اطبع هذه الصفحة


نصيف وتلك الدّار الآخرة!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


استقبل القرّاء مقالتي الأولى عن معالي د. عبدالله بن عمر نصيف بحفاوة لافتة؛ لأنّها نطقت بما في القلوب من محبّة وتقدير لهذا العَلَم الشّامخ بعزّة نفسه، وسمو طبعه، ورقّة تعامله، وأدب لسانه، وكبير جهده، وعلو همّته، مع ترفّع عمّا يخدش المروءة، وابتعاد عمّا يشين المسيرة، والله ينزل عليه رضوانه وهو طريح الفراش، ويبشّره بروح وريحان إذا ارتقى إليه.

ولا عجب أن تجتمع فيه هذه الصّفات وقد خلقت أمشاجه من بيتين نبيلين، هما بيت آل نصيف في جدّة، وبيت شرف الدّين في بومباي، فكان من ثمرة تصاهر هاتين الأسرتين العريقتين باقتران عمر سليل البيت الأوّل، مع مريم الصّدّيقة درة البيت الثّاني، ميلاد هذا الإنسان الكبير ضمن أربعة أشقّاء أفذاذ، إضافة إلى شقيقة مباركة فاضلة نجيبة.

حظي شيخنا منذ طفولته المبكرة بتربية منزليّة راقية، وتشارك مع والدته وخدمها في الدّعوة، ونشر العلم، وتعليم القرآن، وافتتاح المدارس، ومقاومة البدع والخرافات، وإبطال السّحر والطّلاسم، وإحياء الفضائل والمكرمات، وتعزيز شعبة الحياء، ثمّ استمر يقرأ الورد اليومي معها حتى يختم القرآن شهريًا، وفيما بعد اصطحب أولاده معه كي تعلّمهم جدّتهم التّجويد وتصحّح تلاوتهم.

وكان خادمًا مطيعًا لجدّه العالم الوجيه، ووكيله في استقبال الوفود بالميناء، وصاحبه في حضور المجالس التي يعمرها أقطاب العلم والدّعوة والأدب والجهاد، ومرافقه لمجالسة الملوك والزّعماء، فكأنّ ذلكم الطّفل الصّغير، والشّاب الغضّ يُصنع بفضل الله، ويهيئ لمستقبل عظيم آت بقدر الله.

ومع هذا الانغماس الكامل في طاعة الوالدة والجدّ لدرجة أنّهما لم يسمعا منه كلمة تمنّع، كان متفوقًا في المدرسة والجامعة، وله برنامج خاص منضبط، وسلوك قيادي آسر صيّره متبوعًا من أقرانه ورصفائه، الذين لم يجدوا في أنفسهم غضاضة وهم يسيرون خلفه، ويطيعون أوامره برضا وتسليم، وتلك مزيّة ظلّت تلاحق الرّجل في أعماله؛ فلا تكاد أن تجد له معارضًا أو مناكفًا، وحين يحكي عنه إنسان أو يودّعه تسابق دموعه حروفه؛ فالحروف أمام نصيف تبكي ولا تكفي!
أمّا في بيته بعد أن تزوّج فهو نعم الزّوج والمربي والأب الحنون، إذ يمسّد شعور بنيه بيده وهو يشرع في إيقاظهم لصلاة الفجر، ويخاطبهم بهدوء خلافًا لما يفعله بعض الآباء من سلوك كاسح لإنهاء نوم أولادهم! وفوق ذلك يضبط حرارة الماء لهم في الشّتاء؛ ويكرّر على مسامعهم فضل إسباغ الوضوء على المكاره، وإبّان عمله في رابطة العالم الإسلامي افتقده بيته لمدد طويلة، ومع ذلك لم يعلم أهله عن منجزاته إلّا من أحاديث الآخرين.

يحب أبو عمر التّأمل في سلوك الأطفال والتّصابي لهم، ويزور شقيقته باستمرار ويحثّ إخوانه وأبناءه على ذلك، كما يحرص على جمع الأصدقاء في رحلات بريّة أو بحريّة، ويطبخ لهم بنفسه، ومن أجود ما يصنعه "المعصوب" و "الشّكشوكة" التي يبدع في تحضيرها- هي أكلة من البيض والطّماطم-، ويبادر للتّواصل مع أصحابه وموظفيه دون أن ينتظر من أحد البدء بذلك مع أنّ الحقّ له في الغالب، وفي رمضان يمنح المحتاجين من موظفي مكتبه مبلغًا مجزيًا.

وقال عنه رفيقه في البعثة لأمريكا معالي د. محمود سفر: هو أفضل إنسان سكنت معه! وقال مدير عام مكتبه في مجلس الشّورى الأستاذ عبدالله المرزوق الذي عمل مع عدّة نواب للمجلس: كان يكوي لي ملابسي في السّفر! بينما اختصر معالي الشّيخ عبدالله بن بيّه سمات د. نصيف بقوله: تزداد انجذابًا له كلّما اقتربت منه، ويزيد حبه بكثرة مخالطته.

كما يربط د. نصيف كلّ حدث بحكمة الله وقدره وخيرته؛ ولذا كان يرضى ويسلّم ولا يكفّ عن العمل مهما حدث، ففي مصيبة وفاة والده وهو شاب تجلّد وصبر كما فعل عند رحيل والدته وهو مكتهل، ومثلما يفعل الآن وهو على فراش مرض طويل أعظم الله له الأجر والمثوبة، حتى عجب زوّاره من بشاشته، واستسلامه، وتلك لعمر الله من تجلّيات النّفس المطمئنّة المؤمنة، ومن السّكينة التي استقرت في قلبه ويالها من نعمة.

ويصفه د. درويش جستنيه بأنّه محبوب مبتسم لطيف المعشر، لا ينفعل أبدًا، وإنسانيته بادية في جميع مواقفه، وهو صاحب ذوق في التّعامل مع الجميع، نظيف اليد والّلسان والقلب، ولم يهجر مهنة التّعليم حتى وهو في منصب مدير الجامعة، وله نصيب من خدمة الاقتصاد الإسلامي بدعم إنشاء مراكز علميّة في الجامعة، كما أنّه مدرسة في تفويض الأمر إلى أهله، فحين هجم عالم شيعي على منبر جامع في ملبورن للخطابة فيه أمام علماء أحد مؤتمرات الرّابطة، لم ينفعل د. نصيف، وترك الأمر لإمام الجامع بالتّعاون مع الأمن الأسترالي للتّعامل مع المعمّم بحكمة وهدوء.

يتميّز الشّيخ بورع كبير؛ فبعد أن غادر مجلس الشّورى طلب من مدير مكتبه الأستاذ عبدالله المرزوق أن يرسل له الأوراق التي تخصّه، وكانت محفوظة في ستة عشر ملفًا، وبعث للمرزوق حوالة مصرفيّة بقيمة ملفّات جديدة حتى يضع فيها أوراقه تأثمًا من أخذ ممتلكات جهاز حكومي، مع أنّه حين جاء للمجلس اشترى أشياء كثيرة لمكتبه في المجلس من حسابه الخاص ولم يطلب تعويضًا عنها، ومع أنّ ثمن الملفّات أقلّ من ثلاثمئة ريال!
ويروي المرزوق أنّ د. نصيف ترشّح لمنصب في الاتحاد العالمي للكشّافة، فأراد معاليه إرسال ثلاثين نسخة من سيرته للدّول قبيل التّصويت، وطلب من مدير مكتبه تنفيذ ذلك وهم في مكان إقامتهم بفندق في النّرويج، ثمّ تفاجأ المرزوق بخروج د. عبدالله من غرفته مسرعًا طالبًا منه إيقاف عمليّة الإرسال كي ينفذ مكتبه في جدّة هذه المهمّة؛ لأنّها شأن شخصي ومن الحرام تحميل الحكومة فاتورة الاتّصال، وعبثًا حاول المرزوق إقناعه بأنّ فوزه مكسب للمملكة، وأنّ الإرسال متاح له على اعتبار أنّه يمثّل الدّولة!
ومع سماحة الرّجل وقربه من الضّعفة إلّا أنّه ليس ساذجًا أو جدارًا قصيرًا، فقد أكثرت امرأة من إرسال طلبات استعطاف له في بيته ومكتبه وصندوقه البريدي الخاص، فبحث أمرها حتى استبان له كذبها فزجرها ووعظها بلطف، واستعمل أحدهم اسم الدّكتور وتوقيعه المزوّر للحصول على تزكية ومنافع، فتابع الأمر حتى قبضت عليه الأجهزة الأمنيّة، وبعد ذلك شفع له رحمة بأطفاله وعجائزه، وأملًا في توبته.

ولم يتوان د. عبدالله نصيف عن إجابة الجامعات والمؤتمرات لإلقاء المحاضرات التي تقرّب مفاهيم الإسلام للعالم، وتشرح جماله ومزاياه، وفوق ذلك لم يجد حرجًا في نفسه من ترجمة مداخلات للشّيخ الّلغوي المفسّر محمّد متولي الشّعراوي اعتمادًا على ما وهبه الله من إجادة متقنة لّلغة الإنجليزيّة، مع معرفة عميقة بأصول الثّقافة الشّرعيّة، ولو كان غيره في مثل منصبه ومكانته لما ترجم لأحد البتة.
وأسقط د. نصيف حقوقه لصالح غيره، وأسقط هيبة النّاس أمام حقوق الله سبحانه، ويتضح ذلك من حكايتين أخبرني بهما رجلان كريمان من رفقائه، فالأولى يرويها د. حاتم قاضي الذي عمل معه في الرّابطة، فخلال موسم حج حار، جاء إلى غرفة د. نصيف أحد الضّيوف، وخاطبه مستنكرًا تعطّل جهاز التّكييف في غرفته بينما غرفة الأمين العام فيها جهاز يعمل! فما كان منه إلّا أن أمر بنقل مكيّف غرفته إلى غرفة الضّيف الغاضب، وقضى أيّام منى في قيظ أحمر، وعرق يتصبّب!
أمّا الحكاية الأخرى الفريدة، فوقعت باستنجاد امرأة في يوم أربعاء بمعالي الدّكتور نصيف كي يشفع لأخيها المعتقل بسبب مشاركته في قناة تلفزيونيّة لندنية، فاتّصل بقصر أحد كبار الأمراء المؤثرين في وزارة الدّاخليّة، وأجابه الموظف بأنّ الأمير في مختصره، وسيخبره حين يفرغ، ولم تمض دقائق حتى اتّصل الأمير، ورحب بنصيف وعزم عليه أن يزوره إذا جاء للرّياض، ثمّ استفهم عن غرضه من المهاتفة، فأخبره بشفاعته للفتى، فقال الأمير وهو يتضاحك مع نصيف: هذه قرصة أذن له على مكالمته للقناة! فقام نصيف من فوره كالمنتفض، وكان جالسًا وخاطب الأمير بلهجة جادّة: القرصة بيوم أو يومين وليست بشهرين! وحينها بادره الأمير بقوله: أبشر وسيخرج قبل الاثنين القادم، علمًا أنّ المكالمة كانت عبر المكبّر كعادة نصيف، وبالتّالي فالمرأة ومن في المكتب استمعوا إليها.

وبعد عودة الأمير سلطان من رحلته العلاجيّة التي سبقت وفاته، ذهب د. نصيف لزيارته في قصره بجدّة مع بعض أعضاء مجلس الشّورى، فأصر زميله في الاتّحاد العالمي للكشّاف المسلم وأمينه العام د. زهير غنيم على مرافقتهم مع أنّ اسمه غير مدرج في كشوف الزّيارة، فاعترض نصيف تماشيًا مع النّظام، لكنّ د. غنيم قال له: سأذهب معكم، فإن أعادوني رجعت.

وحين دخلت السّيارة التي يستقلّها د. نصيف وجد كلّ ترحيب من الحراسات الأمنيّة لدرجة أنّهم لم يسألوه عمّن معه، فدخلوا للقصر وسلّموا على الأمير، وانتهز د. زهير الفرصة للتّعريف بالاتّحاد العالمي للكشّاف المسلم، وفهم الأمير سلطان الرّسالة فسأله وما المطلوب؟ فقال: نريد أرضًا تجاريّة مساحتها خمسمئة متر! فأجابه الأمير المشهور بعطائه: سأشتري لكم أرضًا مساحتها خمسة أضعاف ما طلبت! فقبّل د. زهير كتف الأمير وطمع في دعم بناء هذه الأرض لتكون وقفًا للاتّحاد.

وافق الأمير على دفع مليون ريال، فتدّخل نصيف شاكرًا الأمير وأوضح أنّ المليون لا تكفي للبناء! فقال له الأمير ثلاث مرّات: والله أنّي أحبك يا عبدالله، وإذا لم تجدوا من يكمل المبلغ فعودوا لي ولن أخذلكم، ويضيف د. زهير بأنّه لم يجد أرضًا بهذه المساحة إلّا في منطقة ورش ومستودعات، فقال له نصيف: لا تضيّع الفرصة، ولنكسب شراء هذه الأرض مادام الأمير موجودًا، وهو ما كان، ومن خيرة الله أنّ الورش المجاورة للأرض تحوّلت إلى أراض تجاريّة أنعشت المنطقة، ورفعت قيمتها.

لم يقتصر إعلان الحب لنصيف على الأمير سلطان، فالملك فهد يجلّه ولا يرد له طلبًا، وبعد أن أصبح أمينًا للرّابطة حصل على تبرع مالي كبير من الملك فهد؛ فبنى للرّابطة مقرًا يليق بها وبعالميتها وأعمالها ودولة المقر، ولا يعرف بأنّ الملك رفض له طلبًا، وكان يراه رجل دولة أمين صادق.

وذات مرّة دعاه قصر الملك عبدالله لمقابلة الملك بعد العشاء، فاقترح نصيف أن يكون الّلقاء بعد المغرب حتى لا يختلّ وقت نومه، فلم توافق المراسم لارتباط الملك، وحين ذهب إلى الموعد وجد نفسه وحيدًا مع الملك الذي رغب الخلوة به، والاستماع إليه، وإعلان محبته لنصيف وثقته به، والمثير أنّ الله القدير جعل له مودّة في قلوب الملوك والأمراء دون أن يتكلّف نصيف لهم بمدح أو تملّق، بينما قذف في قلوبهم احتقار المتسلّقين والمنافقين.

ولمعاليه دور بارز في إقناع مؤتمر زعماء العالم الإسلامي المنعقد عام 1401=1981م بدعم الأنشطة الشّبابيّة والكشفيّة، ولغيرته على أمّته وأهل دينه، كان وراء إنشاء الاتّحاد العالمي للكشّاف المسلم الذي يخدم عشرين مليون كشّاف مسلم تقريبًا، وهو أحد ستّة اتحادات كشفيّة دينيّة تسعى لتعزيز القيم، وربط الشّباب بمكارم الأخلاق.

ومن الطّريف أنّ رجلًا من العاملين مع د. نصيف اشتكى من طول سفر عبر البّر استغرق بضع ساعات داخل الفلبين، فأخبره مستقبله أنّ د. نصيف كان يأتي إلى نفس هذا المكان قبل وجود المطارات الدّاخليّة، ويقطع تسعة عشر ساعة من السّفر البري بعد تسع ساعات من السّفر عبر الجو دون أن يتذمر أو ينبس بكلمة يُفهم منها التّعب أو طلب الرّاحة، ثمّ أطلعه على آثار معاليه الدّعويّة والخيريّة والإغاثيّة هناك التي جلبت البركات لمسلمي تلك البقاع.

إنّ د. عبدالله بن عمر نصيف رجل من مجتمعنا، وليس عسيرًا أن تحرص كلّ أسرة على صناعة أنجالها، وتسعى لتهيئة أجيالها، ليكون منهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، بهم يفخر العلم، والعمل، ولأجلهم يزهو الزّمان، والمكان، ومعهم تتعاظم المنافع، وتشرق الأرض، وإليهم تنتسب التّنمية والإنجاز، فهذا أقلّ واجب المجتمع والدولة على الأسر والبيوت، ليكون فينا وبيننا ألوف أمثال نصيف.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الثّلاثاء 25 من شهرِ ربيع الآخر عام 1440
01 من شهر يناير عام 2019م
https://ahmalassaf.com/4286


 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية