اطبع هذه الصفحة


العجل: شراب قاتل!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


ورد في القرآن العزيز خبر عجل بني إسرائيل في ثماني آيات، وأربع سور، منها أربع آيات في سورة البقرة، وآية في سورة النّساء، وآيتان في سورة الأعراف، وآية في سورة طه. وارتبط مع هذا العجل حوارات، وذهب ومجوهرات، وغضب، وخلافات، ومصير مخيف، وشراب شأنه من الآيات الباهرات، وكلّ كتاب ربّنا عظيم!

ويمكن اختصار حكاية العجل طبقًا لما ورد في القرآن العزيز، حيث ذهب موسى الكليم إلى لقاء مولاه، فاستثمر السّامري غيبته ليحدث فتنة فكريّة في قومه، ولم يحسم هارون خليفة موسى عليهما السّلام الأمر في مواجهة إفك السّامري حذار العواقب، فانجفل أكثر النّاس خلف هذه البلبلة التي ينقضها يسير المنطق، وشيء من الإيمان.

وحين قفل موسى عليه السّلام إلى قومه، ورأى انقلابهم إلى الشّرك الذي أنجاهم الله منه، ونكوصهم إلى العبوديّة التي أنقذهم الله منها، امتلأ غضبًا، وألقى الألواح، وعاتب أخاه على اجتهاده، وبعد مساءلة الأخ المستخلف، لام قومه الذين اختاروا الانصياع للدّجل، وعبادة العجل حتى أشربوه في قلوبهم؛ فوعظهم وحذّرهم، وأخيرًا أنزل قوارع التّهديد بالمرجف الآثم، وأمّا العجل فنال مصيره من تحريق ونسف وغرق.

ونلحظ من هذه الواقعة العظيمة، أنّ إرجاف الدّجاجلة يأتي بعد بصر وتفكير، ويتحينون أوقات غيبة الرّموز ولو بقي الذين يلونهم؛ لأجل تمزيق أهل الحق وتصديع بنيانهم، وربّما يأخذون من الوحي شيئًا فينبذونه؛ ثمّ تسوّل لهم نفوسهم الخبيثة الإفساد الكبير بالتّلبيس على العامة، أو تحريك شهواتهم، واستثمار الهوى الإنساني، لصنع عجل أو أكثر، وهي على التّحقيق صروح من وهم، أو أبراج من خبال، أو جبال من هلع.

ومع أنّ هارون عليه السّلام لم يألوا جهده في النّصح والموعظة، ومع أنّ العجل ماثل أمام بني إسرائيل بلا حياة ولا استجابة، ومع أنّ موسى ذهب للقاء ربّه لأجل كرامة قومه، ومع أنّ القوم حديثو عهد بمجرم بطوش هلك أمامهم، وأقدامهم لم تجف من ماء البحر، ونعم الله عليهم متوالية، وفوق ذلك ليس لداعية الضّلالة تاريخ من الإنجاز بارز لهم، إلّا أنّ نفوسهم كانت تحمل بذور التّشوف للوثنيّة، ولو لم يكن صنمهم إلّا عجلًا له خوار استولى على قلوبهم، وسرى في عروقهم، فصدّهم عن الإيمان، وصرفهم عن الوفاء والمكارم.

يقول المفسرون عن معنى "شرب" العجل: خالط حب عبادة العجل قلوبهم كما يخالط الماء أعماق البدن، ولم يأبهوا بما جاءهم في التّوراة من الهدى والنّور، حتى تداخلهم حبه، وكما أنّ الشّرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، فكذلك تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من أفعال. والتّعبير بقوله: "أُشْرِبُوا" يشير إلى أنّه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأنّ غيرهم أشربهم إيّاه، وإنّما عبّر عن حب العجل بالشّرب دون الأكل؛ لأنّ شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها.

ولهذا المعنى عموم ضخم، ففي كلّ جماعة بشريّة نبي أو من يقوم مقامه، وقطعًا يوجد لديهم سامري أو أكثر، وبالتّالي سيحاول إشرابهم عجلًا أو أزيد، وقد يكون السّامري بشرًا أو وسيلة، وربّما يكون العجل مادة محسوسة، أو قيمة معنويّة، تحجب عن النّاس طريق الحق، وتحرفهم عن سبيل الهدى والأمن، إلى جحيم الغضب والذّلّة في الدّنيا، ولعذاب الآخرة أكبر.

وغالبا ما يكون في "العجل" إهدار لقيمة الإنسان، وتخفيض من قدره، وإنقاص من قيمة العقل، وإزراء برجاحته، وثقب كبير في الإيمان حتى لا يكون له بشاشة، ولا يقوى على مخالطة شغاف القلوب، وإنّ "عجلاً" هذا خطره، لا بدّ أن يطرد من القلوب والعقول، وأن تنقى من آثاره الدّماء والمشاعر، فمجرّد مزاحمته وحدها لا تكفي، ولا مناص من جعله قاعًا صفصفًا ببوارق الحقّ، ونور الإيمان، وعزيمة الأشدّاء، ومضاء الشّجعان.

وينشأ "العجل" من طلب خاطئ يسير، أو إهمال غير محسوب العواقب، أو بسبب الجهل، والهوى يعظم ذلك ويزيده حرجًا، ومن المهم لأهل الإصلاح البحث عن "العجول" التي أشربها النّاس، وفضح طبيعتها المناكفة لأمر الله؛ تمهيدًا لحرقها ونسفها وتغريقها، وعليهم واجب آخر يتمثّل في مراقبة حركة صنع "العجول"، ووأدها قبل أن تخرج للنّاس رؤوسها فيسمعوا خوارها، ويشربوا حبها، وياله من بوار!
وما فسد دين، أو خربت دنيا، أو ضاعت بلاد، أو فاتت مصالح، إلّا بسبب سامري خبيث ماكر، وعجل قابل للإشراب، وجمهرة تتبع بغفلة واندفاع، دون تأمّل أو تأنّي، والخطب جلل جسيم ولو كان المصلح كشيخ أنبياء بني إسرائيل وكليم الله، ومعه وزيره الفصيح هارون، عليهما الصّلاة والسّلام، فكيف بغيرهما؟!


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الثّلاثاء 22 من شهرِ محرّم الحرام عام 1440
02 من شهر أكتوبر عام 2018م


https://ahmalassaf.com/1945-2/

 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية