اطبع هذه الصفحة


رجل في محيط النساء!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


عندما يخلو الرجال مع بعضهم، يخوضون في شؤون كثيرة، فيختلفون عند طرق باب السياسة، وتتباين آراؤهم في موضوعات التجارة، وترتفع أصواتهم عبر نقاشات حادة فكرية، ورياضية، وفنية؛ ويكون الجدال ثقيلاً على بعض الحضور؛ فيلتزمون الصمت المطبق، وقد يشوب صمتهم تململ، أو شعور بالغثيان.

بيد أن للرجال في مجالسهم أحاديث سمر ماتعة، تحلو ولا تخبو، ولا يسأم منها أحد، وقلما يقتصرون فيها على مجرد السماع السلبي، وتكاد أن تنحصر هذه الميزة في الكلام عن النساء، فهنَّ فاكهة أحاديث الرجال. ويختلف نوع الحديث، ومستواه، وأدبه، طبقاً لعوامل عدة؛ منها أعمار المشاركين، وتجانسهم، وطبيعة ثقافتهم، وتكوينهم التربوي، وسمت المجلس.

والأمر ليس قصراً على الرجال؛ فالنساء كذلك يعتبرن الرجل فاكهة مجالسهن، وبعد أن يفرغن من خبر الأسواق والأزياء والجمال والمطبخ-وجلُّها لأجل الرجل- يرجعن بالكلام عليه، وعنه، وحوله، على غرار قول إحداهن ويلي عليك، وويلي منك يا رجل!

ومن الطبيعي أن تتنوع أقوالهن، وتتباين صراحة وعمقاً، حكمة وحمقاً، بحسب السن، فالمرأة الفانية تتحدث دونما حواجز؛ ولديها رصيد من الخبرة والسبر، بينما تدلف حديثات العهد بالزواج إلى الموضوع بحذر وخجل؛ فضلاً عن غرارة التجربة، وفي الغالب لا تشارك فيه الأبكار والصغيرات إلا استراقاً للسمع. وإني لأظن أن مجالس النساء، المشهورة بفقدان الانصات، وغرابة طريقة بدء الحديث، وإكماله، ومقاطعته، لا تنتظم إلا إذا كانت السهام مصوبة نحو الرجل!

ويتشارك الرجل والمرأة في الحوار الذي لا ينتهي عن موضوعات تشمل نقد أخطاء المجتمع بطهورية متصنعة، وأخبار الرقى والرقاة، والسحر والسحرة، والعين، والجن، فضلاً عما ينتشر في وسائل التواصل الاجتماعي من حوادث، وإشاعات، وطرائف، وغرائب.

ومع الأسف، فغالب ثقافة الرجل تجاه المرأة، والعكس، تنال بالتلقي من هذه المجالس العفوية وأضرابها، لغياب البديل المنهجي، وضعف البعد التربوي عند كثير من الآباء والأمهات، فمَنْ من الرجال يغرس في أولاده الذكور حقوق أمهاتهم، وأخواتهم، وزوجاتهم، وبناتهم؟ ومَنْ من النساء تخبر بناتها عن الواجب تجاه أبيها، وأخيها، وزوجها، وولدها؟ وبالتالي يتشرب الفتيان والفتيات الثقافة التلقائية، وقد تكون خاطئة؛ أو منطلقة من تجربة فردية ضيقة، لكنها تدمغ حياة الفتى والفتاة بطابعها دهراً طويلاً.

والمرأة الأساسية في حياة الرجل، هي أم، وأخت، وزوجة، وابنة، وبالمقابل فالرجل الرئيس في حياة المرأة، هو أب، وأخ، وزوج، وابن. ولكل طرف أهمية كبرى عند الآخر، فالمرأة خلقت من ضلع الرجل لتكون قريبة من عقله وقلبه، وليحرص عليها أشد من حرصه على سلامة جسده، فهي جزء منه، لا تستقر إلا بوجوده، وهو بدونها ناقص مشتت.

فبين يدي الأم، يقف الجلال والبهاء، ويعجز التعبير عن وصف معاني الإحسان، ولذا فمهما قيل عن البر، والرفق، والتذلل، وخفض الجناح، فهو لا يوفيها حقها، ذلكم الحق الذي أكدته نصوص الوحيين الشريفين، وتتابع عليه الخيرة البررة منذ فجر التاريخ وحتى تنتهي الدنيا، فهي فطرة، ومروءة، وأداء واجب، وديانة، وليس أخزى من رجل فظٍّ غليظ بين يدي أمه، فعند مقامها السامي، لا مكان لغير العمل السامي.

وأما الأخت، فلها حق العون والتكريم، والوقوف سنداً إلى جانبها في شبابها الغض، وبعد أن تتزوج وتغدو أماً، وحتى يفرق الموت بينها وبين أخيها، فهي من الأخ بمكان، وكيف لا يكون لها هذه المكانة، وهي تجتمع معه في أب أو أم، أو فيهما معاً، وإذا ضيمت، أو ضاقت، فلن تجد نصيراً لها أصدق-بعد أبيها- من أخيها، ولا يتوقع أن يفزع أحد للوقوف بجانبها قبله، أو هكذا يجب، ولا بركة في أخ يتجافى عن أخواته وإن جفونه.

والبنت ريحانة القلب، وأنس الحياة، وبهجة البيت، وأي بيت يخلو منها فقد خلا من اللطف، والأناقة، وأُبتلي بالجفاف، والذبول، وواجب على أبيها حسن التربية، وكمال التوجيه، مع الحنان، والرفق، وتلبية المطالب، والقرب من عقلها، وروحها، فما من رجل يصدق غاية الصدق مع امرأة إلا إذا كانت ابنته!

ولأن الزواج ميثاق غليظ، ورباط مقدس، كان للزوجة على زوجها حق التكريم، وفضل بلوغ مرتبة الخيرية، بحسن القوامة، وجميل المعشر، وعظيم الرفق، وغزير الحب. وما نقل الرجل المرأة من بيت أهلها ليهينها، أو يسيمها خسفاً، أو ليجعلها مسلوبة الحقوق، كسيرة الجناح، مغموزة الجانب، ولا تظهر كمالات الرجال إلا برقي العيش مع الزوجة، فلا يتعامل معها للمتعة والتناسل فقط، بل هي قبل ذلك قلب يستحق أن يعمر بالحب، وروح ينبغي أن تغمر بالسعادة، وإنسان لا مناص من التغاضي وعدم الاستقصاء معه، فما استقصى كريم قط، وكرام الرجال لا يستأسدون على النساء.

ولأمر ما، قيل بأن وراء كل رجل عظيم امرأة، فهي السند، والملهمة، وبلسم يعالج نوائب الزمان، ولن نذهب بعيداً، فموقف أمنا خديجة-رضي الله عنها- من سيدنا-صلى الله عليه وسلم- خير مصداق لذلك، بل إن المرأة أول من آمن بنبوته، ونالها العذاب بالقتل، والنفي، والطلاق، ثم أحاطت المرأة بالجناب الكريم عبر بناته وأزواجه، حتى كانت وفاته بين يدي عائشة، ونالت فاطمة شرف اللحاق المبكر به-رضي الله عنهن جميعاً-، وحق للمرأة المسلمة أن تفاخر بذلك وتباهي.

والأمر ذاته يكرر للمرأة تجاه رجالها، فوالدها تاج رأسها، وحقيق بها ألا تشين هذا التاج، وأخوها ركنها القوي، ومن الحكمة ألا تكسر هذا الركن، وزوجها جنتها وحياتها، والحصيفة من سلكت دربها نحو الجنة بلا عثار، وصيرت حياتها أنيسة بشريكها، والولد ثمرة الفؤاد وبهجته، وواجب على الأم أن تجعل من ابنها رجلاً مكتملاً، وليس رجلاً بشعور فتاة، وطبع امرأة، وتفكير أنثى تجاه من حولها!

وعوداً على الرجل، فمن أفضل ما يفعله مع هذا المجتمع النسائي الذي يحيط به من جميع الزوايا، ولا يستغني عنه البتة، ولا يمكن أن ينفك عنه أبداً، ما يلي:

أولاً: التعامل معهم كما أوجبه الله، ابتغاء الأجر من عنده، ثم وفق مقتضيات العرف، والمروءة، والشيم النبيلة.

ثانياً: ألا ينتظر جزاءً مقابل ما يقدمه لأخته، أو زوجته، أو ابنته، بل ولا يتعجب إن وجد منهن صدوداً، أو نكراناً وإجحافاً، وأما الأم فهو يرد لها شيئاً من فضلها، ومع ذلك ستكون الأكثر وفاء وعرفاناً له.

ثالثاً: حين يستمع الرجل لأحاديث النساء، خاصة إذا كان الكلام من امرأة عن أخرى، أو عن رجل من محيطها، فعليه ألا يأخذه على أنه قول نهائي، أو دقيق، أو صحيح، فجلُّ كلام النساء عن محيطهنَّ، خليط مركب من ظنون ومشاعر، وتراكم مواقف، وتفسيرات مشبعة بسوء الظن، فضلاً عن أن الأصل في حديث الأنداد، وأصحاب المصالح المتضادة، عن بعضهم البعض، ألا يقبل دون فحص، وتمحيص، وتفلية. وأفضل تعامل من حديث هذا الرباعي عن بعضه، هو السماع ثم النسيان، ما لم يكن في الكلام ما يستدعي الوقوف والتحقق منه، وهو أندر من النادر.

رابعاً: ستظل كل واحدة من هؤلاء النسوة تراك أيها الرجل كتوماً عنها، غير صادق في كلامك معها، وأن خير ما عندك مبذول لغيرها، فلا تحزن، واطلب رضى ربك، وارفق بنسوتك؛ دون أن تحاول البرهنة لهن بخلاف ما يعتقدنه؛ لأنك ستتعب، دونما طائل.

خامساً: ستظل أمك تراك صغيراً مهما كبرت، فاستمتع بين يديها بتذلل الصغير، وحاجته الدائمة لأمه، كي لا تشعر الأم بانفصالك واستغنائك عنها.

سادساً: لدى زوجتك-كما يقول صاحبنا الإمبراطور- ملفات سود عن مواقفك معها، وبمجرد أن تستثيرها ستقذف عليك حمم غضبها، وظنونها، وربما افتراءتها، فلا تعجب؛ وما عليك إلا أن تلوذ بالصمت، وتستغفر لها، وتمضي في حياتك وشؤونك، ولا تحرم نفسك ما أحله الله لك، طلباً لرضى من الأصل فيه تجاهك عدم الرضا!

سابعاً: تكون المرأة عاقلة بين صويحباتها، حكيمة في بيت أهلها، بيد أنها تفقد توازنها، ويتبخر جلُّ عقلها وحكمتها عند زوجها، وعلى الرجل، حسن تقدير ذلك، بالصفح، وضرب اللوم عنهن صفحاً.

وقد خلق الله الرجل والأنثى ليكمل بعضهم البعض، ويكون لكل واحد منهم موقعه على خارطة الحياة، ورسالته في المجتمع، وما اختل بنيان أي مجتمع إلا حين ترك كل جنس موقعه، ونافس الآخر في مكانه لدرجة المزاحمة، فكان كالمنبت الذي لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى.

فما أكمل أن يكون الرجل رجلاً بخيريته، وعقله، ونبله، وأناته، وحلمه، وما أجمل أن تكون المرأة امرأة بعاطفة صادقة، وحنان بالغ، وحياء سابغ، وزكاء مع ما حباها الله به من ذكاء يصل إلى مرتبة الدهاء في أحايين كثيرة، حتى أنه يزداد بزيادة عمرها، فتحل العجوز وتعقد ما يعجز عنه بعض الرجال الكبار.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الجمعة 13 من شهرِ شوال عام 1438
07 من شهر يوليو عام 2017م


 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية