اطبع هذه الصفحة


تشخيص الصّحوة: براءة أم إدانة؟

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


ليس عبثًا تزامن إصدار الكتب، ونشر المقالات، وعقد المؤتمرات، وإنتاج الدّراما، التي تصّب في نقد الصّحوة، والعمل الإسلامي، فكلٌّ يبحث عن أرباحه، وهذا موسم منتظر، وللمواسم سماتها؛ من حيث فجاءة التّقلبات، وتعاقب المتغيرات، والليالي مثقلات بالعجائب!
ونسبة كلّ شر ونقيصة للصّحوة، يشبه إحالة أيّ بلاء على الصّهيونيّة قديمًا، مع فروق واضحة، حيث قلبت الصّهيونيّة الرّواية، وصيّروا مناوئيهم عنصريين ظلمة، وبالتّالي فمن يصرّح بعدائهم يعاقب بالنّبذ والإبعاد، ويهجى بلا كرامة، ولا غرو فاليهود أباطرة الإعلام، وسادة الاقتصاد، وأقطاب السّياسة، وسدنة الجوائز، ونيل مرضاتهم مطلب ذوي التّطلعات.
ولا تعني الصّحوة الإسلام قطعًا، وقد تقترب الحركات الإسلاميّة أو تبتعد من معين الإسلام العذب، والموفق من أحسن نيّة وعملًا. ويمكن سبر مغزى الخائضين من فحص جملة مواقفهم وآرائهم؛ كي لا نُستغفل تحت ستار قصف أسماء مصنوعة، والسّهام مصوبة نحو الأصل! وعليه؛ فنقد الصّحوة، والحركات الإسلاميّة، والبرامج الدّعوية، وكلّ عمل إسلامي، عمل يؤجر عليه الصّادق، النّاصح، المنصف، الموقر لدين الله وشريعته.
ومعي كتاب عنوانه: تشخيص الصحوة: تحليل وذكريات، تأليف: توفيق بن عبد العزيز السّديري، صدرت طبعته الأولى عام 2018م، عن دار جداول للنّشر والتّرجمة والتّوزيع، ويقع في (120) صفحة من القطع المتوسط، وأتيح للقرّاء خلال معرض الرّياض المنصرم للكتاب فيما أعتقد، وفي صفحاته أخطاء مطبعيّة، ونحويّة، وتاريخيّة، ونقصان كلمة من آية قرآنية!
وتحوم حول بعض إصدارات هذه الدّار إشكالات، فمن تهم بترجمات ناقصة مبتورة، إلى غضب أسر كريمة من مؤلفات فيها خلل وقصور في عرض سير بنيها من الوزراء والسّفراء، وفي كتابنا هذا جاءت الدّار بسابقة لغوية، حين كتبت على الغلاف الأخير بأنّ الصّحوة تعبير قد يعدُّ من أسماء الأضداد!
يتكون الكتاب من مقدّمة أسماها المؤلف البداية، وفصلان يتحدّث أولهما عن التّفسير السّياسي للإسلام، والثّاني عن جماعات التّفسير السّياسي للإسلام في المملكة العربيّة السّعودية، وأمّا الخاتمة فجاءت بعنوان أثر هذه التّيارات والتّنظيمات على الواقع السّعودي، ومن يقرأ الكتاب لا يلام لو تسرّب إليه شعور بأنّه إلى التّقرير أقرب منه إلى الكتاب؛ ولذا فعرضه مشي بين الأشواك!
وسيبقى السؤال قائمًا عن دلائل توقيت نشر الكتاب، مادامت معلوماته قديمة محفوظة منذ كان راقمه طفلًا في العاشرة، وكان بوسعه طباعته منذ سنوات، أو الصّبر عليه بما أنّه يملك قدرة فائقة على الانتظار!
ويشغل المؤلف حاليًا منصب نائب وزير الشّؤون الإسلاميّة في السّعودية، وقدّم معاليه لنفسه العذر عن ترك تناول التّيارات الإلحاديّة، واللادينيّة، والشّيعيّة، والصّوفيّة؛ لأنّها ليست موضوع الكتاب الحالي، ولا أدري هل سيكتب عن أحدها مستقبلًا؛ خاصّة أنّ وزارته مسؤولة عن الدّعوة والإرشاد؟
وبالجملة فقد انشغل الكتاب -التّقرير- بالأسماء، وأوردها على هيئة حروف مقّطعة؛ ربّما لأجل الفسح، أو حذار المحاكمة الدّنيويّة، وروى بعض القصص بحبكة هوليوديّة، ولو أنّه اقتصر على الفكرة دون أسماء، فستكون قابلة للتّداول والمباحثة، كي تنضج، وتخلص من الأوشاب والعوالق، لتخدم البلاد والعباد، فالماضي مهم، والحاضر نعيشه، والمستقبل الآتي نصنعه حتى لا يُصنع لنا.
ولأجل أن تكون ثمرة الكتاب عامّة، وانتشاره واسعًا، ليت أنَّ التّوفيق حالف د. توفيق؛ فلم ينحصر في الواقع السّعودي، وأفاد من دراسته الجامعيّة للإحصاء، ثمّ العليا للنّظم الإسلاميّة والدّعوة، لينيرنا بمنهجيّة وواقعيّة، عن الإجراء الصّواب، إذا كانت حكومة أيّ بلد إسلاميّة في الفكرة والتّنفيذ، أو كانت علمانيّة غير معادية، والفضاء العام فيها متاح دونما تضييق، وما السّبيل في حال كانت علمانيتها إقصائية استئصالية؟
وسيكون جهده حينذاك أنفع لبلاد المسلمين ومجتمعاتهم، وأخلد لكتابه؛ الذي سيندثر بمحتواه الحالي، خلال سنوات معدودة، كما حدث لإخوانه من قبل، ولن يحجز له موقعًا مناسبًا في مشهدنا الفكري والدّعوي، فحتى دولة الحكم الرّشيد، لا تستغني عن مجموعات وشبكات تساند المجتمع وحكومته، وتسعى في جلب المصالح ودفع المفاسد، دون أن تصادم الحكومة أو تنافسها، فالقبائل، والعوائل، والمهن، والنّخب، وأصحاب القواسم المشتركة، لا مناص لهم من إطار خاصّ يجمعهم، ويحفظ وجودهم الطّبيعي.
وبما أنّ الكتاب حسب عنوانه تشخيص وتحليل، وبعد التأكد من مناسبة الأدوات، وصحة النّتائج، ناسب أن يعطى العلاج مساحة كافية، وليس صفحات محدودة، على أن يجمع العلاج بين الواقعية والتّأثير، ويخلو من المضاعفات والآثار السّلبية الماحقة، حتى تنعم مجتمعات المسلمين بأوضاع آمنة، ومنتجات شرعيّة سالمة من التّشوهات، بريئة من الشّبه، متآلفة مع كيانها العام، ومتوافقة مع نسيجها.
ويطرح الكتاب فكرة ملّخصها أنّ هذه التّيارات الدّينيّة تهدف للحكم والعمل السّياسي فقط، وليس تعبيد النّاس لربّ العالمين، وتتخذ من الدّعوة مطيّة، وقد يصدق تحليله على زمان، أو مكان، أو فئات، أو أفراد، ويأبى الله وعقلاء البشر، أن يكون شاملًا للكّافة من فضلاء الأمة، وخيرة علمائها، ودعاتها، وأعمالها المباركة.
وينعى المؤلف على الجماعات التّكالب على الحكم، وتلك لعمر الله شهوة أصابت أناسًا كثر بإغرائها المسكر؛ على اختلاف كؤوسها، وتنوع شاربيها، واختلاف أثر العبّ منها. ويرى د. السّديري بأنّ الدّعوة وأعمال الخير مخترقة لأهداف سياسيّة فقط، فيا ويحهم إن أصاب، والله يعينه على لقاء ربّه إذا كانت الأخرى! وما أصعب الحساب لا عن أفراد ظلموا فحسب؛ بل عن خير زال، وبلاء استطال.
ولا يخلو الكتاب من لمز صريح وخفي، حيث حرم علماء المسلمين من الدّعاء بالرّحمة والفرج والشّفاء. واستنقص رمزًا بأنَّه صحفي؛ فهل مهنة الصّحافة معيبة؟ ألا يعلم المؤلف أنّ أيّ صحفي ناشئ؛ لو تفرّغ للمساجد ونواقصها؛ لما جلس معاليه على كرسيّ الوزارة ساعة واحدة! ثمّ ساق رواية عن انتساب شيخ شهير، لجهاز أمني أو استخباراتي قبل قدومه للمملكة، فهل الانتساب للأمن والاستخبارات تهمة شائنة شائبة؟ والله يجعل كلام المؤلف وغيره خفيفًا عليهم كما يقول ممثل مصري ضاحك!
ولم يسلم حتى علماء المملكة الكبار من اللوم، فهم عرضة عند نائب الوزير للالتفاف الصّحوي، واتخاذهم جسورًا لأغراض حزبيّة وفكريّة؛ وهي دعوى تشابه إساءة الظّن بمشايخنا، التي يتولى كبرها بعض المستشرقين والغلاة والكتّاب، ويدمغونهم بأنّهم ذووا ختم مطاطي جاهز للاستخدام الحكومي، وظلم ذوي القربى والمنصب أشدُّ مضاضة!
وفي الكتاب تناقضات، مثل قوله عن أحد المشايخ بأنّه أضحى مستقلاً، وبعد ثلاث صفحات يضعه الكاتب ضمن قيادات حملات احتسابيّة منظمة، ومنها ثناؤه البالغ على الجاميّة المظلومين، ثمّ تعريجه على كثرة الانشقاقات فيهم، والانشطارات داخلهم، وخوفه من انبثاق جهيمانيّة جديدة من تحت عباءتهم!
ومع كيله الذّم لإحدى الجماعات، غفل في موضع آخر، وروى أنّ الأحباش يعلنون عداوة هذه الجماعة إرضاء لحكومة بلادهم! ولم يحاول المؤلف وهو ينتقد غلو القاعدة وداعش، أن يبرئ الدّعوة السّلفيّة الوهابيّة منهما، ولم ينجح د. توفيق في التّفريق بين الحركة والدّعوة، ولم يصب في إنزال الفروقات على دعوة الإمام المجدّد.
وفي الكتاب ملمح بارز لا يخفى، وما يوم حليمة بسر، فالمؤلف يبرئ نفسه ومن يحب من أيّ جماعة أو تيار، ولو بميل قلبي، ويدين بذلك آخرين من أصحاب الحروف الرمزيّة وغيرهم، وتخطّى أسماء تعرفها الأجهزة المعنيّة، وكتب عنها الأعاجم قبل العرب، وليس في التّرك حجّة، والسّعيد من رزق الإنصاف.
ومما في الكتاب، الدّعوى المرسلة دون براهين مقنعة، بأنّ الصّحوة امتطت الجهاد الأفغاني، وكانت وراء سفك جميع الدّماء المعصومة، وأعاقت التّنمية والبناء! فضلًا عن قصص مواقف الفطنة والوطنيّة للمؤلف منذ شبابه الغضّ، وشهود هذه الحكايات غالبهم حروف رمزية صامتة حالًا أو حكمًا! وينعى المؤلف على حزب التّحرير غرائبه؛ مثل جواز دفع الجزية للكفّار، وإباحة قتال المسلمين تحت راية كفريّة.
وما أحوجنا من أجل خدمة المجتمع، وتحقيق أمانيه، وإنجاح رؤية البلد، ومساندة قادته، أن نكف عن الاستعداء، والتّصنيف الجائر، وتتبع مظانّ القرابين المقبولة، فاختلاف النّاس واقع لا مفر منه، وأيّ جنف في جانب، سيقابله ميلان مثله وإن تأخر زمانه.
والعدل مع الأمن مطلبان عزيزان، يشيعان السّلم والاستقرار، ويمهدان للتّنمية والتّطور، دون أن نتخلى عن قيمنا وديننا ومكامن القوة لدينا، فالتّحديات متعاظمة، والحروب-أبعدها الله- تحوم حول المنطقة، وفي الصّراعات لا مناص من استدعاء العقيدة، والجهاد، وربّما الصّحوة!


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الثّلاثاء 17 من شهرِ رجب الحرام عام 1439
03 من شهر أبريل عام 2018م


http://ahmalassaf.com/2751-2/

 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية