اطبع هذه الصفحة


منظومة النجاح في الإسلام (3-3)

 

أمير بن محمد المدري
إمام وخطيب مسجد الإيمان – اليمن


بسم الله الرحمن الرحيم


لا تكتمل منظومة النجاح حتى تأتي المرحلة الثالثة بعد النجاح في العلاقة مع الله، ثم العلاقة مع الناس إلى النجاح مع النفس للارتقاء بها، وانتشالها من وحل الذنوب والجهل بالتزكية والعلم، وللنجاح مع النفس يتطلب ما يلي:

أولا: التزكية : الحياة المعاصرة وكثرة مشاغلها وتعدد متطلباتها، قد تُنسينا أن نتعاهد أنفسنا بالتربية والتزكية، ومن ثم تقسو القلوب، ونتثاقل عن الباقيات الصالحات، ونركن إلى متاع الدنيا وزخرفها.
فصلاح العبد ونجاته وفلاحه منوط بتزكية نفسه، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس، آية 7-1 ] .
وقال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى، آية 14 -15] .
وتزكية النفس سبب الفوز بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، كما قال عز وجل: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى. جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه، آية 75، 76] . أي طهّر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب [انظر تفسير ابن كثير 3/ 156] .
والتزكية دعوة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -حيث كان يدعو: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» [ أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 2088 كتاب الذكر].
ومن وسائل تزكية النفس:
(1) العمل على تطهير النفس من أخلاقها الرذيلة كالرياء والعُجب والشُّح والبخل، والحرص والطمع، والأمن من مكر الله ...
(2) تحليتها بالأخلاق الحميدة الفاضلة بعد أن أصبحت جاهزة لها بتخليها عن الأخلاق الدنيئة، وهذه الأخلاق هي مثل: الإخلاص، والإنابة، والخوف من الله، والشكر، والتواضع ....
(3) المحافظة على الفرائض؛ لأنها أفضل طاعة يتقرب بها العبد إلى مولاه بنص السُّنة الصحيحة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه،.....»
(4) الإكثار من النوافل فإنها أفضل شيءٍ يُتَقَرب به إلى الله تعالى بعد الفريضة بنص السنة الصحيحة كما في تكملة الحديث السابق: (....وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته».
(5) تدبر القرآن، فهو جلاء القلوب وإذا صفى القلب زكت النفس، والله تعالى يقول: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29]
وفي هذا الباب أنصح بقراءة كتاب اعتقد بعد قراءته مرتين أو ثلاث سيجعلك تُعيد النظر مع نفسك وتزكيتها، وهو كتاب :"تهذيب مدارج السالكين لعبد المنعم صالح العلي".

ثانياً: العلمُ النافع:

مما يرتقي بالنفس ويهذبها ويطوّرها العلم النافع، و هو كل علم يقرِّب من الله سبحانه، ويزيد الخشية منه، ويدفع إلى العمل الصالح.

العلم زينٌ فكن للعلمِ مكتسبا ... وكُن له طالبًا ما عشت مقتبسا
اركن إليه وثق بالله واغن به ... وكن حليمًا رزينَ العقلِ محترسا
وكُن فتًى سالكًا محضَ التقى ورعًا ... للدينِ مُغتنمًا في العلم منغمسا
فمن تخلّقَ بالاَداب ظلَّ بها ... رئيس قومٍ إذا ما فارق الرؤسا

ومفتاح العلم السؤال والقراءة، قل لي كم تقرأ أقل لك من أنت .
القراءة بها يطوي المرء المسافات، ويفيد من تجارب الآخرين، فيسمو فكره، ويحتد ذهنه، وتسرع بديهته وفطنته، ويتسع أفقه، وتثري معارفه، وتزيد ثقافته، وتكبر همته، ويحسن رأيه، وتُصقل شخصيته، ويستقيم لسانه، ويستثمر وقته، وتكثر براهينه، وتقوى حججه، ويرتفع قدره، ويعلو شأنه .[ أمة اقرأ لا بد أن تقرأ :ص41].
قد تسأل أخي القارئ ماذا اقرأ وكيف اقرأ ومتى اقرأ؟ وخشية الإطالة أحيلك إلى كتابي الموسوم ب(أمة اقرأ لا بد أن تقرأ) وهو متوفر على شبكة الإنترنت بطبعته الثالثة. وكتاب كيف اقرأ ؟ لطارق السويدان ،وفيصل باشراحيل، وإن شاء الله ستجد الجواب الشافي لذلك.

ثالثاً: علو الهمة:
من أهم وسائل وأسباب الارتقاء بالنفس علو همة العبد ،فالناس إنما تعلو أقدارهم ، وترتفع منازلهم بحسب أنصبتهم من علو الهمة وشرف المقصد. فمن علت همته اتصف بكل جميل، ومن دنت همته أتصف بكل خلق رذيل، فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها .
والهمة العالية لا تزال بصاحبها، تضربه بسياط اللوم والتأنيب، وتزجره عن مواقف الذل واكتساب الرذائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.
وفي هذا الموضوع أنت مخيّر أخي القارئ بين ثلاث درجات للقراءة والغوص حول موضوع الهمة أعلاها كتاب: (صلاح الأمة في علو الهمة لسيد العفاني )، وأوسطها كتاب: (الهمة العالية معوقاتها ومقوماتها لمحمد بن ابراهيم الحمد) ، وأقلها كتاب:( الهمة طريق إلى القمة لمحمد موسى الشريف) .

رابعاً: إدارة الوقت :
كل ما سبق في هذه المنظومة قد يتلاشى ويضعف شيئاً فشيئا إذا لم يهتم المسلم بوقته ويعرف كيف يديره حتى لا ينفرط عقده من بين يديه ويضيع العمر هباء.
الوقت من أغلى النعم التي منحها الله تعالى للإنسان، ولا يمكن تعويضه، ويمضي سريعاً، و يمر أسرع من مر السحاب، ولا يمكن زيادته، وضياعه ضياع المصالح كلها؛ فوقت الإنسان عمره في الحقيقة، به إما يفوز بالجنة والنعيم المقيم، أو يكون نصيبه الضنك و العذاب الأليم .
ولتدير وقتك بفاعلية احرص على:
(1) راجع أهدافك و خططك وأولوياتك؛ لأنه بدون أهداف واضحة وخطط سليمة وأولويات مرتبة لا يمكن أن يستطيع أن ينظم وقته .
(2) احتفظ بخطة زمنية أو برنامج عمل( مفكرة) توضح فيها الأعمال والمهام والمسئوليات التي سوف تنجزها، وتواريخ بداية ونهاية انجازها، والمواعيد الشخصية
(3) ضع قائمة انجاز يومية .
(4) سِد منافذ الهروب التي تصرفك عن من مسؤولياتك التي خططت لإنجازها مثل: (الكسل، والتردد، والتأجيل والتسويف، والترويح الزائد عن النفس ...الخ) .
(5) اغتنم الأوقات الهامشية والضائعة مثل: (استخدام السيارة، الانتظار لدى الطبيب، السفر، انتظار الوجبات، توقع الزوار.....الخ)، وهي تزيد كلما قل تنظيم الإنسان لوقته وحياته. وفي المقابل تضع خطة عملية للاستفادة منها قدر الإمكان ( مثل : ذكر الله عز وجل، الاستماع إلى المحاضرات والمقاطع المفيدة، والاسترخاء، والنوم الخفيف، والتأمل، والقراءة، والتفكير مراجعة حفظ القرآن ...الخ) .
(6) لا تستسلم للأمور العاجلة غير الضرورية .
(7) احذر مضيعات ولصوص الوقت: ( المقاطعات والزيارات المفاجئة، الاتصالات الهاتفية غير المنتجة، الاجتماعات غير الفعالة، التسويف أو التأجيل بأعذار واهية، عدم القدرة على قول ”لا“، الإدمان على شبكات التواصل الاجتماعي، القنوات الفضائية .....الخ.
(8) اقرأ عن حرص السلف رضوان الله عليهم على وقتهم، وأفضل ما أوصيك بالاطلاع عليه كتاب لم أجد كتاباً مثله في بابه وهو كتاب:( قيمة الزمن عند العلماء للشيخ عبد الفتاح أبو غدة) .

أخي القارئ:
اذا أردت أن تقيس نسبة علاقتك مع نفسك فضع لكل عنصر من العناصر الأربعة درجة عُليا ولتكن "100"، كم تُعطي نفسك درجة في كل عنصر، ولتكن الإجابة بصدق واخلاص وشفافية، ثم انظر إلى مواطن الضعف عندك، وحاول ترميم النقص، واعمل هذا التمرين بين كل فترة وأُخرى.

وإلى هنا نختم الحديث عن منظومة النجاح في الإسلام، ولا شك أن هناك جوانب أُخرى ذات أهمية للنجاح مثل : الجانب الاقتصادي المالي ، وكذلك الجانب الصحي الجسمي واعتقد أن الاهتمام بما ذكرنا من الجوانب كفيل بإصلاح هذين الجانبين.

أخي القارئ لا تبخل علي بما لديك من إضافات أو ملاحظات، وان استفدت مما ذُكر فلا تنس كاتب هذه السطور بدعوة في ظهر الغيب حفظك الله ورعاك .


محبكم د/امير بن محمد المدري
[email protected]
واتساب 00967711423239
12/10/1439هـ
 

أمير المدري
  • كتب وبحوث
  • مقالات ورسائل
  • خطب من القرآن
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية