اطبع هذه الصفحة


هجرة موسى ومحمّد عليهما السّلام

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


في قصص الأنبياء عبر مشتركة، وكما أنّ دينهم واحد وإن اختلفت شرائعهم، فكذلك ما تعرّضوا له يكاد أن يتماثل في البواعث والغايات مع اختلاف الأساليب والأسماء، وكم في مقارنة هذه القصص الكريمة الواردة في القرآن الكريم، وصحيح السّنة من فوائد ملهمة، لعلّها أن تخرج أمتنا من وحل الهوان، ومستنقع التّناحر.

ففي مصر، افترى فرعون الأثيم وطغى وتجبّر، وسام النّاس خسفًا وظلمًا لم يسلم منه الأطفال الرّضع، فضجرت الجموع منه، وبلغ الحنق بهم مبلغًا عظيمًا، حتى تيقنوا أنّ الحاكم الغاشم يريد أن يخرجهم من الأرض، ويزيلهم عنها تمامًا، فقرّر نبي الله وكليمه موسى عليه السّلام أن ينجو بقومه من البطش، ويريح بني إسرائيل من صنوف العذاب المهين التي تجرعوها، وينقذهم من ذلّ صماتهم على العسف.

وحين خرج بنو إسرائيل مع رسولهم، أعمى الله فرعون فلم يتركهم وشأنهم، وقد كان من حكمة الأوائل أن يبني المرء لعدوه الهارب جسرًا، فحشر جنوده وجمع قواته، وطاردهم حتى ألجأهم إلى موقع يحيط به البحر بأمواجه العاتية من جهة، بينما يقف فرعون وزبانيته من الجهة الأخرى؛ وهم في غيظ يتطاير شرره على الفئة التي يرونها شرذمة قليلة، واستعداد يتعاظم للفتك بهم دونما رحمة، وثقة مفرطة بالنّصر والغلبة، فقنط قوم موسى وظنّوا أنّهم مدركون ولا محالة، وأنّ مصيرهم إمّا إلى غرق بالماء، أو وقوع في القبضة الفرعونيّة القاسية!
لكنّ موسى عليه السّلام بإيمانه ويقينه وتوكله، أرجع الأمر إلى الله، فهو وليّه وآمره وهاديه، وصدق الله عبده، حيث أتاه الأمر بضرب البحر، فانفلق حتى غدا أرضًا جرداء يعبر قومه منها بسلام، فطمع فرعون بهذا المعبر اليابس، ولم ينتبه لكونه آية لموسى ودليلًا إضافيّاً على صدقه ونبوته، وأصبح مصيره الغرق الذي خشيت منه بنو إسرائيل، ومات فرعون ميتة خالدة مذمومة، يفرح بها كلّ مؤمن حتى قيام السّاعة، واختصرت الآية الكريمة هذه الواقعة بقول الله القدير القوي: ﴿ فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا ﴾ [الإسراء:103].

وكما جرى لموسى وبني إسرائيل، اقترفت قريش مع النّبي محمّد عليه الصّلاة والسّلام ومع المسلمين ألوانًا من العذاب على يد ساداتها، وأطلقت قريش العنان لنسائها، وصبيانها، وخدمها، وسفهائها، كي يوقعوا الأذى بالمسلمين، واستفحل العدوان والبغي من قبل المشركين، وشمل كلّ شيء، حتى التّجويع ومحاولات القتل، فضلًا عن الكذب، والافتراء، والاستهزاء، والتّضييق، والقطيعة.

ومثلما كانت غاية فرعون إلجاء بني إسرائيل للخروج، استهدفت قريش تهجير الرّسول صلّى الله عليه وسلم وصحبه، مع أنّها تعتبرهم مجموعة من الضّعفة والفقراء، وقلّة من ذوي اليسار والشّرف، فاضطّر المسلمون للهجرة عن بلادهم التي أحبوها، ونالهم من كروب الهجرة، والابتعاد، وترك الدّيار، والأموال، والأهلين، ما استفاض في كتب السّيرة والمغازي شعرًا ونثرًا، شوقًا إلى مرابعهم، وحنينًا إلى مراتعهم؛ حتى رقّ لهم نبيهم وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم.

وفي المهجر إلى طيبة الطّيبة، نشأت دولتهم، وبدأت تظهر شخصيّة جديدة في واقع الجزيرة العربيّة، وخلال أقلّ من عامين، سنحت فرصة كي يسترد المسلمون شيئًا ممّا اغتصبته قريش منهم، لكنّ قافلة التّجارة القرشيّة القادمة من الشّام نجت، ومع ذلك أبى زعماء الكفر إلّا الحرب، وشرعوا يخطّطون لاحتفالات ما بعد اكتساح جيش المدينة، وكانت العاقبة الدّنيويّة مصرع سبعين قتيلًا قرشيّاً وفيهم صناديد وأكابر، وأسر سبعين رجلًا من الأثرياء والكتّاب، وجاءت الآية القرآنيّة مختصرة ذلك بقول الله العليم الخبير: ﴿ وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:76].

وبعد هذه الحادثة بستّ سنوات دخل المسلمون إلى مكة فاتحين، وعقب الفتح بعامين جاء النّبي عليه السّلام إلى موسم الحج، ومعه أزيد من مئة ألف تابع يأتمرون بأمره، ويقتدون بهديه، مع أنّه خرج من هذه البقعة خفية ثاني اثنين يكاد الغار أن يدلّ عليهما لولا ثقته بالله ومعيّته، فلم يحزن أو يخف، أو يظنّ بربّه ومولاه إلّا خيرًا.

ومن الموافقات أنّ النّبي الكريم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فرحًا بنجاة موسى وقومه كما يزعمون، مع أنّهم حرّفوا شريعة موسى ودينه، فلم يتوان النّبي عليه السّلام عن انتزاع هذا الحقّ منهم، فهو أولى بأخيه من غيره، وأمّة الإسلام أولى بالأنبياء من أقوامهم المبدلين والمحرفين.

وفي مثل هذا اليوم وقعت مظلمة كبرى، ومقتلة أليمة، أصابت السّبط المبجل، والرّيحانة النّبويّة، وسيّد شباب الجنّة، الصّحابي الكريم ابن الكريمين الحسين بن علي رضي الله عنه وعن والديه وإخوانه وسائر صحابة النّبي وآله، وقد اختطف الشّيعة هذا الحدث لصنع مناحة تاريخيّة؛ مع تجافيهم عن هدي الحسين وأبيه وجدّه، ومن الواجب علينا استرجاع هذا الرّمز لأهله وأتباع سنّة جدّه.

وسيظلّ الحسن والحسين والصّالحون من عقبهما-رضوان الله عليهم جميعًا- أئمّة لنا نحن أهل الإسلام والسّنّة، ونسترجع إذا ذكرنا مصابهم ومصابنا، ونحتسب عند الله ما حدث لهم من ابتلاء، ومحن، ولأواء في سبيل استعادة حقوق الأمّة التي تركها لهم النّبي وخلفاؤه الرّاشدون من بعده، ونبرأ إلى الله من كلّ غلو، وحيف، وبدعة، وإثم، واعتداء.

إنّ منطق القوّة لا يغلب دومًا، خاصّة إذا ترافق معه الظّلم، وانفصل عنه العدل، ولم يتزامن معه العلم، وتعارضت معه الحكمة، فقوم موسى ومحمّد عليهما السّلام، كانوا مستضعفين خرجوا فرارًا بدينهم، وتركوا وراءهم الدّنيا بزخارفها، ولم يطل انتظارهم؛ فشاهدوا بأعينهم زوال هيبة عدوهم القوي، وانكساره وانحساره لدرجة التّلاشي، وتلك هي الأرض، يورثها الله لمن شاء من عباده الصّالحين، والعاقبة للمتقين.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الثّلاثاء 08 من شهرِ الله المحرّم عام 1440
18 من شهر سبتمبر عام 2018م


https://ahmalassaf.com/3634-2/


 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية