اطبع هذه الصفحة


كتيبة من أقلام وكلمات!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


الحياة مواقع وفرص، ولا مناص فيها من المسابقة والاحتكاك، والتّدافع والتّزاحم، وهي من سنن الله الباقية في الأرض، وفي عالم الأفكار، والتّجارة، والرّياضة، ولا أبالغ لو قلت في جميع الشّؤون، ولا مكان للفجيعة من كمون بعد ظهور، وإنّما الشّأن للعمل مع الأمل، فبعد كلّ جزر امتداد.
ومن أجمل الفعاليات المترافقة مع معارض الكتب، تلك اللقاءات التي يمتزج فيها حسن التّنظيم، مع كمال الاستعداد، وأهميّة الموضوع، مع حضور الأذهان المتوقدة، فيتشارك الجميع في الحوار، ثمّ تنشر ثمرته في لباب مختصر.
ولذلك أجبت دعوة كريمة من صديق قديم، للحديث مع شباب نابه عن المدافعة بالكتابة، واشترطت للموافقة ألّا أنفرد بالكلام؛ فلابدَّ من إثرائهم الموضوع، بالتّعقيب، والإضافة، والاعتراض، والسّؤال، وهو شرط لا أتنازل عنه غالبًا؛ وفائدته ظاهرة.
وتوصف الكتابة بأنّها عملية استشفائية جمالية تمنح للحياة معنى بهيجًا، وتزيح عن الكاهل أثقال الأحزان، وكم فيها من سعادة، وتنفيس، وحريّة، ونشر خير، ودفع بلاء، وإبطال مكر، ولذلك تواتر التّواصي بها، وقرأت مرة نقلًا عن المرجع الشّيعي البارز الشّيرازي، تأكيدًا لمريديه على الكتابة وتأثيرها، وسمعت من المنصف المرزوقي بقاء ثلاث لذائذ له في الحياة، إحداها الكتابة، وقال لي إنسان ذات سانحة؛ بأنّ غيمة أحزانه تنجلي حين يكتب!
والكتابة ركن أصيل في المدافعة، ومقاومة العدوان على أمن النّاس وإيمانهم، وفيها مجال واسع لحفظ مقاصد الشّريعة وكلّياتها، فمن خلالها ينجو التّدين والدّين من غوائل الإرجاء وكوائن الغلو، ويسلم العرض والعقل، والمال، والنّفس، من شرور المعتدين عدوانًا ماديًا أو معنويًا، فكلمة الحقّ تزجر المرجف، وتنتصر للضّعيف، وتستخرج الحقوق، وتطالب بالواجبات، وترفع الوعي؛ وبارتفاعه تهوي الغواية، ويعلو الرّشاد.
ولا تنفرد الكتابة بذلك، بل تشابهها أمور كثيرة مثل الخطابة، والرّسم، والشّعر، بيد أنّ المنطوق لا ينال الخلود مالم يتحول إلى نصٍّ مكتوب، ولذا نرى كثيرًا من خطب الجمعة، ومشاركات المثقفين والزّعماء في المحافل، والبرامج المرئيّة، منشورة في كتب ومواقع.
ولأهمية الكتابة، كان السّعي لتعليمها من أسمى الأعمال، وبذل الأموال والأوقات فيها ليس خسارة، ودخول معترك التّدريب عليها لمن لديه علم وخبرة جسارة يحمد عليها صاحبها، ومع الأسف أنّ يرامج التّدريب على الكتابة نادرة في عالمنا العربي، وبعض الموجود يعاني من هزال واضح.
ويسبق التّدريب على الكتابة، تهيئة الكاتب وتسليحه من خلال إكسابه مهارات التّفكير بأنواعه، وتدريبه عمليًا على البحث الإلكتروني والورقي، ثم إلحاقه ببرامج القراءة الواعية بفنونها المختلفة، ليعبر على هذه الأقسام إلى عالم الكتابة، وهو عالم مهيب له جلالته وقدره.
وبعد جاهزيّة الكاتب لدخول هذا المعترك الرائع، يختار منّصته الأنسب، ويحدّد زاويته التي يحسن سداد ثغورها، وبين فينة وأخرى يجدد عدّته وعتاده، فحركة التّطور تجعل الأسلحة القديمة عديمة الفائدة، ثمّ يراجع موقعه من حيث مناسبته، ومدى تأثيره، ومقدار الحاجة إليه، فالتّغيير سنّة حياتية ثابتة، تتبع المصلحة المعتبرة، وتدور معها.
ويمكن للكاتب استخدام طريقة أو أكثر، مثل عقد المقارنات، أو الانطلاق من إحصاءات، أو استنطاق التّاريخ، أو مراجعة الكتب، أو إثارة الأسئلة، أو إلقاء حجر في أمواهٍ راكدة، أو التّذكير بمقولات ومواقف ووعود، أو كتابة ردود، وتحرير تعقيبات وتعليقات، والمجال فسيح ينتظر من يستثمره بلا ضرر ولا ضرار.
وربّما يختصّ كاتب بمجال معين، كالصّحة أو التّقنية أو الاقتصاد أو الرّياضة، ومن خلاله ينشر الفائدة، ويبّث المعاني السّامية، ويصنع قاعدة جماهيرية، تسهل عليه الكتابة لها فيما بعد، والارتقاء بذائقتها. ومن التَّخصص صرف الجهد الكتابي لفئة منسيّة، أو مستضعفة، أو مهمّشة، ومن تأمل فسيجد ساحات رحبة تنادي أن هلّموا! ومن الحكمة الاتفاق على خدمة مفهوم معين، وطرقه من جوانب كثيرة.
ومن أجمل الكتابات وأنفعها، تدوين اليوميّات حول الأحداث العامّة والخاصّة، وما أحوج المسلمين، وبلادهم، وأحداثهم، إلى من يسجّل دقائقها كما فعل الجبرتي رحمه الله. ومن مفاتن الكتابة تأليف المذِّكرات، والسّير الذّاتية، والتَّجارب، وكم فيها من لذائذ وعبر.
ولو نسيت فلن أغفل عن فن الرّواية لمن امتلك تقنياتها الفنيّة، وقد كانت الرّواية متنفسًا للواقعين تحت الاستبداد في أمريكا اللاتينيّة، والاتحاد السوفييتي، وهي ميدان خصيب يمتزج الخيال فيه مع الحقيقة، وينقل الآم الحياة، وعذابات النّفوس، وأفراحها، ونواتج الحفر عميقًا في خبايا الرّوح، وخفايا العقل، وكوامن الفكر.
ويحرص الكاتب ما وسعه الجهد وأمكنته الحيلة، على تجنّب الاستطراد الممل، وملائمة لغته لجمهوره المستهدف، مع مراعاة اهتمامات الجمهور، أو صنعها، أو إعادة ترتيبها. والكاتب البصير يلاحظ موقف الجمهور منه ومن فكرته، وهل هم موافقون، أم مخالفون، أم محايدون؟ ويتحاشى التّشنج وشاطح الآراء، ولا يخوض في فكرة أو ضدّها إلّا بعد أن يفهمها.
والكاتب الواقعي لا يستعجل شيئًا قبل أوانه، ولا يرتفع سقف طموحاته، فتغيير القناعات صعب؛ لكنّه ممكن بالتّكرار. وإذا عجز الكاتب عن تحقيق ربح؛ فيكون تقليل الخسائر، أو إيقافها عند حدٍّ ما، أفضل من استمرارها، وأهون الشّرين مطلوب أحيانًا.
وفي سيرورة الكاتب نحو بناء وعي النَّاس، لا مناص من شعوره بأنّه جزء من بناء وعي الكون، وليس له مجال للنَّكوص أو الثَّبات السلبي. ومن واجب مشاركته الرّسالية أن يطور نفسه كثيرًا من خلال تعلم الّلغات، واستمرار القراءة؛ خاصّة في التّاريخ، وعلم الاجتماع بفروعهما، فضلًا عن برنامجه الثّقافي الشّخصي؛ فالكسل المعرفي مقتل للكاتب، كما أن الاتكاء على معلومة غير موثقة، أو التَّحليل السَّاذج مقتلة للكاتب، وأيّ مقتلة.
وإنَّ شعور القارئ ببراعتك الكتابيّة، ومعرفتك العميقة، وقربك النّفسي منه، ودفق طاقتك المشّعة، ونشاطك الحيوي المتجدّد، مما يزيد ثقته بك، وقبوله لطرحك، وما كان لله فسيبقى، ويثمر، ويخلد، فقد كتب ابن خلدون مقدّمته، ثم غفل النّاس عنها قرونًا، وها هي اليوم تشرّق وتغرّب، ولازالت ولودًا منجبة، ومن يلتزم بالكتابة منهجًا ومسارًا، فهو ملتزم بالمشاركة في تحريك العالم؛ كما يقول الكاتب كلود سيمون.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الأربعاء 04 من شهرِ رجب الحرام عام 1439
21 من شهر مارس عام 2018م


http://ahmalassaf.com/2689-2/

 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية