اطبع هذه الصفحة


يا نفس توبي
{إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}

أنور إبراهيم النبراوي
@AnwarAlnabrawi


إن الله هو التواب الرحيم؛ لكثرة قبوله توبة العباد حالًا بعد حال، وإن تكررت الذنوب، فهو التواب الذي ييسر لعباده وسائل التوبة، ثم يتوب عليهم.
وهو الرحيم الذي يرحم عباده مهما أساءوا، فيقبل توبتهم، ويبدل سيئاتهم حسنات قال تبارك وتعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البَقَرَة: 37].
وهذا مما يزيد العبد المؤمن رغبةً ورجاءً، حين يعلم بأن التواب وصف لازم للرب سبحانه، فلا ييأس من رحمته أحد:{إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يُوسُف: 87].
قال ابن القيم رحمه الله[1]:

وكذلك التوَّابُ من أوصافه  ---   والتَّوبُ في أوصافه نوعان
إِذنٌ بتوبةِ عبدِه وقبولُها  ---  بعد المتاب بمنَّةِ المنان

إن الله هو العفو الغفور، الرحيم الغفار، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، فكل واحد من عباده مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما أن الكل مفتقر ومضطر إلى كرمه ورحمته.
قال سبحانه: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[النُّور: 22].
هو الغفور سبحانه الذي يستر العبد، ويغفر الذنب، يفعل ذلك مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى.
هو السِتِّير الذي يحب الستر لعباده، ويستر ذنوبهم،بل وأمرهم أن يستروا عوراتهم، وألَّأ يجاهروا بمعاصيهم في الدنيا؛ ليسترها عليهم في الدنيا الآخرة.
يقول ابن القيم رحمه الله[2] :

وهو الحيِيُّ فليس يفضحُ عبدَه  ---  عند التجاهرِ منه والعصيانِ
لكنَّـــه يُلقي علــيه سِـــتْرَه    ---   فهو السَّتِيرُ وصاحبُ الغفرانِ

وهذا جدير بأن يدفع المسلم إلى الإسراع بالتوبة، ثم الاستبشار بأن الله يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، ويمحو أثرها. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[الشّورى: 25].
والله يفرح بتوبة العبد، وهذا من رحمته بعباده، وعظيم لطفه بهم، فضلًا عن قبول التوبة والأمر بها، وقد جاء ما يؤكد ذلك في سنة الهدى والرحمة؛ ليكون دليلًا شاهدًا على أن هذا الدين - بحمد الله - كله خير وفضل ورحمة للعباد، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبيَاء: 107].
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ"([3]) .
إنه رجل بأرض فلاة ومعه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فَضَلَّت عنه، فذهب يطلبها فلم يجدها، فبقي ليس حوله أحد، لا ماء، ولا طعام، ولا أناس، فلما أيس من راحته وحياته؛ ذهب إلى شجرة ونام تحتها ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذ بناقته عنده قد تعلق خطامها بالشجرة التي هو نائم تحتها، فبأي شيء يُقَدَّرُ هذا الفرح؟! إنه فرح عظيم لا يتصوّره إلا من وقع في مثل حاله، إنه فرح بالحياة بعد الممات؛ لذا أخذ بخطام ناقته وأراد أن يثني على الله فيقول: "اللهم أنت ربي وأنا عبدك"؛ لكنه من شدة الفرح قلب القضيَّة فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"
وفي هذا دليل على أن الله عز وجل يحب ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه فرحًا عظيما يليق بجلاله وعظمته ولا يشبهه فرح المخلوقين، ليس لحاجته إلى أعمالنا وتوباتنا، فإن الله غني عنا وعن طاعاتنا وتوباتنا؛ ولكن لعظيم كرمه؛ فالعفو والمغفرة أحب إليه من أن ينتقم ويؤاخذ.
وهذا الفرح من الله بتوبة عبده لم يأت نظيره في غيرها من الطاعات، وهذا دليلٌ على عظم قدر التوبة، وفضلها عند الله. ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وأن أمرها عظيم، لم يكن الرب تبارك وتعالى ليفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم.فهو سبحانه يحب من عباده أن يتوبوا، ويريد التوبة منهم، قال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}[النِّسَاء: 27].
 
قال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» ([4]).

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي      ---    جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته          ---        بعفوك ربي كان عفوك أعظما
 
***
 


أنور إبراهيم النبراوي             
داعية إسلامي وباحث في الدراسات القرآنية والتربوية
ومهتم بشؤون الأسرة
Twitter: @AnwarAlnabrawi 
E-mail: [email protected]
 

--------------------------------------
[1] الكافية الشافية (ص: 209).
[2] الكافية الشافية (ص: 207).
([3])  أخرجه مسلم (2747).
([4]) أخرجه البخاري (6436)، ومسلم (1049).عن ابن عباس رضي الله عنهما.

 

أنور النبراوي
  • مقالات
  • كتب
  • تغريدات
  • الصفحة الرئيسية