اطبع هذه الصفحة


ميثاق الدّرعيّة يتجدّد!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


بعد أقلّ من عشرين عامًا، يكمل ميثاق الدّرعيّة بين الإمامين محمّد بن عبد الوهّاب و محمّد بن سعود ثلاثمئة عام؛ مرّ خلالها بأطوار مختلفة من القوّة والضّعف، والتّقارب والتّباعد، ومع ذلك استمرت العلاقة بين هذين البيتين النّبيلين وأتباعهما؛ متجاوزة ما طرأ عليها من منعطفات لا تسلم منها أيّ معاهدة.

ولا يزال التّاريخ يحفظ بإكبار سير أئمّة الدّولة، إن في قصور الحكم، أو على ظهور الخيل، وفي مصاطب العلم، أو داخل المحاريب، وفوق المنابر، أو ضمن الرّسائل والكتب، حيث أنجزوا في سنوات قصيرة ما يذهل الرّاصد، وتركوا آثارًا، ومآثر، وروايات، ودماء، تشهد على وفائهم لهذا الميثاق المتين؛ باذلين المهج والنّفائس لنشر التّوحيد، وتحكيم الشّريعة، وإقامة الجهاد، ومداومة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وهذا هو أساس التّمكين، والبشرى بالنّصر، والعزّة.

ومن المسطور في التّراجم، مواقف لعلماء آل الشّيخ ومدرستهم العلميّة، مثل عبد الله بن عبد الّلطيف، وعبد الله بن حسن، وغيرهما، مع الملك عبد العزيز الذي كانت تخشاه صناديد الرّجال، وجموع القبائل، ومع ذلك صارحه العلماء بما يعتقدونه دون ثلم هيبته، وكان تفاعله معهم يصف علو الهمّة، وصدق الرّجوع للحقّ، ولا عجب فهو القائل: "أول منشأ هذا الأمر وتقويمه، أنّه من الله ثمّ أسباب الشّيخ محمّد بن عبدالوهّاب رحمه الله تعالى، وأوائلنا رحمهم الله".

وتعرّض ميثاق الدّرعية لهزّات عنيفة، سواءً عقب ضياع الدّولتين، أو خلال فترات جفاف العلاقة بين السّيف والقلم، وسنحت الفرصة لفكّ الارتباط بينهما في غير ما مناسبة، ومع ذلك لم يقدم أحد على هذا الإجراء، وتؤكد هذه الاستمراريّة صلابة العلاقة وعمقها، والتزام الطّرف الأقوى ببقائها، حتى لو أُقصي الطّرف الآخر عن شؤون مهمّة، ومن الضّرورة الإشارة إلى أنّ هذه العلائق مرتبطة بالعلم والكفاءة أكثر من ارتباطها بالنّسب، فالعلم والمناصب لا يقتصران على أسرة واحدة أبدًا.

وممّا يروى أنّ ابن معمّر اهتبل نهاية الدّولة الأولى، وابن رشيد قضى على الدّولة الثّانية، وحكما فترة من الزّمن، ثمّ سعيا للتّوسع وبسط النّفوذ، وبالغا في إكرام علماء آل الشّيخ وطلّابهم، والالتصاق بالدّعوة، وإعلان نصرة مبادئها؛ فالمجد للسّيف والقلم مع الاعتذار للمتنبي.

وزادت أواصر النّسب والمصاهرة، والمشاركة الواسعة في العمل الحكومي، من الامتزاج بين البيتين العريقين ومدرستهما، حتى تداخل الموقفين الدّعوي، والسّياسي؛ وعسر التّفريق بينهما أحيانًا، وأصبح كلّ طرف يحمل نصيبًا من المؤاخذات على الآخر، وهي خليط من ظلم، وافتراء، وغيظ متلاصق، وسوء فهم، وربّما لا تخلو من صواب، حتى أضحت الحالة السّلفيّة مجالًا للدّراسة المنصفة، أو عرضة للتّشويه والتّجنّي.

وأصبح كُنه هذا التّحالف وماهيّته، وحدوده، ومستقبله المتوقّع، وأحوال أطرافه، من الموضوعات الحيويّة التي شغلت بال الباحثين، سواء العرب منهم أو الأجانب، فدرسها البعض بموضوعيّة، وتقّحمها آخرون منحازين بعمه العداء، أو بشَره الطّمع، فكان عملهم عناءً بلا غناء؛ فللعلم قداسة يجب أن تراعى، وللحقيقة سطوع ينفذ من وراء الحجب.

وفي عام 1818م، لم يقوَ الحادي عشر من سبتمبر الحزين على إنهاء الميثاق بجيش الباشا وأمْر الباب العالي، وفي عام 2001م لم يقدر الحادي عشر من سبتمبر المروّع على إنهاك الميثاق برعونة القاعدة وضغط البيت الأبيض، وإنّه لميثاق جدير بدراسات عميقة في علم الاجتماع السّياسي، والدّيني، على أن تكون في أجواء علميّة خالصة.

ويُمتحن ارتباط السّعوديّة بالدّعوة السّلفيّة، من خلال ضغط الخارج، وتواطؤ تيّارات محليّة؛ للخلاص من هذا الاتّفاق، والتّملص من إرثه الضّخم، ومن إفكهم نسبة جماعات عنيفة له؛ ولا يقرّ "السّعوديون الوهّابيون" هذه العلاقة، ويدفعونها بالبراهين العلميّة، بل إنّهم اكتووا بنار أوكار التّخريب ولظاها، والله يحمينا.

وبين فينة وأختها، تصدر عن رموز الحكم تأكيدات على الالتزام بمنهاج الدّولة وهويّتها، جنبًا إلى جنب مع حربهم على الغلو والإلحاد، والفجور والخيانة، ويرتكز هذا الموقف الحكيم على أنّ البلاد المترامية الأطراف، دانت لسلطة واحدة تحت هذه الرّاية؛ وليس من الحكمة في شيء القطيعة معها، أو البراءة منها، خاصّة أنّ التّمسك بها عامل استقرار واجتماع.

وحين يسير أكابر البلد نحو المستقبل، يرسمونه، ويسعون لصناعته بما يخدم الاقتصاد، والتّنمية، لا يغمضون أعينهم عن إبصار التّاريخ، ووعي الماضي، واستلهام الثّوابت الرّاسخة، ويستمسكون بعرى الميثاق، وأركانه، ومعانيه، وبالتّالي يخالفون "ليدل هارت"، المؤرّخ الحربي لصحيفة التّايمز، الذي ألّف كتابين عن الحربين العالميتين، وظلّ يكرّر مقولته: نتعلّم من التّاريخ أنّنا لا نتعلّم من التّاريخ!


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الأحد 52 من شهرِ رمضان المبارك عام 9341
01 من يونيو عام 8102م
https://ahmalassaf.com/1157-2/

 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية