ بالأهم فالمهم، ونأخذ الناس بطريق التدرج كما فعل القرآن وهو يعرض تعاليمه على الناس... والتدرج سنة قرآنية، لها أبعاد تربوية لابد من إدراكها حتى يمكن تبليغ دعوة وإقامة حضارة.
94. يلمح الإنسان من الآيات التي تحدد لكل شيء أجلا معلوما، أن الآجال أمر آخر غير الأقدار.. فالأقدار قد تكون أقرب إلى النوع والصفة، والآجال قد تكون أقرب إلى الشروط والعمر الزمنى المطلوب لإنضاج الفكرة بعد مراحل تربوية متتابعة.
95. خميرة النهوض موجودة في القرآن، وأسباب النهوض والسقوط في القرآن "السنن" هي أشبه ما تكون بمعادلات رياضية، وبمجرد أن أحسن المسلمون التعامل معها، أوجدوا حضارة.. وعندما يتنكرون لها، يكون السقوط.
96. هناك قضية لم تحظ بالدراسات المتوازنة في نظري، وهى العلاقة بين البعد الإيماني، والسنن التي تحكم عالم الشهادة، ودور البعد الإيماني في الهداية إلى هذه السنن، والتفاعل الذى يحدثه الإيمان بين هداية السماء ، واستجابة الأرض لتحقيق الشهود الحضاري، وربط نتائج ذلك بقضية الإيمان.
97. لا شك أن الخطاب القرآني للناس بشكل عام، وللمسلم بشكل خاص، يحمل أبعادا متعددة من التكليف.. ، والتكليف ابتداء، إنما يكون بقدر الوسع. .فنصيب الفرد من الخطاب القرآني ، يمكن أن يتحدد على ضوء إمكاناته ووسعه.
98. القرآن يجعل بناء الإيمان على دراسات كونية ، ودراسة إيمانية نفسية، وهو يخالف بهذا الكتب السماوية السابقة التي يكاد يكون مصدر الإيمان فيها الرسول الذى جاء يحدث الناس عن الله.
99. عظمة القرآن، من الناحية العلمية، أو ما نسميه الإعجاز العلمي، هي أن الكون هو الوعاء الذى يضم عناصر الإيمان الأساسية ، بدأ قديما الأمر بالنظر فيه، وتحول النظر فيه الآن إلى عمل للناس.
100. السبب في تحول المسلمين عن المنبهات العلمية، والأوامر بالنظر التي وردت في القرآن الكريم، إلى لون من التخلف، والجهل بقضايا القرآن، لعل السبب الأول منها : يرجع إلى الطبيعة العربية فهي طبيعة تهوى صناعة الكلام، وهى الأساس في التقدم. والسبب الثاني في تخلف المسلمين: انشغال المسلمين أكثر من المطلوب بالمرويات. هذا جمد العقل المسلم، وجعله عقل نقول ومرويات أكثر من عقل بحث في الكون.
101. قد تكون المشكلة التي حدت من انطلاق العقل العلمي، أن هناك مرويات واهيات تصطدم بالعقل العلمي والعقل العملي.. والناس يتهيبون من الإقدام على فحصها واختبارها، وكان من نتيجة ذلك أن العقل المسلم أصبح متخلفا.
102. لقد أوجد القرآن ناسا استطاعوا أن يرتفعوا فوق مستوى عقل الفرس، وعقل الروم ، وهذه دول لها حضارة لا يمكن إنكارها لكنها تلاشت، وعندما تعامل العرب معهم ما كانت هناك عقدة نقص أبدا عند العرب، بل كان هناك استعلاء إيمان، والذى صنع هذا في نفوسهم هو: القرآن.
103. إن المنهج قائم ، وأن المسلمين لا يعانون من أزمة منهج ، وإنما يعانون من أزمة فكر، وتعامل، وفهم لهذا المنهج.. فكان المفروض: إعادة النظر في أداة التوصيل ، أو مناهج التفكير التي تصل المسلمين بالقرآن ، أكثر من التفكير في ابتكار مناهج جديدة حملت بعض المسلمين إلى استيراد مناهج من حضارات وأيديولوجيات أخرى، ظنوا فيها الخلاص.
104. عندنا أزمة فهم.. عندنا أزمة فقه. .. وعندنا مع هذا وذاك أزمة فكر.. والمحزن أن الذين يملكون الفكر، يملكهم من يملكون السيف.. فالمحنة كبيرة في العالم الإسلامي، ما بقى السيف قادرا على ضرب الفكر، وتحديد إقامته.
105. إن أمة يستأثر بها حاكم، أو ظالم أو مستبد، أمة لا يوثق بها أصلا أن تكون قابلة للحياة والامتداد وصناعة حضارة.
106. أنا لا أعرف أمة أطالت الوقت في الفروع الفقهية كأمتنا. . الوضوء مثلا، يمكن أن يُتعلم في دقيقتين ، فما الذى يجعل فيه مئات الصفحات والكتب، بل والمجلدات، وتختلف المذاهب فيه؟ هذا شيء عجب! حتى أنى سميت الوضوء: "علم تشريح الوضوء"!.
107. كان من الأفضل بدل أن يدرس الوضوء خلال ثلاثة شهور مثلا، أن يدرس: لماذا هلكت عاد؟ لماذا هلكت ثمود؟ هل المجتمع الآن يشبه مجتمع عاد وثمود أم لا؟ ما الفساد الذى حدث في بنى إسرائيل؟ كيف تحولت الحقيقة إلى شكل؟ كيف تحول الدين إلى انتماء عصري بدل أن يكون انتماء إلهيا وزكاة نفسية؟ كل هذا كان ممكنا من خلال دراسة القصص القرآني ، لكننا أهملناه إهمالا تاما، وابتعدنا عنه كما ابتعدنا عن دراسة آيات النظر إلى الكون ، فتبلدت العقول ، وكان آخر شيء ينظر إليه النظر في الكون.
108. ابن تيمية، والغزالي، وغيرهم من كبار الأئمة ، لم يكونوا كبارا لأنهم اعتمدوا على مذهب من المذاهب الفقهية أو مدرسة من المدارس الفكرية في الإسلام، إنما كان اعتمادهم على الكتاب، تأملا في محاوره كلها، وآفاقه كلها، وميادينه كلها. وهذا ما جعلهم أئمة.
109. منهج العودة للقرآن الكريم، يقتضى نزع فكرة القدسية عن فهوم البشر كمرحلة أولى وأن هذه الفهوم ليست دينا، وليست شيئا ملزما في الفهم، وإنما هي فهم من خلال ظروف معينة، لتنزيل النص القرآني في عصر معين على حالة معينة..
110. إذا استطعنا الوصول إلى مرحلة القناعة بأن هذا التراث ليس مقدسا، ونبقى مشدودين للقرآن باستمرار، مشدودين إلى محاوره كلها، وسننه وقوانينه المطردة، وبذلك يمكن أن نكون قد وضعنا الخطوة المطلوبة اليوم لمنهج العودة إلى القرآن.
111. آفة النهضة العلمية الحديثة في العالم الإسلامي: أن ناسا شعروا بالضيق من المتون الفقهية والسجن الذى وقع فيه الفكر الإسلامي، فأرادوا أن يغترفوا من الكتاب والسنة مباشرة وهم دون ذلك ، من ناحية القدرة العقلية ، فنشأ عن هذا الآن نوع من الخبل.
112. رأيت أُناسا ممن يشتغلون بالسنة ولهم جبروت في إدراك الأسانيد والمتون، لكن عقلهم الفقهي صفر! وعقلهم القرآني لا شيء أيضا! هؤلاء في مجال الفقه أخطر.. وشرهم أكثر. فاتباع الأئمة القدامى وتقليدهم أفضل من اتباع هؤلاء.
113. القرآن هو أكثر اهتماما بالعلوم الاجتماعية التي تصنع الإنسان وتعيد تشكيله منه بالعلوم التجريبية والمجالات الأخرى.. وأن استخدام السنن النفسية والسنن الكونية معا ، لإثبات الحقائق التي لابد منها لبناء الإنسان وعمارة الأرض، بل لعله جعل النظر في الآيات الكونية، وسيلة للوصول إلى بناء الإنسان والمؤمن.
114. بدأ الآن توجه إلى تكوين علم اجتماع إسلامي. وعلم الاجتماع هو في حقيقته: العلم الذى يبحث في الأسرة ، والأمة ، وما يطرأ عليها من تغيرات، والقوانين التي تنتظمها ، وغير ذلك. وهذا كله أصوله في القرآن، وله تطبيقاته في التاريخ الإسلامي. لكن لم يجمع قواعده تحت عنوان معين مثل "علم النحو" و"علم الصرف ".. الخ.
115. حتى نصل إلى مرحلة تأسيس، أو تدوين علوم اجتماعية، مطلوب منا لون من الرحلة مع التراث الإسلامي لاستخلاص أصول هذه العلوم المنبثة هنا وهناك ، في إطار الرؤية القرآنية.
116. المسئولية في الإسلام فردية ، والإسلام يحاسب الإنسان عن عمله... لكن الأمر اللافت للنظر عند الكلام عن اليهود وبيان فسادهم ، أن يخاطب الأحفاد بجرائم الأجداد في القرآن، وكأنما الجرائم جبلة فيهم.
117. لماذا عُير بنو إسرائيل المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم بما فعل آباؤهم؟ فكان الجواب جوابا اجتماعيا، لأن الأمة كيان واحد ممتدة جذوره في القدم ، وفروعه في الحديث ، وما دام المحدثون ينبعثون من الأصول القديمة ، فهم يحاسبون عليها.
118. الطغيان الاقتصادي ذُكر مع بدايات الوحى الأولى، فأيهما نزل قبل الآخر: سورة العلق أم سورة المدثر؟ الأغلب يرى أن سورة العلق هي التي نزلت أولا. وفى كلتا السورتين ، تنبيه إلى الطغيان الاقتصادي في قوله تعالى: { كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى }[العلق: 6 -7] وفي سورة المدثر: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً }[المدثر:11 -16].
119. طغيان الاقتصاد قد يكون خادما أو وزيرا للطغيان السياسي، وهو يمهد له، ويوطن الصدور بكل قوة.
120. في الطغيان السياسي وجدنا أن فرعون لا يريد أن يحكم الإنسان فقط، ولكنه يريد أن يحكم الأرواح والضمائر.. ولذلك عندما آمن السحرة، فهو يقول لهم باستكبار واستنكار :{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ }[طه:71] فهو ينتظر أن يكون الإيمان والكفر بإذن منه هو.
121. نموذج فرعون الذى ورد في القرآن الكريم، ليكون عبرة للشعوب الذليلة ، والمؤمنين في الصمود ومواجهة الظلم، ويكون عبرة أيضا للمستبدين والطغاة في نهاياتهم ومصارعهم، وما إلى ذلك، له أبعاد نفسية متعددة يمكن أن توصل لتكون منهجا في تربية الشخصية الاستقلالية التي يحميها الإيمان من الظلم والسقوط واليأس.
122. اعتقد أن القرآن الكريم إنما قص هذه القصة عن فرعون وبنى إسرائيل، ومصير المستبدين، سواء كانوا سياسيين أو اقتصاديين أو ماليين، إنما فعل هذا لكى نأخذ عبرة: بأنه ما يجوز ترك حاكم يتفرعن.. يجب تقليم أظافر الذين ينزعون إلى الاستعلاء على الخلق، وادعاء الألوهية.
123. إن قصة موسى لم تُذكر للتسلية، وإنما حتى لا يتحول الخلفاء إلى فراعنة، وحتى تعرف الشعوب أيضا أن عبادة غير الله جريمة، وأن الرضى بالذل ستكون عقباه الهوان في الدنيا والهوان في الآخرة.
124. لو تدبر المسلمون بالقرآن تماما، لما حل بهم ما حل من الاستسلام، والسقوط، والاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي لكانوا في مستوى قرآنهم، وما قص عليهم من قصص ليأخذوا العبرة فتحول دون وقوعهم فيما وقع به الأقوام السابقون.. لكن، المشكلة: أن القرآن بقى معزولا عن حياة المسلمين، فلم ينتبهوا إلى مثل هذه القضايا.
125. المشكلة أن بعض من يعملون على إلغاء النبوة، يعتبر الإسلام لونا من العطاء العربي، وعبقرية العقلية العربية، وما إلى ذلك، فهناك من اعتبر الإسلام تطورا، أو امتدادا طبيعيا لواقع العرب في مرحلة معينة، وأن العرب كانوا سيبلغون هذه المرحلة الحضارية بشكل طبيعي، لكن نزول القرآن سرع ذلك! هذا الكلام في طروحات بعض أصحاب الدعوة القومية، الذين يجهدون أنفسهم في أن تكون القومية علمانية بديلة للإسلام. هذا الكلام نرفضه.. لأن العرب لولا الإسلام كان يمكن أن يبقوا على ما كانوا عليه طوال حياتهم.
126. هناك الآن دعوة خطيرة وهى: التفريق بين لغة العلم ولغة الدين.. هناك لون من التآمر على القرآن لإزاحة اللغة العربية ، وذلك باعتمادها لغة الدين.. أما العلم فلابد أن يكون بلغة أخرى ! بمعنى: أن تكون هناك لغة للمعبد وهى العربية.
127. اتفق علماؤنا على أن النظم العربي جزء من النص القرآني.. جزء من الوحى.. ولا يمكن أن يسمى وحيا أبدا لو ترجم القرآن إلى لغة أخرى، مهما كانت الترجمة دقيقة، ومهما كان وفاؤها بالمعاني.. يستحيل أن يسمى هذا المنظوم قرآنا.. يسمى :معانى القرآن.
128. إن الهزائم النفسية والدينية التي محقت الشخصية العربية عند بعض الناس هي التي أهانت اللغة العربية ، وحطت من قدرها ، ويوجد الآن ساسة يجيدون كل رطانة ويلوون ألسنتهم بشتى اللغات، فإذا تكلموا بالعربية وجدت أطفالا يتعثرون، ويجمجمون ويلحنون، ولا يحسنون أدنى حياء، لأنهم فقدوا عزة الإيمان، بل فقدوا كرامة الإنسان.
129. أي إنسان يريد فهم أي كتاب، لابد له من تعلم لغته.. ولذلك أرى أن من مستلزمات فهم الإسلام أن يتعلم الناس العربية، ولا بد أن يقود الإسلام إلى تعلم العربية لإدراك مدلول الخطاب الإلهي الذى نزل بلغة العرب..
130. هناك مشكلة قديمة جديدة، وهى: مشكلة النهى عن التفسير بالرأي.. وهذا النهى أورث لونا من التخوف، وأوجد حاجرا نفسيا يحول دون النظر في القرآن، ومحاولة ارتياد آفاق حضارية تؤكد معنى الخلود للقرآن الكريم من خلال استمرار القراءة القرآنية لقضايا العصر.
131. التفسير بالرأي الذى نهينا عن تفسير القرآن به هو الهوى.. وهو أن يكون الإنسان سيئ النية أو متجها إلى مأرب من المآرب فيتلو القرآن، ويلوى عنقه كي يخدم هذا المأرب أو هذا الرأي.. وهذا هو المحرم شرعا.
132. القرآن كتاب عربي، يخضع للأساليب العربية في الفهم، ولا نسمح إذا بالشطحات.. لابد أن تبقى الكلمة هي الكلمة.. لابد أن يفهم القرآن من خلال معهود العرب في الخطاب، ومن دلالات الألفاظ كما كانت عند العرب.
133. أقسم الله سبحانه ثلاث مرات بالكون على عظمة القرآن.. أقسم أولا: بمواقع النجوم ، وأقسم ثانيا: بما نبصر وما لا نبصر ، وأقسم ثالثا :بالمجرات ودورانها.
134. هناك إجماع بين المسلمين على أن القرآن، من ناحية الطول، يستغرق الزمن كله ، بل يتعدى الزمن، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ©يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ® فكأن القرآن امتداد للزمن تجاوز هذه الحياة، إلى أنه سيُقرأ في الجنة، وامتداده العرضي يشمل الأجناس كلها.
135. العبارة القرآنية فيها مرونة تجعل معانى كثيرة تخرج منها أو تتحملها الآية.. وهذا ما أشار إليه الإمام على -رضي الله عنه- عندما قام ابن عباس -رضي الله عنهما- وجادل الخوارج: ©لا تحاجهم بالقرآن ، فإن القرآن حمال أوجه.. ® فكلمة "حمال أوجه " هي في الحقيقة تشير إلى طبيعة الصياغة القرآنية.
136. القرن الأول يتميز بشيء ، وهو: كثرة الذين صلحوا فيه ، وكثرة الذين انتفعوا بأنوار النبوة. لكن العصور الممتدة التي جاءت بعد، فيها من غير شك عمالقة في فهمهم، لا يقلون عن العصر الأول.. لكن هل المستوى العام لهذه القرون، كان كالمستوى الأول، أو كالعصر الأول؟ هنا يأتي التفاوت.. وهذا هو المعنى الذى تحدث عنه القرآن عندما قال: { ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ}[الواقعة:13 -14].
137. إن قدرة القرآن على العطاء حتى نهاية الزمن، إنما جاءت من كونه ليس كتابا علميا.. ذلك أن العلم بالمعنى الدقيق للعلم التجريبي في تقدم وتطور، ويبطل نظريات، ويثبت حقائق.. وهذه مهمة الإنسان.. أما القرآن فمهمته: بناء الإنسان ، وتجهيزه بالوسائل التي تعينه على الكشف العلمي من: الحواس ، والعقل ، والإدراك، ووضعه في المناخ العلمي الذى يدفعه للاكتشاف.
138. يكفى القرآن إعجازا علميا، أنه وضع الإنسان في المناخ العلمي، وفتح نوافذه كلها للنظر في المعارف.
139. لقد عرض القرآن للتجربة البشرية من لدن آدم -عليه السلام- إلى الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم- من خلال القصص القرآني ، بما يمكن أن نطلق عليه: الشهود التاريخي.. أي حقق شهودا تاريخيا للأمة المسلمة ، لرحلة البشرية، ليكون ذلك رصيدا لابد منه للأمة الوارثة التي انتهت إليها القيادة الدينية، لتعتبر به وتبنى عليه، بما يمكن أن نطلق عليه: " الشهود الحضاري ".
140. خطاب القرآن عالمي. . ورسالته خاتمة.. وله بعد في الزمان الماضي، والحاضر ، والمستقبل.. وله بعد في المكان بحيث يشتمل العالم كله.. ولابد من معرفة حال الخاطبين، ومعرفة التاريخ الذى يشكل مرآة حياتهم.. فنظرة المسلم، لابد أن تكون إلى العالم كله.. يستقرئ تاريخه ، ويقرأ حاضره، ليتمكن من أداء دوره في الشهود الحضاري الذى يمكن أن نسميه: الشهادة على الناس، والقيادة لهم.
141. إن القرآن بسط نماذج من حضارات الأمم السابقة، وتجاربها، وعقائدها، ومسالكها الأخلاقية، وأنظمتها السياسية بمساحات كبيرة لتكوين الحكمة عند المسلم ، التي تجعله ينتفع بتجارب الآخرين.
142. القصص في القرآن أوسع أبواب الكتاب الكريم ؛ لأن هذا القصص هو ماضي الإنسانية.. ولو فقدت أنا ذاكرتي أكون نصف مجنون، وسينتهى الأمر بي إلى الجنون.. والإسلام اعتبر أن التاريخ الماضي هو عقل الإنسانية. فاستصحبه لكل ما فيه.. والقرآن الكريم ذكر الحضارات الماضية، وذكر الأمم الأولى ، وذكر أسباب الازدهار، وأسباب الانهيار، يقول تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}[الحشر:2].
143. لابد من الانفتاح على العالم.. الماضي انفتحنا عليه ، بالقرآن وبالتاريخ الذى ثبت لدينا بمناهج التحقيق التاريخي، الحاضر يجب أن ننفتح عليه، بأمر وتكليف من القرآن.. وتقصيرنا في هذا الانفتاح اليوم . ملحوظ ومعيب.
144. القرآن الكريم طلب إلى المسلم الشهود الحضاري ، ووجوب التعرف على الآفاق الثقافية والحضارية.. فمن خلال إشارات القرآن، يجب الانطلاق باتجاه الثقافات الأخرى، والنظم الإدارية الأخرى، والعقائد الأخرى، والأحوال الاجتماعية الأخرى، والتاريخ الآخر، وما إلى ذلك..
145. القرآن الكريم يجب أن يُدرس تفسيرا موضعيا، وتفسيرا موضوعيا.. ويجب أن ينظر إليه كلا وجزءا على أنه دعامة أمة.. هو عقلها المفكر.. هو ضميرها الصاحي.. هو علمها المرفوع.. أما أن يترك القرآن لأمور أخرى ، فلا يجوز.
146. نريد أن نعود إلى القرآن الكريم.. ننشغل به ، ليكون محور حياتنا.. أما العدد الأكبر من السنن والاختلافات الفقهية ، فهو للمتخصصين.
 

أمير بن محمد المدري
اليمن - المهرة
[email protected]
وتس آب: 00967711423239
 


 

 أضغط هنا لتحميل الموضوع على هيئة pdf

 

أمير المدري
  • كتب وبحوث
  • مقالات ورسائل
  • خطب من القرآن
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية