اطبع هذه الصفحة


قراءة المثقفين: نور وروح!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


اتّصل بي شاب مثقف، يطلب استضافتي للحديث معه ومع أصدقائه حول قراءة المثقفين، ولم يسعني إلّا الموافقة، فمثل هذه الأحاديث تنفعني أكثر من المستمعين، وفي نشرها منافع تتجاوز الأطر، وتأكدت موافقتي على الموعد؛ لأنّه يتزامن مع ذكرى زواج والدي رحمة الله عليه، ووالدتي أطال الله عمرها على صحّة وسعادة، والله يجعل ما قلته وكتبته لهما أجرًا دون وزر.

وفي البداية، فكلّ قارئ هو مثقف أو مشروع مثقف، ويحسن بالمثقف إتقان تأسيس بنيانه الثّقافي، والتضلّع من أركان ثقافته بما ينفي عنه الجهالة فيها، حتى لا يؤتى من قبل دينه، أو تاريخه، أو لغته، وبعد ذلك يتعمّق في الفنّ الذي يجد نفسه فيه، فيعرف آباءه الأوائل، ومصطلحاته، ونظريّاته، وكتبه الأساسيّة، ومداخله، على ألّا ينكفئ عليه، أو يكتفي به، فيكون له نظر هنا وهناك، لتغدو ثقافته حيويّة منعشة ذات تواصل وانفتاح.

ومن لوازم القراءة الثّقافيّة، الحكمة في الانتقاء، واستخدام الّلاقراءة، فالأوقات شحيحة، والكتب كثيرة، وبعضها أشبه بمجالسة الأحمق التي تنقص العقل، وتزري بالذّوق، ومنها ما لا مناص من قراءته، وفيها ما يكتفى بتصفحه، ويغني عن جرد قسم منها الاطّلاع على مراجعة عنه، أو الاستماع لعرض وافٍ حوله، ومن الإنصاف في هذه الحال؛ أن يقف المثقف على أكثر من مراجعة وعرض، حتى لا يصبح أسير قول واحد.

ومن هذا الباب، أن يكون للمثقف منتدى أو ملتقى، يعرض فيه ما قرأه، ويستمع من الآخرين عمّا قرأوا، وبالتّالي تزداد حصيلته، وتنفتح آفاقه على رؤى أخرى، وعناوين، ومجالات، ومؤلفين، وأفهام، وكم في مجالسة الجادين من فوائد وثمار، إذا كانت حسنة الإدارة، ظاهرة النّفع، غزيرة المادّة، وإلّا فهجرها أولى.

ويعمد بعض المثقفين إلى تخصيص وقت لقراءة جميع ما كتب عن فكرة، أو مجتمع، أو شخص، سواء من النّاقمين، أو من المعجبين، أو من النّاقدين بعلم وعدل، وغايتهم من ذلك الخروج برأي عن شأن يشغل بالهم، كي لا يكون الواحد منهم صدى، فالثّقافة تتنافى مع أحوال الصّدى والصّدأ، ولا يرضى مثقف نبيل أن يقال عنه: يهرف بما لا يعرف! ومن هذا الباب أن يقرأ بعضهم كلّ أو جلّ انتاج مؤلّف ما، أو مدرسة معينة، لذات الغرض.

وحين يبحر المثقف مع التّاريخ، أو البلدان، أو القبائل، أو الشّعوب، فمن العمق وإتمام العلم، أن يزور الأماكن، ويقف على المواقع، ويحادث المعاصرين للأحداث أو الرّواة عنهم، وفي ذلك فائدة نفيسة يعرفها من جرّبها، ولو زار المثقف المدينة النّبويّة، وتتبع آثار النّبي عليه السّلام والصّحابة رضوان الله عليهم، لأصبحت قراءته للسّيرة ذات مذاق مختلف.

ولا يأنف المثقف من تكرار قراءة الكتاب، ومع أنّ العقاد يقول بأنّ قراءة كتاب واحد ثلاث مرّات أنفع من قراءة ثلاثة كتب، وهو قول صادق أحيانًا، إلّا أنّه فعليّاً، وهو المفروض منطقيّاً، أنّ المثقف حين يقرأ الكتاب في المرّة الثّانية أو الثّالثة؛ يكون غير نفسه إبّان القراءة الأولى، وبالتّالي فقراءته الحاضرة جديدة وليست تكرارًا، أو هكذا يجب.

ومن أكبر نقائص الثّقافة ونقائضها، أن يقتات القارئ على قوائم يصنعها الآخرون أو ينصحون بها، فمن أسّس معالم ثقافته على قواعد محكمة، لن يحتاج لهذه القوائم، ولن ينخدع بجملة الأكثر مبيعًا من باب أولى، والشّيء بالشّيء يذكر، فما يعجب مثقفًا قد لا يروق لك، وحين يستغلق عليك كتاب فلا تضع الوقت في عراك معه، ودعه إلى سواه ممّا يوقظ روحك، ويشعل فتيل فكرك.
ويقبل المثقف على الكتاب دون تسليم، وبلا اتّهام، ومن غير أحكام سابقة، وإنّما رائده البحث عن الحقّ، ثمّ الإذعان له. والمثقف المتميز يختار مواضع من الكتاب ليعود إليها، ويعلّق، ويلّخص، ويصحّح، ويعترض، ويكتب وجهة نظر أخرى. وأجلّ نتيجة يخرج بها المثقف من الكتاب أن تجيب عن تساؤلاته، وأن يطرح بعد فراغه من القراءة تساؤلات جديدة تحرّك ذهنه، وتزيد لياقته، للبحث عن جواب لها، وتفكيك الكتل الصّلبة الموروثة، أو المستقرّة دون برهان، أو أثارة من علم.

ويتخذ بعض المثقفين من أحد كتبهم علاجًا للانغلاق، ودواء لتحجر الأفكار، وفي سيرهم نقرأ أنّهم يضعون كتبًا على مكاتبهم باستمرار، لينظر الواحد فيها إذا أدركه الملل، أو نالت منه الحبسة، أو هاجمه النّعاس، ثم ينفتل عنها وهو أنشط ما يكون، وأكثر إشعاعًا وتدفقًا، وكلّ مثقف بكتبه العلاجيّة والوقائيّة أعرف.

والمثقف العاقل غير مسكون بمناكفة السّلطة أو تمجيدها، والله يجعل السّلطات متغاضية عنه، بعيدة عن فلي كلامه، وعصْر عباراته، فوظيفة المثقف تنوير العقول، وتحريك المجتمع المحيط والبعيد لفعل الخير والمصلحة، واجتناب الشّر والمفسدة، وبعث روح المبادرة فيه، ونشر أنوار العلم في أنحائه، وسينجح في مهمّته السّامية إذا ساق أفكاره الأصيلة، ومفاهيمه المتينة، بعبارة سهلة تحمل بذور الانتشار والخلود، فحلاوة لفظ شعر جرير جعله على كلّ لسان، بينما ظلّ شعر الفرزدق الصّعب نخبويًا قصيّاً.

ويعي المثقف متى يتصل بأساتيذه، ومتى يستطيع الانفصال عنهم؛ كي لا يكون تابعًا أبد الدّهر، وخير سبيل يسلكه المثقف أن يختلط مع مجتمعه، فينشر الوعي، ويبّث الأفكار الإيجابيّة، ويحاضر، ويكتب، ويشير، ويكفيه من هذه الأعمال ما يقوى عليه، فليست المحاضرة والكتابة بمقدور الجميع، والأصل أن تكون ثقافته ذات أثر مبارك عليه، وعلى أناسه، ومجتمعه، وبلده، وأمّته، وينتقي الطّريقة التي يؤدي بها هذه الأمانة.

ومهما توّسع المثقف المسلم، وخاض في بحور الحضارات، ونهل من فنون التّراث الإنساني، فستبقى ثقافته محتاجة لأن تأرز إلى الإيمان، والنّقاء، والعلم الكبير، وينال ذلك من خلال المعايشة الدّائمة مع كتاب الله وأنواره، والنّهل من سنّة المصطفى وهداياتها، ومواكبة سيرة الرّسول وخلفائه الرّاشدين، فالانقطاع عنها نقص كبير ليس له قائم مقام البتّة، ولا يناسب هذا النّقص الأساسي لمثقف شادي أو ناشئ، فكيف بالكبير والنّحرير، الذي يتمركز في موقع القدوة والإمامة؟!


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الإثنين 14 من شهرِ محرّم الحرام عام 1440
24 من شهر سبتمبر عام 2018م


https://ahmalassaf.com/1384-4/

 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية