اطبع هذه الصفحة


ثلاثون باباً للرزق
الباب الثالث: شكرُ النِّعم

أنور إبراهيم النبراوي
@AnwarAlnabrawi


بالشكر تزيد النعم، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأْزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] أي: واذكروا حين أَعلم ربكم إعلامًا مؤكَّدًا؛ لئن شكرتموه على نعمه ليزيدنَّكم من فضله، ولئن جحدتم نعمة الله ليعذبنَّكم عذابًا شديدًا.
ولابد من وقفة أمام هذه الحقيقة الكبيرة، حقيقة زيادة النعمة بالشكر، والعذاب الشديد على الكفر، نقف أمام هذه الحقيقة فتطمئن قلوبنا؛ لأنها وعد من الله صادق؛ لا بد أن يتحقق على أية حال {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122].
إن شكر النعمة دليل على اتزان المقاييس في النفس البشرية، فالخير يُشكَر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة السليمة؛ ولأن النفس التي تشكر الله على نعمته تراقب الله في التصرف بهذه النعمة بلا بطر، ولا استعلاء على الخلق، وبلا تسخير للنعمة في الأذى والشر والفساد.
وهذا مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينمِّيها, ويبارك فيها، ويرضي الناس عنها وعن صاحبها؛ فيكونون له عونًا، ويصلح روابط المجتمع؛ فتنمو فيه الثروات في أمان، إلى آخر الأسباب الظاهرة لنا في الحياة, وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن، أدرك الأسباب أولم يدركها، فهو حق واقع؛ لأنه وعد الله.
والكفر بنعمة الله قد يكون بعدم شكر النعم، أو بإنكار أن الله واهبها، ونسبتها إلى العلم والخبرة والكد الشخصي والسعي، كأن هذه الطاقات ليست نعمة من نعم الله! وقد يكون بسوء استخدامها بالبطر والكِبْر على الناس، واستغلالها للشهوات والفساد، وكله كفر بنعمة الله.
والعذاب الشديد قد يتضمن محق النعمة بذهاب عينها، أو سحق آثارها في الشعور، فكم من نعمة تكون بذاتها نقمة يشقى بها صاحبها! وقد يكون عذابًا مؤجلًا إلى أجله في الدنيا أو في الآخرة كما يشاء الله، ولكنه واقع؛ لأن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء.
وذلك الشكر لا تعود إلى الله عائدته، وهذا الكفر لا يرجع على الله أثره، لأنه هو الغني الحميد.
عن أبي ذر رضي الله عنه عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنَّه قال: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»[1].

إضاءة

مع قلة الإيمان وتقدم الزمان تتنوع الفتن بالإنسان، أما هذه الأمة فرأس تلك الفتن هو فتنة المال، عن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ»[2]، والناس حين يسعون في طلب الرزق يعدُّون المال على رأس تلك الأرزاق، بل مفتاحها وأساسها، لذا يتنافس الناس في جمعه وعدِّه، إما للتباهي والتكاثر، أو خوفا من الفقر وقلة الرزق، وحقيقة الأمر أنه أعلاها فتنة وزخرفا.
ويظنَّ كثير من الناس أن المال خيرٌ محض، أو أن المال كلُّه خير، وأن الخير كل الخير في جمعه وكنزه، ولذا ترى كثيرًا من الناس يُقبلون ويتهافتون على أهل الأموال ويتقربون إليهم بوسائل شتى، باللقاء والإكرام تارة، وبالبشر والترحاب تارة، وربما مالت القلوب وتعلقت بأرباب الأموال أكثر من تعلقها برب العالمين، والذي هو وحده رب جميع الأرباب ورب الخلق أجمعين.

رأيت الناس قد مالوا  --- إلى من عنـــــــده مالُ
ومن لا عنــــــده مالُ --- فعنه الناس قد مـالوا

ثمَّ إنَّ الكثير من النَّاس قد فُتن وأعجب بالمال والتكاثر به مع علمه بأنَّ الله قد تكفّل برزق جميع ما دبَّ على وجه الأرض، تفضلًا منه ورحمة، وأن ذلك بمشيئته- تعالى- وحده، إن شاء رزق وأعطى، وإن شاء أمسك ومنع.
 

أنور إبراهيم النبراوي
باحث في الدراسات القرآنية والتربوية
ومستشار أسري
Twitter: @AnwarAlnabrawi
E-mail: [email protected]


----------------------------------------
[1] أخرجه مسلم (2577).
 [2] أخرجه أحمد (17471)، والتِّرمِذي (2336) وقال: حسن صحيح غريب، وصححه الألباني، في السلسلة الصحيحة (594).
 




 

أنور النبراوي
  • مقالات
  • كتب
  • تغريدات
  • الصفحة الرئيسية