اطبع هذه الصفحة


مسيرة دبلوماسي من طيبة!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


مثيرة هي الحياة في أجواء دبلوماسيّة وسياسيّة، ولذا فمن أمتع السّير ما يكتبه السّاسة والدّبلوماسيون، خاصّة إذا كان بمقدورهم الكتابة بصراحة لا يؤاخذون عليها، وينشط هذا النّوع من التّآليف في الغرب، بينما يظهر في عالمنا بطيئًا مصحوبًا بزخّات من الحذر والتّرقب غالبًا!
ولقد فاتنا إرث دبلوماسي من حياة ساسة كبار، وسفراء عظام، لم يدّونوا شيئًا، والمحفوظ عنهم أقلّ ممّا يستحقونه، وعليه فما أجدرنا بالاحتفاء بمن يكتب سيرته لينفع الأجيال من القرّاء سواء في مجال العمل الدّبلوماسي أو غيره، فليس صحيحًا أنّ مصير كلّ الأحداث طي الكتمان، ولا يخدمنا في شيء أن تكون رواية الوقائع قصرًا على مصادر غربيّة أو غريبة.

وهذا ما صنعته حين وصلتني قبل أسبوع سيرة ذاتيّة لدبلوماسي بالفطرة والمهنة والفكر، عنوانها: دبلوماسي من طيبة: محطات في رحلة العمر، تأليف: د. نزار عبيد مدني، صدرت الطّبعة الأولى من الكتاب بدون اسم ناشر عام١٤٣٠=٢٠٠٩م، ويتكوّن من مقدّمة بين يديه، ثمّ ستّ محطّات هي: المدينة النّبوية، ثمّ القاهرة، وبعدها جدّة، فواشنطن ليعود إلى جدّة مرّة أخرى، ويقف عند محطّته السّادسة والأطول في الرّياض، وبعدها ملحق للصّور، وأخيرًا فهارس الكتاب الذي يقع في (479) صفحة على ورق نباتي مريح.

ويرتبط تصميم الغلاف بالمدينة النّبوية، وهو من إبداع ابنة شقيق المؤلف الشّريفة سحر بنت غازي مدني. وأطلق د. مدني على كلّ محطّة اسمًا يلّخصها، وهذه الأسماء حسب ترتيب المحطّات المذكور آنفًا: الجذور (عشرون عامًا)، التّحول (خمسة أعوام)، التّأسيس (ثلاثة أعوام)، التّأهيل (عشرة أعوام)، الانطلاق (ستّة أعوام)، الحصاد (1404-0000)، ويبدأ الحساب منذ ميلاده عام 1360، والله يبارك في عمره وعمله.

ولو انتقى الكاتب من أشعار والده الشّيخ الشّريف عبيد مدني أبياتًا تتناسب مع هذه المراحل؛ ووضعها على رأس كلّ محطة، لكان فعله حسنًا، وهذا من البّر، وإحياء آثار والده، وإنّ أبا عبدالله لأهل لذلك في طبعة الكتاب الثّانية التي يقال بأنّها ستكون وشيكة، ولا يخلو الكتاب من أبيات شعريّة لوالده، وغاية المقترح زيادتها.

ويتميز هذا المنتج بلغة أدبيّة راقية، واعتزاز واضح بالدّين والتّاريخ والّلغة والمكان، واجتهاد صادق لحماية قيمنا النّبيلة وأعرافنا المستقيمة من أن يصيبها ما يفسدها، وفي السّيرة كما في ملحق الصّور تتابع زمني لحياة المؤلف في شتى مراحلها، ومن أبهج الصّور واحدة لمكتبة والده وما فيها من كتب متراصّة، وكلّي ثقة أنّ هذه المكتبة النّفيسة محفوظة مستفاد منها.
كما يحوي الكتاب أخبارًا عن أناس يتلّهف القارئ لمعرفة المزيد عنهم، مثل الدّكتور حامد عبدالله ربيع، وهو أستاذ كبير في الفكر السّياسي، وله مؤلّفات ومقالات غدت برحيله الغامض نادرة، علمًا أنّها متوافرة ضمن محتويات مكتبة د. نزار والحمدلله. وهذا الرّجل أعجوبة في عكوفه على الدّراسة والبحث، وفيما يجيده من لغات، وما تحصّل عليه من شهادات في فنون متداخلة، ثمّ في مسيرته العملية مع حكومتي مصر والعراق في أصلب عهودهما، وموقفه الصّارم تجاه اليهود، وأخيرًا مؤلفاته العميقة جدًّا، والحقيقة أنّي حين بلغت إلى موضع الإشارة إليه، ازدادت حماستي لمواصلة القراءة.
ومن الشّخصّيات المهمّة الأمير سعود الفيصل، وعلاقة المؤلف معه تتجاوز ثلاثة عقود، وكم ستكون السّيرة فريدة لو تجاوز الكاتب الأوصاف العامّة الفضفاضة في الثّناء على وزيره إلى رواية مواقف، وعادات، وملكات لها شواهد، ولو كان بعضها يسيرًا كما يشاع بأنّه إذا ركب طائرة اصطحب معه مجموعة من الكلمات المتقاطعة ليجيب عنها، وفي ذلك تنشيط لحضوره الذّهني وبداهته، وفيها دليل على مخزونه الثّقافي، ويزداد الأمر أهميّة بعد رحيله دون أن يسطّر سيرة، أو أن تدرس إدارته للعمل الدّبلوماسي بعلميّة بعيدًا عن الكتابة التّبجيليّة المحضة.
وهناك شخصيّات أخرى مهمّة، مثل الوزيرين السّفيرين الشّبيلي والسّويل، والسّفير الشّيخ علي رضا زينل، والشّيخ عبدالعزيز الثّنيان، والأساتذة سالم سنبل، ومحمّد مأمون كردي، ومأمون قباني، وغيرهم من أقطاب العمل الدّبلوماسي القدماء، وفي أخبارهم ما يخدم الكتاب ويجعله مرجعًا، كما عمل مع صاحب السّيرة السّفير محمّد أحمد طيّب، والسّفير أحمد قطّان، والسّفير أسامة نقلي، وهم من أشهر رجالات الوزارة الآن.
فاز الكاتب بالمركز الأول على طلاب القسم الأدبي في الثّانوية العامّة على مستوى المملكة، وصادف أن حجبت الوزارة البعثات عن القسم الأدبي تلك السّنة، فأرسله والده للدّراسة في مصر على حسابه، وكاد أن يتورط في بعثة دراسيّة مع أحد البنوك لكنّ الله أنجاه، فأصبح وثيق الصّلة بالاستخارة وسؤال الله الخيرة.

ودرس في كلية العلوم السّياسيّة بجامعة القاهرة، وزامل الفتيات السّافرات لأوّل مرّة في حياته، وإن كنّ كما يقول ممن لا ينطبق عليهنّ وصف الصّبايا الدّارج في لبنان! وتتلمذ في الكليّة على أسماء شهيرة مثل لبيب شقير، ورفعت المحجوب، وبطرس غالي، والعلم الكبير حامد عبدالله ربيع-واسمه مركب ثلاثي-، وزامله رضا لاري ووليد المعلّم وزير خارجية سوريّة، وعلي هلال الذي كان وزيرًا للشّباب المصري فيما مضى.

ولم تكن مصر غريبة عليه، ولم يعش فيها غربة لوجود أخيه وأخته، واقتنع خلال مكوثه في القاهرة أنّه لا يوجد فيها من لا يجيد النّكتة إمّا جبلّة أو تصنّعًا، وأذكر في هذا المقام كلمة للمقريزي يقول فيها ما معناه: من رأى أهل مصر وما هم فيه من ضحك ظنّ أنّهم قد فرغوا للتّو من الحساب! وعاب على عبدالنّاصر تغييب الإسلام من فكره، وتدخله في اليمن، مما أحدث قطيعة بين مصر والسّعودية، مع ثنائه على تصرف البلدين؛ فلم تطرد مصر الطّلبة السّعوديين، ولم تسترجعهم بلادهم، ولم يفعلوا محذورًا في عرف البلدين، فأكملوا دراستهم بسلام.

ونقل الإعجاب بكاريزما جمال عبدالنّاصر حتى أنّ خطبه نافست أغاني أم كلثوم في تعداد المستمعين والمنتظرين، وإن لم يرق لنزار هدر القوّة العربيّة في عبث شخصي، ونفخ الشّعارات الجوفاء بدلًا من الفعل الرّشيد. وفي خاتمة الفصل موضع جميل ووقفة باهرة، حين عبر بسيارته الفخمة وهو وزير مبجل يستقبل بالمواكب من جوار شقته إبّان الدراسة، وشرع نزار الوزير السّتيني، يحاور نزارا الطّالب العشريني، وإنّها لحكمة صيغت بكلمات نابضة بالحياة.

وبعد عودته واستقراره في جدّة، وهي المحطّة الأقصر، استولى على ذهنه أمران هما العمل والزّواج، وأشار إلى أنّ قرارته تتسم بالتّوازن الذي تنتظم به الأمور على الصّعيد الفردي، والمجتمعي، والحكومي، ويأتي الخلل من الإفراط في جانب على حساب غيره، ويرى أنّ فرض أنظمة دخيلة على أيّ مجتمع وهي لا تتفق مع تراثه وجذوره تستجلب معها اختلالًا وإرباكًا، ومن بديع مفردات اتّخاذ القرار لديه، أن يفعل ما يريده هو وليس ما يريده الآخرون، ولم يأنف خلال هذه الفترة من عمله في قسم قصي بعيد عن الأضواء، وصبر حتى ظفر، ومن المواقف التي لا تنسى حين دخل على قسمهم رجل وجيه جذّاب، وسلّم عليهم واحدّا واحدّا، وخرج دون أن يدير ظهره إليهم، فعجب الموظف الجديد لأنّ قسمهم لا يزوره أحد من كبار الموظفين في العادة، وقيل له هذا أبو سليمان! وأبو سليمان علم على السّفير محمد الحمد الشّبيلي، وهو سفير من طراز نادر.

ثمّ نقلت خدماته إلى السّفارة في واشنطن، ولم يذكر ما هو السّر وراء هذا النّقل لأهم سفارة سعودية، ووصف عقده الأمريكي بأنّه من أخصب وأمتع مراحل الحياة، وكان هناك دبلوماسيًا وطالبًا وسائحًا وربّ أسرة، وخلالها حصل عبى الماجستير والدّكتوراه، وكانت رسالته للدّكتوراه عن المحتوى الإسلامي للسّياسة الخارجيّة السّعودية، وحصل على أفضل أطروحة دكتوراه علم 1978م.

وعمل في أرشيف السّفارة، ثم رقي إلى البرقيّات، والأرشيف مع البرقيّات يعنيان أنّ الرجل موضع ثقة واطمئنان ففيهما أسرار كلّ عمل، ولذلك فليس بمستغرب وصوله الى ما يلي السّفير مباشرة ليكون تحت دائرة الضوء، ويلتقي مع الأمير سعود الفيصل لأوّل مرة حين جاء ضمن وفد سعودي نفطي برئاسة الوزير الشّيخ أحمد زكي يماني. وإبّان توليه أعمال السّفارة الجسيمة والمرهقة، وبينما كان والده يرقد في مستشفى أمريكي لإجراء عمليّة خطيرة، بلغه نبأ اغتيال الملك فيصل؛ فاجتمعت عليه أحداث عصيبة تجاوزها بعون الله ثمّ بحسن الإدارة.

ومن خبرته ضرورة توسيع العلاقة مع مراكز القرار والتّأثير في أمريكا، وألّا تقتصر الرّوابط على البيت الأبيض أو الخارجيّة، فمراكز القوى في دولة كبرى مثل أمريكا متعدّدة ولا بدّ من التّواصل معها كي لا تقع مصالحنا ضحيّة تنازع هذه القوى، أو بُعدنا عنها، وأخيرًا وقف طويلًا مع نظرته للحياة في أمريكا بحسناتها وسيئاتها.

وبناء على ذلك، رأى أنّ من مصلحته العودة لبلاده بعد أن كبرت نهى وكبر عبدالله، فرجع إلى جدّة كرّة أخرى، وفيها حاول ضبط مصروفاته على قدر دخله، ولم يسرف إلّا لأجل عائلته أو لشراء الكتب، ولاحظ التّغير الطارئ على المجتمع بعد الطّفرة، وتحدث عن نظرته للمال، وعرّج على بعض ما صاحب الفورة الماليّة من مشكلات.

وفي هذه الفترة، تعرض لحوادث متتابعة غريبة، حيث احترق منزله، ثمّ سرق البيت ومجوهرات سيدته، وكانت الفاجعة حين اقتحم المنزل رجل غريب مخيف لكنّ الله سلّم، ولم يستطع المؤلف كشف ألغاز السّطو والاقتحام لا بالطّرق الرّسميّة، ولا بواسطة الدّجالين والمشعوذين، وإن كنت أعجب من استخدام أمثالهم من مثله!
وبعد عودته من جولة آسيوية، شعر بألم لم يعره اهتمامه على اعتبار ترافقه مع السّفر، بيد أنّه استمر، وبعد عدّة فحوصات في جدّة، استبان له حقيقة مرضه، وضرورة إجراء عمليّة جراحيّة، فطار لأمريكا، وأجراها هناك، ونجحت بفضل الله، ولم يوضح كنهها، لكنّه كتب فلسفته عن المرض والصّحة، وصاغ حكمة موفقة مضمونها أنّ الفشل لا يعتري المرء إلّا حين يتقمّص شخصيّة غير شخصيته.

ومن أبهى مواضع الكتاب، أنّه بعد أن شفاه الله عقب العملية الجراحيّة، قرّر أن يقرأ يوميّاً جزءًا من القرآن الكريم، بحيث يختم الكتاب العزيز مرّة شهريًا، واستمر على هذا العمل الجليل ولم يخرمه يومًا واحدًا لمدة أزيد من ربع قرن، فعاش في جنّة مع القرآن، وفي روح وأنس، والله يديم عليه نعيمه وفضله، ويصف هذا القرار بأنّه تاريخي، وانقلاب في حياته، وهو انقلاب إلى جهة الصّواب والاعتدال.

وأبان للقارئ أنّ السّياسة الخارجيّة النّاجحة تستند على دبلوماسيّة نشطة، واعلام يقظ مبدع، واقتصاد متين، وقوة عسكرية ضاربة، ولابدّ من ترابط هذه القوى، والتّنسيق بينها، حتى تؤتي ثمارها، ولا تصاب الجهود بشتات وضياع، وذكر أنّ البداية تكون دائمًا بأقلّها كلفة وهو العمل الدّبلوماسي ثمّ الإعلامي، وجميعها تستلزم قدرات تفاوضيّة متقنة، ثمّ التفت إلى الإعلام الخارجي، وعلاقته به قديمة، ولا تزال أمنيته قائمة بتعميق هذا الجانب، وتركيزه، وتمهيره، وفصله عن الدّاخلي، وربطه بالخارجيّة.

وفي فترة لاحقة غدا مسؤولًا عن صياغة الخطابات، والرّسائل، والتّصاريح، وهو عمل يستنفد جهده وطاقته، بيد أنّ التّعب يضمحل حتى يختفي حين يرى المولود جميلًا مؤثرًا يتلى على منصّة، أو ينشر عبر وسيلة إعلاميّة، ويتفاعل معه المتلقي فيبهره أو يلجمه، وما أسعد الدّبلوماسيّة برجالاتها من المثقفين، والكتّاب، والأدباء، الذين جمعوا العلم والسّياسة، وغالبّا يكونون رجال دولة متميزين.

وفي الرّياض بنى علاقة وثيقة مع الملك سلمان حين كان أميرًا عليها، وأبدى إعجابه بثقافته ومعرفته، وخلال هذه المحطّة تولى مسؤوليّة الإدارة الغربيّة المختصّة بشؤون أوروبا وأمريكا، وترقى إلى المرتبة الخامسة عشرة، وشارك في ترتيبات اتّفاق الطّائف بين الفصائل اللبنانية، وروى شيئًا من أخبار حروب الخليج.

ومن أميز ما في الكتاب، شهادته على أوّل دورة لمجلس الشّورى بعد تكوينه عام 1414، ومن الموافقات أنّ والده كان عضوًا في مجلس الشّورى القديم، وأضحى ابنه نزار عضوًا في المجلس الجديد، والملاحظ أنّ الحكومة تراعي التّاريخ ولا تهمله. وأوضح كيف بلغه نبأ اختياره، والمشروع الذي اقترحه على رئيس المجلس الشّيخ محمد بن جبير فاعتمده كما هو.

ويرى المؤلف بأنّ حجم التّوقعات الدّاخليّة من المجلس، تفوق الصّلاحيات الممنوحة له، وأنّ مصداقيّة المجلس خارجيًا منخفضة لأنّه جاء بأسلوب التّعيين وليس الانتخاب، وطرح بعض المقترحات لمعالجة هذين الأمرين، وقال بأنّه لا يوجد في الإسلام ما يمنع من الانتخابات، والصّحيح أنّه وقعت في العصر النّبوي، وفي العهد الرّاشدي، عدد مهم وخطير من الانتخابات من بيعة العقبة إلى خلافة عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعًا.

ومنحته عضويّة المجلس الفرصة لمزيد من القراءة والكتابة، وله مؤلفات عديدة لم تر النور حين دفع كتابه للمطبعة، وعسى أن ينشرها جميعها. وبما أنّ معاليه مهتم بالعلاقات الدّولية من وجهة نظر إسلاميّة، فليته وهو القارئ النّهم أن يستعرض أفضل الدّراسات في السّياسة الشّرعيّة والعلاقات الدّولية التي صدرت ضمن رسائل علميّة في جامعات سعوديّة، ومصريّة، وأردنيّة، ومغربيّة، وسودانيّة، وعراقيّة، وغيرها، وسيجد فيها ما يطربه، ويلبي شغفه، ويرضي حميّته لثقافته الأصيلة.

وحين جدّد له في دورة المجلس الثّانية، طلب من الأمير سعود الموافقة على طلبه التّقاعد، فاستمهله وحين كرّر الطّلب أخبره الأمير بأنّه سيعود من الشّورى للخارجيّة، وصدر بعدها أمر ملكي بتعيينه مساعدًا للوزير بمرتبة وزير، ثمّ أمر آخر بتسميته وزير دولة للشّؤون الخارجيّة. وللمؤلّف عناية بموضوع الشّخصيّة القوميّة، والنّظريّة الإسلاميّة للعلاقات الدّوليّة، واستقراء الوضع الرّاهن للعلاقات الدّوليّة، والأسس التي يقوم عليها التّنظيم الدّولي، ويرى باختصار ما يلي:
• هناك ترتيبات جديدة وأوضاع مستحدثة يشهدها المجتمع الدّولي.
• سوف يطغى مبدأ سيادة الأمن الدّولي على مبدأ سيادة الدّول.
• ستكون الدّيمقراطية، وحقوق الإنسان، ومحاربة الإرهاب، وحرية السّوق، أهم من سيادة أيّ دولة، وستوفر غطاء لتدخلات الدّول الكبرى!
• ستحلّ القوة الاقتصاديّة مكان القوة العسكريّة.
• بات الدّين أكثر أهمية ليفرض وجوده وتأثيره وهي فرصة لنا كي نعود لديننا.

وفي الكتاب حكايات لطيفة، منها قفة البيوت التي يغيب رجالها، فتضعها المرأة عند الباب ومعها مال إن كانت قادرة، وبدون أموال إن كانت محتاجة، فيتولى أيّ رجل شراء المطلوب وإعادة القفّة إلى مكانها، ويالها من مروءات متتابعة، وشيم بمثلها يفاخر، ومنها أخبار العاملين في بيتهم المدني، وحركة سوق المدينة، والمحذورات حسب الأيّام.

ومنها بعض الاعتقادات الباطلة، مثل موت الأب إن أكل ابنه قلب البطيخة، وكم من بطيخة سلمت بسببها! وأنّ شرب الحليب أوّل السّنة الهجرية يصيّرها عامًا مباركًا، وهو ما اكتشف المؤلف بطلانه عام 1400! وفرفشة النّساء في تجمعاتهنّ منذ القدم، وتنوع المشروب والمأكول لديهنّ، خلافًا للرّجال الذين تتساوى أحوالهم في مناسبات الفرح والحزن مع الأسف!
ومما يلحظ على الكتاب كثرة النّقولات وهو ما لا يتناسب مع كتاب سيرة ذاتيّة، والتّوسع في الطّرح الفكري الذي ربّما يجلب مللًا لقرّاء السّير، وندرة الأخبار العائليّة، مثل مرض والده ووفاته، وقبله رحيل والدته المبكر، وقصّة زواجه التي ذكرها دون إسهاب وفيها مادّة مناسبة فيما أظنّ، فضلًا عن مواقفه التّربوية مع أبنائه وأحفاده، وغير ذلك مما ينفع المطلّع ولا ينتهك خصوصيّات المؤلف.

وأشار المؤلف إلى أنّه لم يوثق أحداث حياته فيما مضى، ولا يملك ذاكرة قوية، ومع ذلك استرسل في تحليل بعض الأحداث القديمة، فهل تحليله هذا هو ما كان يعتقده حين وقوعها، أم هو رأيه بعد سنوات من انتهائها؟ وذكر ما امتنّ الله عليه به من تسليم وإيمان، مع تكراره غير مرّة ما يعتريه من همٍّ وقلق، وما يصيبه من ارتعاد الفرائص بسبب الاتصالات الليليّة المتأخرة، وهي لا تتوافق مع السّكون والتّسليم، ولا تتماشى مع السّجيّة الهادئة والنّفس المطمئنّة التي وهبه الله إيّاها.

ولا يوجد في الكتاب قصص دبلوماسية وحكايات طريفة من وقائع العمل الدّبلوماسي كما فعل غازي القصيبي في الوزير المرافق، ونجدة صفوة في حكاياته، باستثناء الموقف الحرج مع سفير دولة أفريقيّة، والتّيس الضّخم المهدى له! وسرد المؤلف بعض الوقائع السياسية المهمّة مثل حرب اليمن، وتكوين مجلس التّعاون، وحروب الخليج، واتّفاق الطائف، وأحداث سبتمبر وإن لم يتوسع فيما نجم عنها من حروب، واكتفى بتحليل تأثيرها على المملكة، ولا شك أنّها موضوعات تفيد القارئ المختص، وأمّا القارئ العادي فيحتاج إلى اختصارها، مع إيراد مواقف طريفة تبث التّشويق والحيويّة داخل المضمون.
وغاب عن الكتاب، مناقشة وضع السّفارات في الخارج، التي ألمح الملك عبدالله ذات يوم إلى عدم رضاه عنها، ويتداول المواطنون قصصًا عن خذلان بعضها لهم أحيانًا، ويتناقل آخرون روايات عن نشاط سفارات دول أخرى تنافسنا، أو أقلّ أهميّة من بلادنا، وهذا الجانب أساسي، وخطير، وقمين بالعناية والتّصحيح إذا كان ما يشاع مطابقًا للواقع.

وحيث أنّ معاليه اعترف بعيوب فيه، ومنها الحساسيّة خاصّة حين يشعر بأنّ دافع الكلام أو الفعل سلبيّاً، فإنّي آمل ألّا تصيبني شظايا هذه الحساسيّة، فما كتبته اجتهاد قد يصيب ويخطئ، ورائده محبّة بلادي ومن يمثلّها، والحرص على تجويد سيرة معاليه، لأنّها من أوائل سير ساسة البلد المنشورة وأهمها، وهي لغيرها قدوة وإمام، ومن الطّبيعي أن تتصاحب مع البدايات آراء ونظرات، والعاقبة حميدة لمن جعله الله للمتقين قدوة وإمامًا.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
السّبت 05 من شهرِ محرّم الحرام عام 1440
15 من شهر سبتمبر عام 2018م


https://ahmalassaf.com/1360-2/


 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية