صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    سيرة مكان!

    أحمد بن عبد المحسن العساف
    @ahmalassaf


    للذكريات الجميلة عبق لاتمحوه الأيام، ويزداد حضور الذكرى إذا كانت مرتبطة بمكان تهفو إليه نفس المرء كالديار ومراتع الصبا، أو إذا تعلقت بزمان يتكرر كالمواسم الشريفة والأعياد، أو كانت متداخلة مع أناس من الأقارب، أو خلص الأصحاب، أو أوفى الأحباب. وربما يكون لذكريات الأعمال والإنجازات طعم خاص بها؛ ولذا تكثر السير التي تحكي مسيرة الإنسان العملية.

    والعراق البلد العربي السني، العراق الغني بإرثه الحضاري، والثري بكنوزه، والجميل بأناسه ونخيله وأنهاره، بلد سكن قلوب أهله وخالط مشاعرهم، فأحبوه كما يحب الناس أوطانهم وأزيد، وكتبوا عنه ذكرياتهم؛ بعد أن حفظوا تاريخه في جميع مراحله؛ خاصة بعد الفتح الإسلامي، إلى أن أبتلي باحتلال الإنجليز، وانتهاء بالاحتلال الأمريكي الذي ترك العراق بشموخه مسرحاً للفرس؛ يعيثون فيه منتقمين من أهله العرب والسنة بما يشبه الإبادة، بل هي إبادة وهرج كثرت فيه أيدي المجرمين والقتلة، والله يعجل بالفرج.

    وهذا كتاب يحمل ذكريات عراقية نخبوية عنوانه:
    في حديقة الملك: سيرة مكان، تأليف ميادة العسكري، صدرت طبعته الأولى عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر عام (2016م)، ويقع في (266) صفحة من القطع المتوسط، ويتكون الكتاب من إهداء فشكر ثم مقدمة، يتبعها عشرة فصول، وعلى غلافه صور للبيت الملكي الهاشمي، ولأقارب المؤلفة خاصة جدها جعفر العسكري، وخال أبيها نوري السعيد، وصورة لوالدتها حين كانت طفلة يبين عليها علامات الثراء.

    أهدت ميادة العسكري كتابها إلى ابنتها فيء وابنها علي، وإلى عراق غربتها، ثم شكرت من ساعدها ببعض المعلومات، وأشارت في المقدمة إلى أنها شغفت بمكتبة أسرتها منذ كانت طفلة، وولد هذا الشغف لديها عدداً من الأسئلة؛ جعلت والدها نزار بن جعفر العسكري يعاني في الإجابة عنها، والحقيقة أن أثر تكوينها الثقافي بادٍ في الكتاب ومحتوياته.

    وكانت تهدف من هذه الأسئلة إلى فهم العراق، إلى أن وصلت إلى نتيجة تشبه ماقاله جدها للملك فيصل الأول حينما سأله الأخير عن أحوال العراق فقال: كل زقاق عراقي بحاجة إلى حكومة لتسيير أموره! ويذكرني ذلك بالزعيم الفرنسي ديجول حين زار لبنان كي يفهم الشرق؛ فوجد أن لبنان-وهو بدعة فرنسية- بلد عصي على الفهم مع صغر مساحته!

    وذكرت ميادة أنها خصصت هذا الكتاب للذكريات البغدادية، ووعدت بكتب أخرى عن جوانب مختلفة من حياة العراق الذي لا يعرف أحد ما ينتظره من مفاجآت، وأكدت حبها للعراق وفترة التأسيس ورجالاته الذين لم يسرقوا الشعب-كما تقول-، علماً أن المؤلفة تحتفي كثيراً بجدها جعفر، وخال أبيها نوري السعيد، وقد يكون لتاريخ العراق أقوال أخرى بعيداً عن التجني والإجحاف، كما أنها أشادت بجدها لأمها رائد القومية العربية ساطع الحصري.

    عنوان الفصل الأول: بغداد..اسم محفور في روحي، وتحدثت فيه عن ذكرياتها في بيت أبيها الذي يقع على شارع العسكري المسمى على جدها، حيث كان بيتهم مجمعاً للضيوف والحفلات التي يتخللها نقاشات سياسية تتفاعل مع أحداث العراق. ومن طريف ماذكرته أن والدتها سلوى بنت ساطع الحصري لم تتعلم مهارة الطبخ قط، ومع ذلك فقد أجادت وبصرامة إدارة الطباخين ومسؤولي الضيافة والخدمة.

    وروت أن جدها جعفر أقترح تسمية أول فوج عسكري عراقي باسم الإمام موسى الكاظم-وهي تسمية ذات مغزى-، وصادف مقترحه استحساناً من المستشارة جروترد بيل، وهي اسم استعماري إنجليزي أنثوي يبرز كثيراً في تاريخ الجزيرة العربية الحديث. وفي السادس من يناير عام 1921م عقد أول اجتماع رسمي خاص بالجيش العراقي، واعتبر هذا اليوم مناسبة احتفالية متكررة إلى يومنا.

    ومن طريف ما ذكرته أن جدها حاز على لقب الباشوية، وترقى إلى رتبة جنرال مع أنه لايزال في الثلاثينات من عمره خلافاً للمعتاد في الجيوش، ولجعفر خدمة في الجيش العثماني، والجيش العربي الذي قاده الإنجليز، وفي جيش العراق. ومما يتميز به العسكري براعته في الطهي، وروحه المرحة التي لا تكف عن الدعابة حتى في ساعات الجد.

    ثم مال الحديث إلى خال والدها نوري السعيد، الذي ظل حاضراً في السياسة العراقية مدة أربعين عاماً من خلال وزارة الخارجية أو رئاسة الوزارة (13) مرة أو أكثر حسبما قرأت، وكان نوري صديقاً لجعفر؛ ولذا تزوج كل واحدٍ منهما شقيقة الآخر، ويطلق في العراق على هذه الزيجات "كصة بكصة"؛ ومن نافلة القول أن وجود مهر لكل فتاة؛ مع حقها في القبول والرفض يبعد النكاح عن الشغار المحرم.

    وكان نوري السعيد رئيساً لأركان الجيش العربي الذي قاده جعفر العسكري لحرب الدولة العثمانية تحت إمرة وتوجيه الإنجليزي الكافر لورنس العرب! ولذا فليس عجيباً أن يكون الرجلان من أركان الحكم الملكي الهاشمي الذي وضعه الإنجليز في العراق.
    وعرجت على جدتها أو "بيبي" كما تقول، وقالت بأن أم طارق كانت شخصية فريدة، ترملت بعد اغتيال زوجها جعفر خلال محاولة الانقلاب على الملك غازي عام 1936م، وربت أربعة أولاد أيتام ورعتهم، ثم اعتقلت جدتها فخرية السعيد على هامش انقلاب يوليو 1958م، واحتجزها عبد السلام عارف في أحد غرف وزارة الدفاع التي أسسها زوجها جعفر، ثم أطلق سراحها في اليوم التالي بعد مقتل أخيها نوري؛ وظلت الجدة على قيد الحياة حتى عام 1973م.

    ومن ذكريات المؤلفة في طفولتها الحافلات الحمر ذات الطابقين، والحمالين الأكراد الأشداء، والنساء المحجبات المتلفعات بالعباءات السود، وتوقفت عند سوق الشورجة وجامع مرجان، وذكرت أن في بيتهم طباخان يتقاسمان العمل في بيت المؤلفة وبيت جدتها، وأحدهما من أصول مصرية قديمة، وكانوا يجيدون الطبخ العراقي بتوابله؛ وبالمناسبة، فالمطبخ العراقي متميز جداً، ومن دعي إلى وليمة في بيت عراقي فليستعد لوجبة شهية دسمة.

    شارع الرشيد هو عنوان الفصل الثاني، وهو الشارع الذي زارته كثيراً مع والدها، ثم كتبت عنه قصة قصيرة حصلت بها على أول جائزة أدبية كتابية لها في الصحافة العراقية، ولهذا الشارع قصة ملخصها أن خليل باشا شقه بين المزارع إرضاء لزوجته التركية التي لم تتحمل حرارة المكان، ويعود شكله المتعرج إلى أن بعض البيوت نجت من قرار الهدم برشوة الأتراك؛ ولذا لم يتخذ الشارع مساراً مستقيماً، بل انحنى بعيداً عن بيوت الذين دفعوا المال اتقاء الهدم، وامتد بمحاذاة نهر دجلة، وهو أطول شارع في بغداد، وأطلقت الحكومة العراقي عليه اسم الرشيد عام 1922م، بعد أن كان له اسم بريطاني، واسم تركي.

    ويقع البنك المركزي في موقع قريب من الشارع، وفيه أعتمدت أول عملة ورقية عراقية تحمل توقيع العسكري، ويزخر الشارع بعدد كبير من المقاهي، وكان في بغداد (184) مقهى خلال القرن التاسع عشر، وجاءت تسمية قدح الشاي "استكان" من جنود الاحتلال الإنجليزي للعراق كتمييز لكوب الشاي الشرقي عن القدح الهندي، ويعود تاريخ تأسيس أول مقهى في بغداد إلى عام 1590م إبان الخلافة العباسية.

    وحمل الفصل الثالث اسم والدة المؤلفة: سلوى الحصري، وهي ابنة ساطع الحصري المولود في محافظة لحج اليمنية حيث كان والده يعمل قاضياً للدولة العثمانية، وهو أول وزير للتعليم في الدولة العربية بسورية، ونظراً لصداقته مع الملك فيصل الأول؛ فقد زار الأخير طفلة الحصري-سلوى- بعد ولادتها، ووضع في يدها لؤلؤة كبيرة. ووصفت المؤلفة أمها بالجمائق الفائق-والدة سلوى تركية ألبانية-وبالقدرة العجيبة على تنسيق المائدة، فضلاً عن صرامتها الشبيهة بالسلوك العسكري، وهي خريجة الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة أكسفورد، وكانت مغرمة بالتحف والتصميم؛ وليس لها أدنى قدرة على سلق بيضة أو صنع إبريق شاي!
    الفصل الرابع عنوانه قصر شعشوع، وهو قصر بديع يملكه يهودي اسمه شاؤول شعشوع، واستأجره الملك فيصل مع أسرته عام 1920م في أول قدومه للعراق؛ وكان الملك قد غير مساره إلى البصرة بدلاً من بغداد، وغايته لقاء علماء النجف وكربلاء ليعقد معهم اتفاقاً قبل تتويجه ملكاً على العراق، وقد يكون تصرفه ذاتياً، أو بإشارة من "الخاتون" جروتردبيل التي كانت توصف بأنها ملكة العراق غير المتوجة!
    شارع المتنبي هو عنوان الفصل الخامس، ويبدو أن للشوارع في بغداد تاريخ عريق ونكهة خاصة يتميز بها شارع عن آخر، والمتنبي هو شارع الطباعة والقراءة والثقافة، ومن أبرز مكتباته النهضة، ومكتبة المثنى-التي التهمتها النيران عام 1996م- لقاسم الرجب، وهو ناشر عراقي كبير، وسبق أن استعرضت كتاباً عنه رحمه الله. وكان تجار الطباعة في شارع المتنبي يعرفون بعضهم؛ لأنهم يلتقون كل شهرين في مؤسسة حكومية لتلقي تعليمات النشر، ومن المفارقات أن هذه المؤسسة اسمها دار الحرية للطباعة والنشر!
    وكان الشارع بمكتباته ومطاعمه مكاناً مرتاداً من الملوك وعلية القوم، وزاره كبار المثقفين من ضيوف العراق كالشاعر الهندي طاغور، وكثيراً ما تردد عليه الحصري والعسكري والسعيد، ومن المؤلم حقاً أن يضطر علماء العراق لبيع مكتباتهم الثمينة بثمن بخس تحت وطأة الحصار الظالم؛ حتى أصبح يوم الجمعة مزاداً للكتب والمكتبات، وإن العراق وأهله وأرضه وثرواته ومكتباته لفي ذمة من خانه وخذله.

    وأما الفصل السادس فعنوانه: شكيب في سوق الغزل، وفيه تحدثت عن حروب أمريكا ضد العراق، وسنوات الحصار المريرة التي جعلت العراقي يفقد إنسانيته كما تقول، حيث فرض "المجتمع الدولي" حصاراً خانقاً، وترك أهل العراق يواجهون مرارات الحصار وبغي الحاكم وحدهم دون نصير أو مغيث يدفعه حمية دين أو عرق أو جوار أو آدمية على أقل تقدير. علماً أن "شكيب" هو اسم كلب-أكرمكم الله- سرق من الكويت بعد احتلالها، واشترته الكاتبة لأطفالها من بائع في سوق الغزل ببغداد.

    عنوان الفصل السابع: أبو نواس الشاعر والشارع، ومما يؤسف له أن يرتبط اسم هذا الشاعر بالخنا والخموريات، مع أن تراثه فيه من شعر الحكمة والتأله؛ إلا أن بعضنا مبتلى بالتركيز على الغرائزيات وتجنب الحكمة والتأمل. وقد ذكرت المؤلفة أبرز مطاعم هذا الشارع كالمسكوف وجبار أبو الشربت، وعلى مقربة منه تقع دار الدكتور صائب شوكت، وهو أبو الطب في العراق كما تصفه، وهو أول طبيب عراقي يدّرس علم التشريح في الكلية الملكية للطب بالعراق؛ مع أنه درس الطب اضطراراً بسبب أنها الكلية الوحيدة المتاحة في تركيا إبان الحرب العالمية الأولى.

    ناد في بغداد هو عنوان الفصل الثامن، وفيه تحدثت عن تحطيم تمثال صدام حسين بأداء مسرحي في ساحة الفردوس بواسطة الدبابات الأمريكية، ومع أن العراقيين أو بعضهم فرحوا بذلك حينها إلا أن ما آلت إليه أوضاع العراق بعد ذلك جعلت البعض يقول بأن أيام صدام أقل سوءاً من حاضر الحكومة الطائفية، وعبرت المؤلفة عن الواقع بمثل عراقي صادق يقول: المطر الأسود جاء من غيم أسود!
    والنادي موضوع الفصل هو نادي العلوية، أسسه الإنكليز عام 1924م، والتحق به العسكري والسعيد كأعضاء شرف، وهو من أفكار جروترد بيل حين كلفت الميجور جيمس ويلسون-نائب مدير الأشغال في بغداد ثم مديرها- بوضع خطة لإنشاء ناد على غرار الأندية البريطانية، علماً أن ويلسون أنشأ عدة معالم معمارية في العراق، وكان النادي موئلاً "لنخب" بغداد، وتقام فيه حفلات رقص المراهقين وأعياد الميلاد، وللنادي تقاليد صارمة فيما يخص اللباس الرجالي، ومن طريف ماذكرته المؤلفة أن والدتها وصديقتها دعيتا لحفلة في النادي يتبعها قفز مشترك في بركة السباحة؛ ونظراً لأن المرأتين لبستا بالصدفة فستاناً واحداً، فقد اضطرت سلوى لتغيير ثوبها؛ ورسوم عالم النساء غريبة ومتعبة!
    الفصل التاسع يحمل عنوان فيسبوك سلوى، وتحدثت فيه عن قوة شخصية أمها، ومقاومتها لمرض السرطان دون الخضوع لعلاج بانتظار معجزة تشفيها منه وهذا ما لم يحدث، وهو ما حدا بالمؤلفة إلى التعامل المبكر مع ذات المرض حين أصابها، وهي تخالف أمها في آراء سياسية واجتماعية كانت سبباً للجفوة بينهما؛ كما أنها تجيد الطبخ خلافاً لوالدتها. ومن حزن المؤلفة على أمها أن كتبت قصة قصيرة بعنوان "سلواتي" وهو الاسم الذي كان يناديها به والدها الحصري.

    ومن لطيف ما ذكرته أن والدتها أكلت عين الخروف مرة واحدة في حياتها من يد الشيخة فاطمة زوجة الشيخ زايد حاكم أبو ظبي. وذكرت بأن أمها كانت تشترط عليها وعلى أختها قراءة كتاب والنقاش حوله قبل شراء أي لعبة، وبذلك تولد لديها حب القراءة كعادة يومية، ولم تعد أمها تستخدم الكتب كمكافأة.

    وقد خصصت هذا الفصل للحديث عن نساء في حياتها، وبدأت بالأميرة وجدان بنت الشريف فواز المهنا، وهي أول امرأة تعمل في السلك الدبلوماسي الأردني، ثم تكلمت عن علاقتها مع جين بارك وهي أمريكية لها عناية بما حل في العراق من دمار بسبب الحرب والحصار، وشاركت مع الكاتبة في تأليف كتاب عن تجربتها مع سجون صدام. ومن نساء هذا الفصل مصممة الأزياء ثيا بورتر، ولشقيقها عناية بالشرق الإسلامي من خلال تأليف عدة كتب أحدها بعنوان: أبو نضال: مسدس للإيجار!
    ثم تحدثت عن الدكتورة ميري كينج مبعوثة كارتر للسلام في الشرق الإسلامي، ومعها زميلها بيير سالنجر الذي ألف كتاباً عن أسرار حرب الخليج وملفاته؛ وقد مات في فرنسا وفي نفسه حسرات وغصص من فوز جورج بوش برئاسة أمريكا! وقبل الختام كتبت عن الرسامة والنحاتة العراقية نهى الراضي التي نقلت للعالم آلام العراق من الحرب عبر كتابها "يوميات الحرب"، وأخيراً وقفت بإكبار عند صبيحة الشيخ داوود أول محامية وناشطة عراقية، وهي ابنة أسرة دينية بارزة، وحين أنشدت بجرأة غير معهودة عام 1922م شعراً دون أن تلبس الحجاب، وكان عمرها ثمانية أعوام فقط، أصر الملك فيصل على تسليمها الجائزة بنفسه، وفي القصة ملمحان، أولهما انتشار الحجاب حتى عند الصغيرات، وثانيهما أن الملأ يشجعون التمرد الاجتماعي؛ وهو أمر غير مستغرب على من ينصبه الكفار على المسلمين! ومن اللافت أنها كانت الطالبة الوحيدة في كلية الحقوق، وحضرت الدروس في مكان معزول عن سائر الطلبة بستارة.

    عنوان الفصل العاشر والأخير أعمدة العراق، وفيه جعلت المؤلفة الحديث عن الرجال بعد أن فرغت من النساء وقدمتهن، وبدأت هذا الفصل الأخير بخبر حزين عند كل محب للكتب، فحين غادرت العراق عام 1999م تركت خلفها مكتبة عامرة بالكتب تضم ثلاث مكتبات هي مكتبة والدها، و كتب جدها، ومكتبة والدتها.

    وتحدثت عن الملك فيصل ورجالاته في سورية والعراق خاصة يوسف العظمة مؤسس الجيش السوري، ومما ذكرته تمثال الملك فيصل في الصالحية الذي نصب دون موافقته-كما تقول-، ثم أنزله الانقلابيون عام 1958م، وأعاده صدام عام 1989م بإشراف النحات العراقي المقيم في إيطاليا علي الجبري.

    ثم أسهبت عن جدها جعفر العسكري، الذي ينتسب لقرية عسكر في نواحي أبريل، وعمل في الجيش العثماني والألماني والعربي(بقيادة الإنجليز) ثم العراقي، وخدم ميدانياً في البلقان وليبيا ومصر والشام والجزيرة العربية والعراق، وكان يجيد العربية والتركية والكردية والفارسية والألمانية والفرنسية والإنكليزية، وعلى يديه تأسس جيش العراق ووزارة الدفاع، لكن نهايته كانت مأساوية على يد انقلاب بكر صدقي عام 1936م حين أمطره جنود الانقلاب بوابل الرصاص قرب بعقوبة. وأشارت المؤلفة لكتاب ابن عمها عن مذكرات جدهما الذي قدم له السياسي العراقي والكاتب نجدت فتحي صفوت.

    ثم انتقلت إلى جدها من أمها ساطع الحصري الذي رافق الملك فيصل في الشام والعراق، وتعلم منه أكل اللحم باليد دون الحاجة إلى شوكة وسكين، وطاف بالبلاد لتقدير حاجاتها التعليمية، وتولى تهيئة غازي للحكم بناء على طلب أبيه، وحتى يرتقي بقدرات غازي العقلية وسماته الشخصية، كوَّن له فريقاً من أميز الطلاب كي يختلط بهم ويرتفع وعيه وفهمه، وتتحسن صفاته الشخصية؛ ومشكلة بعض أبناء الأسر الحاكمة أنهم لا يجدون حولهم من يناقشهم ويحاورهم بصدق، ولذا تنخفض قدرات بعضهم بسبب المحيطين بهم من المطبلين والزمارين.

    وحشرت المؤلفة الخاتون جروتردبيل ضمن فصل الرجال مع أنها امرأة، وقد يكون السبب أن حضورها السياسي فاق كثيراً من الرجال؛ بل كانت سيدة عليهم، وكان الملك فيصل يناديها ب"كارداش" التي تعني شقيقتي باللغة التركية التي يشتركان في إجادتها. ودرست الخاتون العلوم السياسية وكانت تجيد أيضاً العربية والفارسية؛ وهي امرأة جسور مغامرة.

    ومن الطريف المحزن أنها أخبرت الحصري بأن الناس يسألونها: هل مسموح لنا بأن نذهب لفيصل لتهنئته؟ وكانت الماكرة تقول لهم: فيصل هو اختياركم، مع أنها تعلم أن الإنجليز فرضوه! وأكملت الخاتون حديثها لساطع متمنية أن يأتي اليوم الذي يستأذن الناس فيه فيصلاً لزيارتها. وكانت تؤكد على فيصل الاهتمام باللغة الكردية أكثر من اللغة الإنجليزية كي يخاطب بهاء جزءاً من شعبه، ثم ختمت هذا الفصل والكتاب بالحديث عن نوري السعيد؛ الذي كان يضم عين العراق ابتعاداً عن كسر عين بلده.

    والله أسأل؛ أن ياتي يوم قريب يأمن فيه العراق ويهنأ أهله، وتتطهر أراضيه من دنس الصليبين، ورجس الصفويين، وشرور الغلاة، وكيد الخائنين؛ حتى يصبح العراق موئلاً للقوة، والحضارة، والأدب، ومنطلقاً لكل خير يعود بالنفع على أمة العرب والمسلمين؛ وأن تصبح حواضره: بغداد والموصل والبصرة؛ إضافة إلى مدنه الشامخة كالفلوجة وديالي وأربيل وبعقوبة والنجف وغيرها آمنة مطمئة متآلفة مع باقي ديار المسلمين؛ في منظومة تسر المؤمنين، وتشفي غيظ قلوبهم، وتسوء كل كافر أو منافق أو مرجف.


    أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
    @ahmalassaf
    الثلاثاء 09 من شهرِ رمضان عام 1437
    14 من شهر يونيو عام 2016م
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية