اطبع هذه الصفحة


الشيخ السبيعي والرحيل الفخم!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


في يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر ذي القعدة عام 1438، توفي الشيخ محمد بن إبراهيم السبيعي عن عمر تجاوز المئة ببضعة أعوام، بعد حياة عامرة بالمكارم، مليئة بالفضائل، محاطة بالغنى، مزدانة بالجاه العريض، وإن كانت بداياتها متشابكة مع الفقر، واليتم، وشظف العيش، وكثرة التنقل بحثاً عما يبقي على الحياء والحياة، فاللهم اجعل وفاته في هذا اليوم من حسن الخاتمة له؛ خاصة مع تداول خبر الوفاة في ساعة الاستجابة.

وحين توفي الشيخ السبيعي، كان له في كل خير سهم، وفي كل بلد أثر، ولو مررت بأكثر بقاع بلادنا الطاهرة، وسألت جلّ الأعمال الخيرية: الاجتماعية، والطبية، والتعليمية، والتطويرية، والدعوية، والإغاثية، لبرز لك اسم محمد بن إبراهيم السبيعي مع شقيقه عبد الله، فعليهما يصدق قول سيدنا -صلى الله عليه وسلم-: "نعم المال الصالح للعبد الصالح"، فاللهم تقبل العطاء، وضاعف الجزاء، وبارك فيما بقي، واجعله ممن يُقال له: ربح البيع أبا إبراهيم.

وقد كان الشيخ الثري إماماً في العمل، والصبر، والتوكل، والاجتهاد، والتربية، والبر، والإنفاق، وصرم سني عمره بما يجعله مثالاً سابقاً، ونموذجاً سامقاً، للمروءة، والإنجاز، وطهارة السيرة، ونقاء السريرة كما نحسبه. وأي لسان صدق في الآخرين، وإمامة خير في الباقين، يحوزها من سبق غيره لميادين الجود، حتى شيَّد صرحاً يشار إليه بالبنان، ويسعى الأثرياء، والخيرة من الناس، إلى الاقتباس منه، والاقتداء به.

وللشيخ علاقات وثيقة جداً بأسرته، وجيرانه، وأصدقائه، وبعدد كبير من التجار، والعلماء، والأمراء، والملوك، ويكفي لمعرفة ذلك قراءة سيرته المختصرة التي أعدتها كريمته هدى، والتي آمل تطويرها وتوسيعها لتكون معلمة عن حياة راحلنا الشهم، أو النظر في ديوان شعره بعنوان: تاجر وشاعر، والأدب مع المال قلما يجتمعان، حتى قالت العرب لمن افتقر: أدركته حرفة الأدب! وفي شعره عاطفة صادقة تجاه أسرته وبلاده وصحبه، وفيها طُرف كما في فروة السبيعي المبتلة في فجريات الشتاء الجميلة!
ويمتاز الشيخ بهضم النفس، والتواضع، ونسبة إحسانه للغير، فحين افتتح وقفاً قرآنياً ضخماً باسم والدته نورة العماش رحمهما الله، كان يخاطب العاملين وكأن الفضل لهم وليس له، وإذا صدر تبرع مالي بشيك طلب أن يوقع عليه عسى أن يكون شريكاً في الأجر مع أنَّ المال ماله! ويتحفظ كثيراً على صرف الأموال على التقارير وفي الترتيبات الإدارية، بيد أنَّه أجود ما يكون إذا ما نادى داعي الخير والإنفاق، وأما الدعاية لنفسه فيمقتها جداً.

ومن أعظم سماته، علاقته الخاصة بشقيقه الشيخ عبد الله، ومقدار التطاوع بينهما، والثقة، والحب، وهي قصة جديرة أن تدَّرس في زمن العقوق، ووفاؤه الكبير لعمه ناصر؛ حتى أنّه كان مستعداً لصرف الأموال الطائلة كي لا ينطمس اسم عمه، الذي استنكر على ابن أخيه في طفولته، الانشغال برقم من أربع خانات، ولم يعلم العم ناصر، بأنَّ الطفل محمداً سيوقف له رقماً من تسع خانات!
ويستبين من سيرته حبه لزوجه الراحلة والباقية، وعاطفته الفياضة تجاه أولاده وبناته، ونبله مع أصدقائه الذين كانوا معه في بداياته العملية على وجه الخصوص، ومن قرأ وصيته تيقن أنه أمام رجل تجري المروءة في دمه، ويختلط النبل مع أمشاجه وجيناته، وأن الوفاء يلتصق به حتى لا يفارق أحدهما الآخر، ولن يستطيع قارئ الوصية منع عينيه عن سواجم الدمع وسواخنه، ولا غرو فالشيخ يحسن اختيار الأصدقاء والرجال، وهم أهل لمعروفه وصلته وكرمه.

ومع أن سنَّه كانت مرتفعة، إلا أنه كان حريصاً على الذهاب لمقرات عمله، وأداء الصلاة مع الموظفين، والآذان والإقامة لصلاة الظهر، وحث العاملين على المبادرة للفرض وترك العمل، وفي صوته جمال الأداء النجدي القديم، وروحانية المشتاق للقاء ربه، فاللهم ضاعف حسناته، وتقبل إحسانه.

وفي حياته؛ كان المشي للمسجد البعيد رياضة لديه وعبادة، ومن قوة حافظته أنه يصحح أشعاره لأبنائه وهم يقرؤونه عليه، وتسعد نفسه بأسمار الأدباء والشعراء. وفي شراكاته التجارية عجب عاجب، فالشيخ سليمان الراجحي يمارس الصيرفة، وينافس السبيعي في التجارة، ويتخذ من منزل السبيعي بيتاً له، ومن دكانه مقراً له! ومن النوادر البهية أنه اختلف مرة واحدة مع شريكه العصامي الكبير الشيخ سليمان الغنيم رحمه الله، وكان خلافهما على ثلاثين ألفاً، وهو مبلغ كبير في حينها، وأغرب ما في هذا الاختلاف، أن كل واحد منهما؛ يقول لصاحبه: هي لك!

ولا نملك مع حلول ساعة الجمعة، وقرب وقت الصلاة عليه مغرب هذا اليوم، إلا أن ندعو للشيخ بالرحمة والقبول، والتثبيت على القول الثابت، وأن تكون ليلته سعيدة أنيسة، ونضرع لربنا أن ينير مرقده، ويبرد ضريحه، ويجري ثوابه، ويحسن عزاء شقيقه، وزوجه الوفية، وأنجاله الأماجد: إبراهيم، وناصر، وعبد العزيز، وأخواتهم الكريمات، وأحفاده وأسباطه، وكلّ من اتصل بهذا الرجل النّادر بنسب، أو سبب، أو عمل.

وحقيق بكل ذي ثروة ألا ينتظر الخير من غيره، فمهما كان بر بنيه، فالأفضل له أن يوقف ويتصدق، ويرى ثمار ماله، وبركات وقفه، ويتخذ من الشيخ السبيعي قدوة وإماماً، فمع اشتهار بنيه بالبر، وحب الخير، والهبَّة للإنفاق، إلا أنّه قدم وقفه في حياته، كي يعظم أجره، فهو الذي وقف المال على شدّة حب الإنسان للمال، وكم من ثري ركن إلى ورثته، فما أنصفوه ولا أكرموه. فيا أصحاب الأموال، قدموا لآخرتكم، فهي الباقية، واحذروا إحالة الأمر لمن بعدكم؛ فالمال فتنة قلما ينجو من حبالها أحد.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرياض
@ahmalassaf
الجمعة 26 من شهرِ ذي القعدة الحرام عام 1438
18 من شهر أغسطس عام 2017م

 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية