صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    ربيع ساخن في الكويت!

    أحمد بن عبد المحسن العساف
    @ahmalassaf


    إذا حدث شيء مرة، فليس غريباً أن يتكرر، ولذا يسأل الطبيب مريضه عن تاريخه الصحي؛ بل وأبعد من ذلك حين يستجلي تاريخ عائلته ومن حوله. والمجتمعات والدول تشابه جسد الإنسان في هذا الأمر، فإذا ما وقع في مجتمع حادث ما، فإن تكراره وارد بنسبة عالية، وإذا سرى شيء في بلد فلا مناص من انتقال العدوى لبلدان مجاورة أو مشابهة.

    ومثلها الثارات والعداوات التي لا تموت أبدا، وقد تبدو ساكنة أو كامنة لتوافر عوامل قادت إلى هذه النتيجة، بيد أنها سوف تنتعش لأي تغيير أو حادث ولو كان عارضاً. والشيء بالشيء يذكر، فالمقدمات طريق ممهد للنتائج، والسيرورة في طريق ستؤدي إلى نقطة معينة منه؛ حيث يمكن العودة أو تصعب، وربما تستحيل.

    أقول ذلك وأمامي كتاب عنوانه:
    ربيع الكويت: مقدمات الحكومة المنتخبة، تأليف البروفيسور كريستيان كوتس أولريخس، إعداد وترجمة وتعليق د. حمد العيسى، نشر مؤسسة الانتشار العربي، صدرت الطبعة الأولى منه في أواخر عام(2015م)، ويقع في (215) صفحة، وعلى غلافه الخارجي صورة من مظاهرات كرامة وطن، وصورة للنائب مسلم البراك محمولاً على الأكتاف.

    يبتدأ العمل بإهداء وتنويهات ومقدمة بقلم المترجم، ثم يتكون الكتاب من ملخص فمقدمة يتلوها أربعة أقسام على هيئة مقالات طويلة تعقها النتيجة، فالهوامش ثم المراجع. وأضاف المترجم كعادته في خدمة أعماله عدة ملاحق؛ بعضها منقول مع الإشارة إلى موضعه، وبعضها من ترجمة الدكتور حمد العيسى، الذي يهدف من الترجمة المضافة إلى إبراز وجهة نظر قد تكون مغايرة لرأي صاحب الكتاب الأصلي، وعلى القارئ المهتم أن يتعمق في البحث والنظر؛ كي يهتدي إلى حكم يأنس له ويرتضيه.

    أهدى المترجم عمله لشباب الكويت؛ الذين وصفهم بأنهم شعلة الكرامة الكويتية قولاً وفعلاً، وذكر بأن كتابه مفيد للنظام وللمعارضة في آن واحد، وأنه اختار الترجمة عن الكويت لما يقع في قلبه من حب لها، ولأهلها، ولمنتجاتها الثقافية التي كانت زاداً نافعاً وماتعاُ له كما لكثير غيره.

    وأشار في مقدمته إلى أنه ترجم خلال عشر سنوات أكثر من مليون كلمة عبر أزيد من اثنين وعشرين كتاباً؛ هذا بخلاف الترجمات التي لم تنشر في كتاب بعد، ولذا قرر أن يقدم خلال الخمس سنوات القادمة مشروعاً أسماه: مختارات د.حمد العيسى(دراسات نادرة)، وكتابنا اليوم هو الثاني من ضمن ثلاثة كتب صدرت متزامنة. ولتحقيق الجودة في هذا المشروع؛ تعهد المترجم العيسى أن يختار مواد هذه السلسة بعد قراءة عشر دراسات مختارة بعناية في كل موضوع، وترشيح أميزها للترجمة، ويا له من جهد مضن، والأجر على الله.

    أما المؤلف فهو أستاذ دراسات دولية في كلية هنري جاكسون بجامعة ولاية واشنطن، وزميل في معهد بيكر، ومركز تشاتام هاوس، وزميل زائر في مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وأحدث كتبه بعنوان قطر والربيع العربي، كما أنه حرر كتاباً عن الاقتصاد السياسي لدول الخليج، وسبق أن منعته سلطات الإمارات من دخولها؛ نظراً لمواقفه وآرائه التي يُنظر إليها على أنها تطاول على أمن بعض دول الخليج.

    لخص المؤلف كتابه بأنه دراسة تتناول فقدان الاستقرار السياسي في الكويت بعد عام (2006م)، فضلاً عن الاختلالات في بنية النظام التي صيرته نظاماً هجيناً، يتكون من برلمان منتخب وحكومة معينة! كما تبحث هذه الدراسة التوترات في النظام السياسي الكويتي، الناجمة عن ارتفاع مستوى المعارضة، والارتباك داخل الأسرة الحاكمة والمعارضة كذلك، وغياب طريقة واضحة ومتفق عليها لصنع استقرار سياسي تشارك فيه الحكومة والمعارضة، مما جعل الكويت خليطاً بين النماذج؛ فلا هي ملكية نموذجية، ولا دولة تعددية حقيقية.

    وفي المقدمة يرى بأن موجة الاحتجاجات السياسية في الكويت استدارت دورة كاملة، وعادت في يناير(2011م) إلى نقطة البداية! وتصاعدت حدة المعارضة مع ارتفاع سقف المطالبات إلى الإطاحة برئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح في سابقة تاريخية آلت إلى تحقيق هذا المطلب الشعبي.

    ويلمح المؤلف صراعاً على السلطة والنفوذ في الكويت خلال القرن العشرين بين العناصر الوراثية، والعناصر التمثيلية المنتخبة، وهو صراع سابق على الربيع العربي؛ بل يسبق استقلال الكويت عام (1961م). وسبق لي استعراض كتاب من ثلاثة أجزاء، عن تاريخ الكويت السياسي؛ عبر ثلاث مقالات منشورة تحت عنوان: الكويت: بين صباحين!

    وتخلل التاريخ السياسي القريب للكويت حدثان مهمان هما:
    • إحياء الحياة البرلمانية عام (1992م)، عقب احتلال الكويت، واجتماع جدة بين آل صباح ورموز الشعب، ثم اكتمال تحرير الكويت.
    • تعاظم الصراع على عرش الكويت داخل الأسرة الحاكمة، خاصة بعد اعتلاء الشيخ صباح الأحمد سدة الحكم عام (2006م).

    وقد غذى هذان الحدثان الصراع التاريخي بعوامل تسخين متسارعة، فالانتخابات حدث مصاحب للاستقطاب والاصطفاف، كما ظهر في المشهد السياسي صراع السلالات، وهو سبب رئيس في اضطراب أي حكم وراثي، ولم تعد الخلافات محصورة في الغرف المغلقة؛ بل كسرت الحواجز لتغذي الساحة الشعبية والسياسية التي لا يمكن التنبؤ بحركتها.

    يبدأ القسم الافتتاحي-السياسة والتعددية في الكويت-بالتأكيد على أن الاحتجاجات في الكويت لها أصول تجعلها متجذرة في سياق كويتي خاص، حتى أصبح أكثر أنظمة الخليج صخباً وقوة من ناحية المشاركة السياسية، فلا يزال الكويتيون يرون أن وصول آل صباح للحكم كان عن تشاور وتعاقد واختيار؛ وليس بقوة سلاح أو مال، وأصبحت هذه السمة التوافقية دعامة متينة تمنح قاعدة مرنة من المشروعية للأسرة وللناس، وزادت مع الأيام قوة، وتداخلت بإحكام في نسيج الحياة الكويتية التي تميزها التحالفات والتراضي والمصالح المتبادلة، ومن الموافقات أن صباح الأول اختاره الشعب، وحسم البرلمان المنتخب مسألة عزل سعد العبد الله وتنصيب صباح الأخير!
    وفي تاريخ الكويت أمثلة لمحاولة القوى الشعبية الفاعلة كي تقيد سلطة آل صباح أو تحد منها، كما حدث في نزاع (1938-1939م)، مع حركة الإصلاح الكويتية التي انتشرت عدواها إلى البحرين ودبي، ودقت ناقوس الخطر المعلق عند آذان المحتلين الإنجليز الذي لم يعجبهم هذا التوجه الشعبي، وخافوا من عواقب انتشاره، خاصة وقد تزامن مع حصار تجاري سعودي، ومد قومي يهب من صوب العراق، ولم يجد الإنجليز-دعاة الحقوق- بداً من مساندة الشيخ أحمد الجابر الذي حل المجلس في ديسمبر عام(1938م)، وقمع المجلس الجديد بعنف دموي، بعد حل سابقه بأربعة أشهر فقط.

    ونتيجة لضغوط داخلية وأخرى خارجية إقليمية ودولية، تحولت الكويت إلى شكل من أشكال الإمارة الدستورية عام (1962م) برعاية من أميرها الشيخ عبد الله السالم، الذي خلد البرلمان اسمه بإطلاقه على قاعته، وشارك نجله الشيخ سعد العبد الله في المفاوضات مع الجمعية التأسيسية، التي تركزت على حجم السلطة التي ستمنح للبرلمان الجديد.

    ويبدو أن هذه الصلاحيات التي سحبت من الحاكم لصالح ممثلي الشعب لم ترق لبعض أفراد الأسرة الحاكمة، فبعد وفاة عبد الله السالم عام (1965م) بعام واحد، حلَّ أخوه وخلفه صباح السالم المجلس المنتخب، وشابت انتخابات عام (1967م) أعمال تزوير مفضوحة واسعة النطاق، ثم شهدت الكويت حلَّ البرلمان بطريقة غير دستورية خلال فترتين طويلتين، الأولى (1976-1981م)، والثانية (1986-1992م).

    وعاش البرلمان بعد عام(1992م) أحداثاً كبيرة، فأصبح وسيلة لصراع الأجنحة داخل البيت الحاكم، ونجمت قبله ومعه موجة شعبية قوية مؤيدة للديمقراطية، وانطلقت من الديوانيات في ديسمبر عام (1989م)، وكاد الصدام أن يتجدد لولا وقوع الاحتلال، وما نتج عن اجتماع جدة بتعهد آل صباح فيما يخص عودة الحياة الدستورية، وما أصعب أن يتخذ قرار الإصلاح في الأوقات الحرجة، وما أبركه حين السعة والروية، والله غالب على أمره.
    عنوان القسم الثاني تزايد سخونة المشهد السياسي، حيث استمر التوتر السياسي بعد عودة برلمان التسعينات، ومرد هذا التوتر المتزايد إلى التدخل الأميري في مجلس الأمة، وجذور الخلاف بين مجلسي الأمة المنتخب والوزراء المعين، وقد برز التوتر بصورة مزعجة بعد عام(2006م) وما بعدها.

    ونظراً لمرض سعد العبدالله وعجزه عن الجمع بين منصبي ولي العهد ورئاسة الوزراء، فُصل المنصبان عن بعضهما في عام (2003م)، وبذلك فقد رئيس الوزراء الحصانة التي يتمتع بها، والتي تستند إلى ما رسخ في العرف الكويتي بالامتناع عن نقد الأمير الحالي للبلاد أو الأمير المستقبلي، واستمر هذا الترتيب خلال ثلاثين شهراً تولى فيها صباح الأحمد رئاسة الوزارة(يوليو 2003-يناير 2006م)، بيد أنه انهار بمجرد أن تسلَّم صباح مقاليد الحكم بعد نزاع الأيام التسعة مع سعد العبدالله العاجز كلياً، ومع فرعه آل السالم الذين فقدوا أكثر حظوظهم في المناصب الثلاثة العالية، خلافاً للمعتاد في ترتيب الحكم بين فرعي السالم والجابر من ذرية مبارك. ويعيد هذا التخلص الناعم من الفرع المشارك في الحكم للأذهان تخلص مبارك الدموي من أخويه في ليلة واحدة.

    وأصاب القلق فرع السالم حين ذهب منصب ولي العهد لنواف الأحمد، وآل منصب رئيس الوزراء لناصر المحمد، وكلاهما من فرع الجابر، كما دب التنافس داخل فرع الجابر؛ بسبب الانتقال المحتمل من منصب رئيس الوزراء إلى منصب ولي العهد، وهو ما استكثروه على ناصر المحمد الذي تحوم حوله شكوك ومغامز إن من المنافسين أو المعارضين أو عموم الناس، خصوصاً بعد أن وصفه صباح الأحمد بأنه الأمير السابع عشر للكويت!
    وبذلك تداخلت حسابات النزاعات داخل الأسرة مع سياسات المعارضة، ومهد المشهد السياسي الملتهب لتدخل آل صباح العميق في الفصائل السياسية، والتلاعب بها، وجعلها أداة يضعف طرف بها طرفاً آخر، لتزيد من عوامل عدم الاستقرار، وتقلل من ثقة الناس في أسلوب الأسرة، وفي جدارتها بالحكم.

    وخصص المؤلف القسم الثالث لبحث حركة الاحتجاج خلال2011-2012م، وانطلق الباحث من نتائج الخلافة على العرش بعد وفاة الشيخ جابر الأحمد عام (2006م)، وما تبعها من انتخابات مبكرة متكررة، وحكومات متعاقبة، مما أدى إلى شلل البلاد سياسياً وتنموياً، ونجم عن خيبة الأمل الشعبية بروز شبكات شبابية مستقلة تتقن التنظيم والتواصل عبر الانترنت، وتنهمك في السياسة بطريقة غير معهودة، وتعبر عن طموح الشباب، بعيداً عن انقسامات أسرة آل صباح، وتصارع تيارات البرلمان.
    وظهرت تبعاً لذلك حركة برتقالية تطالب بإصلاح الدوائر الانتخابية، وتنسق أعمالها عبر الإعلام المتحرك والإعلام الاجتماعي، واعتمدت اللون البرتقالي اقتداء بحركة شبيهة في أوكرانيا، ونتج عن ضغط هذه الحركة، وتوحد المعارضة، اضطرار الحكومة لتقليص عدد الدوائر الانتخابية من (25) دائرة إلى خمس دوائر.

    وكانت انتخابات (2009م) متميزة بدخول أربع نساء لأول مرة في البرلمان، كما وافق ناصر المحمد على استجوابه من البرلمانيين في ديسمبر(2009م)، وهذه سابقة في التاريخ السياسي الكويتي، وقد نجا من هذا الاستجواب ومن آخرين بعده، وظهرت عدة مؤشرات تدل على توجه قوي للتضييق على الحريات السياسية والإعلامية في الكويت.

    فمنها مثلا إدانة المحامي محمد عبد القادر الجاسم وسجنه، واعتقال الدكتور عبيد الوسمي، ومهاجمة الديوانيات بعنف واستخدام الضرب المبرح، وموت مواطن تحت التعذيب وهو رهن الاحتجاز، والاعتداء الدموي على الكاتب زايد الزيد، وسحب الجنسية من بعض المواطنين.

    وبعد سقوط زين العابدين بن علي في تونس، تزامن في الكويت حلول ثلاث مناسبات وطنية، وهي ذكرى خمسين عاماً على الاستقلال، وعشرين عاماً على التحرير، وخمسة أعوام على تنصيب صباح الأحمد أميراً، الذي استثمر هذه المناسبات لتذكير مواطنيه، بأن الدولة هي الموزع الوحيد للمال، من خلال هبة أميرية لكل مواطن تشمل ألف دينار نقداً، وتموينات غذائية لمدة أربعة عشر شهراً، ووصف كاتب غربي الحال بقوله: الكويتيون سعداء بالهبة لكنهم ينتظرون خطة التنمية!
    وشهد صيف (2011م) تأسيس حركة سياسية شبابية أطلقت على نفسها "السور الخامس"، وترمز إلى أن العمل بالدستور يحمي البلاد مثلما كانت تفعل أسوار الكويت القديمة. وكانت المجموعات الشبابية الناشئة أقل استعداداً لاتباع قواعد اللعبة السياسية، وأكثراً ميلاً للاقتراب من الخطوط الحمر، واختبار حقيقة " قداستها".

    وبعد فضائح متبادلة بين ناصر المحمد وابن عمه أحمد الفهد، ونجاة ناصر من استجواب نيابي من خلال المحكمة الدستورية، ومن مجموع أصوات الوزراء والنواب الموالين للحكومة، سرت غضبة نيابية وشعبية في مسيرة حاشدة، كادت أن تقتحم قصر رئيس الوزراء لولا تدخل الأمن، وتحول الجماهير الغاضبة إلى مجلس الأمة، واقتحامه بشجاعة نادرة.

    واستمر الضغط على الحكومة، واضطر الأمير صباح لأن يذعن لمطالبات الشارع والمحتجين الغاضبين؛ فقبل استقالة ناصر المحمد، وعين بدلاً منه جابر المبارك، وهو من فرع الحمد الذي لا يحكم في الكويت، ولذا قال النائب د.وليد الطبطبائي بأن جابر المبارك هو آخر رئيس وزراء من ذرية مبارك، وطالب د.حاكم المطيري برئيس وزراء منتخب، وهي مطالبات جريئة، وزاد من وقعها صدورها عن شخصيات إسلامية سلفية.

    ثم حل الشيخ صباح مجلس الأمة، وانُتخب مجلس جديد في فبراير(2012م)، وفازت المعارضة بأربعة وثلاثين مقعداً من مقاعد المجلس الخمسين، مقصين بذلك النساء والليبراليين والشيعة والنخب التجارية، وحصل مسلم البراك على أكثر من ثلاثين ألف صوت، وهو أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الكويت السياسي، ويصدق عليه قول المؤلف بأنه نائب معارض "عتيد". ولأن المؤلف مصاب بعلة المستشرقين فلم يرق له مطالبة هذا المجلس بجعل الشريعة المصدر الرئيس للتشريع؛ مع أن المؤلف وقومه يتغنون بالقيم الليبرالية، ويتعلقون بحرية الرأي؛ ويبدو أنها حرية الرأي الذي يعجبهم فقط!
    ولم يكن غريباً أن يلجأ صباح-وهو الذي لا يخجل من إعلانه معارضة الحكم بالشريعة- إلى تفعيل المادة(106) وتعليق مجلس الأمة لمدة شهر، وهي المرة الأولى التي يعلق فيها المجلس منذ تكوينه قبل خمسين عاماً، وبعد يومين فقط من التعليق أصدرت المحكمة الدستورية قراراً صاعقاً بإبطال انتخابات (2012م)، وإعادة برلمان (2009م)، لتبدأ أزمة عميقة في المشهد السياسي الكويتي، حيث فشل رئيس الوزراء مرتين وهو يحاول عقد المجلس المسترجع، ثم حاولت الحكومة التحايل على قرار تقسيم الدوائر؛ ولكنها لم تفلح لصلابة موقف المعارضة، وامتناع المحكمة الدستورية عن البت في هذا الأمر.

    وبعد أن حلَّ الأمير مجلس (2009م) للمرة الثانية، أصدر مرسوم ضرورة بتخفيض عدد أصوات كل ناخب من أربعة مرشحين إلى مرشح واحد، مما استفز المعارضة، فدعت إلى مظاهرة شارك فيها مئات الآلاف من المحتجين؛ لأن هذا القانون يفتت الأصوات، ويجعل بلوغ المجلس سهلاً على الضعيف سياسياً. وفي مظاهرة الإثنين 15 أكتوبر، وأمام مجلس الأمة، وعلى ساحة الإرادة، خاطب مسلم البراك الأمير صباح مباشرة خلافاً للمتعارف عليه قائلاً: لن نسمح لك بممارسة الحكم الفردي! وغدت عبارته " لن نسمح لك" شعاراً جديداً وقوياً للمعارضة.

    ومع أن مجلس أسرة آل صباح عقد اجتماعاً، وأصدر دعوة غير مسبوقة لطاعة الأمير، إلا أنها لم تجد أذناً صاغية، وخرجت الجموع في مظاهرات "كرامة وطن"، مرتدية اللون البرتقالي، لتأكيد اتصالها مع مظاهرات (2006م)، وردت أجهزة الأمن بعنف، وكادت أن تصل الأطراف إلى مواجهة مفتوحة لولا لطف الله، وفي هذه المرة تداولت منصات الإعلام الاجتماعي أخباراً عن وجود فرق أمنية مستأجرة من دول عربية ملكية غير خليجية.

    وقاطعت جماعات المعارضة الرئيسية انتخابات الأول من ديسمبر، فانخفض الاقبال عليها إلى أقل من 40%، وتبعاً لذلك فاز ثلاثون نائباً بمقاعدهم لأول مرة، وظهرت طبقة سياسية جديدة بخبرة ضعيفة، وتميز البرلمان بتمثيل قبائل ضعيفة، ودخول ثلاث نساء، وسبعة عشر نائباً شيعياً، وتفيد هذه التركيبة الجديدة بمقدار المقاطعة.

    تغير ديناميات المعارضة هو عنوان القسم الرابع، فشباب الكويت كأقرانهم في دول الخليج، يتميزون بمعدلات استخدام عالمية عالية للهواتف الذكية، ومنصات التواصل كتويتر وإخوانه، ولذا أصبحت المجموعات الشبابية هي العمود الفقري للاحتجاجات الأخيرة، ولم تك علاقتهم بالمعارضة التقليدية على وئام أو توافق، وتكاثر نقدهم لما اعتبروه فشل نواب المعارضة في الوصول إلى حكومة منتخبة، وشرعنة الأحزاب السياسية.

    وهكذا سلمت تجمعات الشباب من سيطرة أي مجموعة مصالح، ومع ذلك فقد اضطرت للاندماج في الحركة الديمقراطية المدنية، ودعت إلى التعبئة السياسية تحت شعار حكومة منتخبة وإمارة دستورية، مع التزام بتقليص صلاحيات آل صباح، وتقليل الخطوط الحمر السياسية، وقد أرغم هذا النشاط الشبابي قادة المعارضة التقليدية بالموافقة على مطالب الشبان وتبنيها، لأن الخيار الآخر سيكون الفناء السياسي.

    ويبدو أن هذه المطالب الراديكالية تحولت من عوامل قوة إلى عوامل ضعف، حيث أبانت عن وجود تصدعات تمنع توحد المعارضة في هيئات ناضجة فاعلة، وانقسمت المعارضة بين متصلبين في الدعوة إلى الإصلاح إلى أقصى حد، وبين المعتدلين الذين نأوا بأنفسهم عن المطالبات بإقصاء آل صباح من الحكومة، مع بقائهم في مؤسسة الحكم والإمارة فقط.

    ومهدت هذه الخلافات الطريق لآل صباح كي يخترقوا المعارضة، وصنع الثغرات فيها. واستخدموا الإعلام، والقمع، والقضاء، ومحاولة إظهار تماسك الأسرة، والتواصل مع زعماء القبائل الكبيرة، وانتزاع تعهد منهم بالعودة إلى الساحة السياسية، وفتح الباب لحوار الحكومة مع الشباب، وإطلاق مبادرة "الكويت تسمع"، وفي ذات الوقت فتحت المعتقلات وغرف التحقيق والمحاكم أبوابها لمن لم تنفع معهم "رُقية" الحكومة!
    وفي النتيجة يقول أولريخسن بأن الكويت هي رائدة التنمية السياسية في الخليج، التي وصلت عدواها المبكرة إلى دول مجاورة، ولأن الكويت حلقة في سلسلة، وقوة السلسلة تقاس بأضعف حلقاتها، ونتيجة لأحداث الكويت، أصبحت أضعف حلقة في السلسة الخليجية عام(2012م)، مما جعل المعارضة تواجه ست دول، وعدة أسر حاكمة، وهو ما فاقم الوضع باتجاه صعوبة الحل المرضي لأطرافه، فبقيت الكويت نظاماً هجيناً؛ يجمع الاستبداد مع الانفتاح، والتنوع مع الانقسام، ولم يعد الانقسام حكراً على المعارضة، إذ تغلغل إلى عمق الأسرة الحاكمة، وأحدث فيها شروخاً وتصدعات بدت ظاهرة للعيان.

    ثم أضاف المترجم ملحقاً للصور، وملحقاً آخر بقلم البروفيسور مايكل هرب، وهو أستاذ جامعي أمريكي، وله كتاب عن العوائل العربية الحاكمة، وملخص مقالته أن حكومة الكويت تلاعبت بالبرلمان، وبأنظمة الانتخابات، كي تضعف المعارضة، وتجعل الناس في ملل من البرلمان، وضيق من العملية الانتخابية، مع نسبة أي تأخر تنموي للمد والجزر بين البرلمان والحكومة، وكأن الثانية منزهة عن الخطأ، وبريئة من القصور.

    كما أضاف د. العيسى خمس مقالات للكاتب والمحامي محمد عبد القادر الجاسم، الذي وصف فترة رئاسة ناصر المحمد لمجلس الوزراء بأنه عهد "حيدري" نسبة للثري الشيعي محمود حيدر، الذي يمتلك أذرعة إعلامية، وتجارة رائجة في الكويت التي حصل على جنسيتها بعد أن كان إيرانيا كما يقال، وأشار الجاسم نقلاً عن لقاء متلفز، بأن محمود حيدر يقترح على ناصر المحمد أسماء الوزراء!

    ووجه الجاسم مقالاته للأمير صباح، ولرئيس الوزراء ناصر، ولم يخاطب ولي العهد نواف، وأهم أفكار هذه المقالات ما يلي-مع التصرف أحياناً في الكلمات-:
    1. يجب ألا تظن الأسرة الحاكمة بأن استمرار حكمها من الأمور المسلمة والمفروغ منها.
    2. يحتاج الحكم إلى نظام يصونه، وعقول تحفظه، وإدارة تجيد التخطيط والمتابعة.
    3. الضعف المتراكم من عهد إلى آخر يضعف مؤسسة الحكم وينخر في قواعدها.
    4. لا مناص من إعادة تأسيس الحكم وتجديد أصوله كي لا يتبدد.
    5. مسلسل الضعف سيجعل الحكم منكشفاً تماماً في أحد العهود القادمة.
    6. القوة الموروثة من عهد مبارك ستزول، والقوة الآيلة من عهد عبد الله السالم ستبقى.
    7. لا مفر من التصالح مع الحكم الدستوري، وإعادة البلد لأهلها، وتشييد ما يعرف بالحكم الصالح.
    8. تفكك الأسرة، وخلافاتها، وإسناد إدارة المجلس إلى من لا يعرف الإدارة، أو ضعيف الخبرة نذير شؤم.
    9. كفاءة أبناء الأسرة الحاكمة في تدهور، والضعيف لا يختار في فريقه إلا من هو أضعف منه.
    10. بعض أبناء الأسرة الحاكمة ينادم النطيحة والمتردية، فيؤثرون في ذوقه وعقله وخلقه، مما يجعله غير مؤهل لأي ولاية.
    11. إحساس أبناء الأسرة "بالشيخة" يضعف من قدرتهم على التعلم، ويجعل من حولهم يحجمون عن مخالفتهم، وبالتالي يفقد الأبناء فرصة الارتقاء من خلال النقد والحوار.
    12. أتمنى وقف استخدام المال كوسيلة إسكات وترضية وتمرير.
    13. إقحام النيابة والقضاء في الصراع السياسي دليل على التسلط والفشل.
    14. سياسات تفتيت المجتمع وتقسيمه سوف تضر البلد وإن بدت نافعة لطرف ما فترة من الزمن.
    15. هناك تصادم كبير وواضح بين فكرة الدولة الحديثة ونظام "الشيخة".
    16. يمكن للشيوخ الاستمتاع بسمة "الشيخة" اجتماعياً، وأما في الإطار السياسي وتولي المهام العامة، فعليهم نزع البشت، وتجميد "الشيخة"، والاعتماد على الكفاءة، والمقدرة، والحجة.
    17. الشيخ الذي يتولى منصباً عاماً هو موظف كباقي الموظفين، له مالهم، وعليه ما عليهم.

    وبعد ذلك ألحق المترجم تحقيقاً صحفياً راصداً للاعتداء على الكاتب زايد الزيد، وأصداء ذلك على الحكومة والمعارضة وعموم الفعاليات الكويتية، وكان الزيد عدواً لدوداً للفساد الذي يراه في تضخم حتى أصبح مؤسسة رسمية وأخطبوطاً منتشر الأذرع.

    وأضاف العيسى بعد ذلك ترجمة لمقالة نشرت في نيويورك تايمز، تتحدث عن التحقيق في تحويل الأموال الضخمة لبعض النواب، وهو تحقيق هز الكويت بما يفوق هزات ريختر! وختم مسألة الفساد بترجمة برقية سربها موقع ويكيليكس صادرة عن سفير أمريكا في الكويت، وفيها حديث عن الفساد وشراء الذمم والأصوات.

    وأما الملحق السابع فهو ترجمة لمقالة عنوانها: الكويت: ديمقراطية بلا ديمقراطيين، بقلم البروفيسور ناثان براون، وهو أستاذ جامعي أمريكي متخصص بعلوم السياسة والعلاقات الدولية، ويرى بأن البرلمان رفع سقف الطرح السياسي المحلي، وتسرب النقاش إلى الصحف والديوانيات، وتحول اللون الأحمر المحظور إلى أصفر مباح، لدرجة التناقل العلني لأخبار تنافس أجنحة الأسرة على الحكم والمناصب، وتجاوز البرلمانيون والشباب قبلهم كثير من الأعراف السياسية غير المكتوبة.

    ويلمح براون تراجع دعم الديموقراطية لدى نخب رجال الأعمال، ولدى الحكومة الأمريكية، فالتجار نقموا على البرلمان ما يتهمونه به من تعطيل المشاريع والتنمية وعالم الأعمال، فضلاً عن إقصاء الحضور الكثيف لهذه الطبقة من المجلس. وأما أمريكا فقد ساءها-أدام الله غصصها بعزة أمتنا-أن يكون البرلمان ملتقى للإسلاميين والأحرار مما جعلها تعد مجلس الأمة رسمياً مؤسسة غير صديقة!

    ويقترح الكاتب بعض الإجراءات لعلاج عيوب الممارسة الديموقراطية في الكويت، حتى لا يكون البرلمان والانتخابات مجرد لعبة إلهاء وتفتيت، ومنها:
    1. على العائلة الحاكمة أن تقبل فكرة المساءلة.
    2. على النواب أن يقدموا الصالح العام على المصالح الضيقة.
    3. تصميم نظام انتخابي مناسب لطبيعة المجتمع ويوازن قواه.
    ويختم البروفيسور بجملة غير متفائلة؛ فهذه الإصلاحات مطلوبة من زعامات هي السبب الرئيس في شلل النظام السياسي الحالي.

    واخيراً، ففي الكويت مزايا يمكن أن تصنع منها أنموذجاً يحتذى في الأنظمة الوراثية، وعلى العقلاء في الحكومة والمعارضة الوصول إلى هذا النموذج، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وصم الآذان عن المرجفين في الداخل والخارج، كي تقوى لحمة الناس ووحدتهم في بلد تحيط به أنياب مفترسة من غير ما جهة، فاللهم احفظ بلاد المسلمين من المفسدين، والمرجفين، والمعتدين.


    أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
    @ahmalassaf
    السبت 15 من شهرِ ربيع الأول عام 1437
    26 ديسمبر 2015م

     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية