اطبع هذه الصفحة


عندما كان القصيبي سفيرًا!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


يعدّ د. غازي القصيبي -رحمه الله- من أكثر الوزراء ثقافة، وحضورًا، وإثارة، وربّما يكون من القلّة الذين أصبحوا وزراء قبل بلوغهم الأربعين، وهو فيما أعلم ثاني وزير خرج من المجلس ثمّ عاد إليه من غير الأمراء، حيث سبقه الأستاذ محمّد الفايز، وتبعهما الشّيخ صالح آل الشّيخ، ولا أعلم غيرهم عاد بعد أن خرج!

للقصيبي كتب عن سيرته الشّعرية، وحياته الإدارية، ومرافقة الزّعماء الزّائرين، وأطول كتبه في هذا المجال توقف عند عام (1412=1992م) بعيد انتقاله من سفارة المملكة في المنامة إلى لندن، وبقيت ثمانية عشر عامًا خصيبة بالأحداث دونما خبر منشور، ولا أدري هل كتب عنها أم أدركه الرّحيل فودّع الدّنيا صامتًا؟!

وفيما مضى كتبت مقالة طويلة عن السّفراء، ونويت أن أجعل مقالة خاصّة للسّفيرين الكبيرين الشّيخ الشّبيلي والدّكتور القصيبي، فإن إحياء سير رجال الدّولة هؤلاء يبقي جذوة الأمل حيّة، ويتيح المجال للاقتداء والإفادة، وإنّما بركة السّير والتّراجم في تأثيرها.

فمن أخباره في لندن أنّه سمع عن مواطن سعودي يعيش في حال بئيسة، فاصطفى أحد المبتعثين من حفظة الكتاب العزيز، وأعطاه مبلغًا ضخمًا من المال للإنفاق على هذا المسكين وإصلاح شأنه، وكان يسأل عنه بين فينة وأخرى حتى اطمأن على صلاح أمره كما أخبرني الحافظ الكريم.

ومن الطّريف أنّ هذا المبتعث الحافظ صلّى إمامًا والقصيبي خلفه، وبعد الصّلاة طلب منه أبو يارا تسجيلًا لقراءته، وعقب نهاية الحفل ناداه وانفرد به، وأكدّ عليه أن يرسل له أشرطة فيها تلاوته القرآنية، وأنبأه بأنّه طلبها ليس من باب المجاملة وإنّما ليستمع إليها، وقال له بالحرف: طلبي ليس "كليشة"!

وروى لي صديق أكاديمي أنّهم أقاموا حفلًا في مانشستر بعد تعيين القصيبي سفيرًا بمدّة وجيزة، ولم يتوقعوا حضوره من لندن لانشغاله الطّبيعي بترتيب أوضاعه، ولبعد المسافة؛ ولكنّهم فوجئوا به يدخل قاعة الاحتفال، ويدور على الحاضرين من المبتعثين ويسلّم عليهم واحدًا واحدًا مع كثرتهم، ثم أدى معهم الصّلوات، وجلس على منضدة الأكل مع ثلاثة عليهم سيما التّدين، فسألهم عن تخصصاتهم، ثمّ عقّب ممازحًا: أنت شيخ كيمائي، وأنت شيخ طبيب، وأنت شيخ مهندس، وأنا شيخ علماني، ثمّ استغرق في ضحكة أخوية لطيفة.

وإبّان سفارته في لندن التي استمرت أزيد بقليل من عشر سنوات، شارك في لقاء عام، وطرح عليه بعض المغرضين سؤالًا ملغومًا، وقد يكون غرض السّائل أن يشفي غيظه، ويروي غليله ولكن بكلمات من القصيبي، ويتعلّق السّؤال ببعض خصوم أبي يارا الذين اعتقلوا آنذاك، وكان القصيبي ذكيّاً فلم يقع في الفخ، وكان زكيّاً ساميًا إذ رفض الحديث عن أقوام لا يستطيعون الرّد، وزاد بأمنيات صادقة صادرة من قلب كبير وأفق واسع، بأن يوفق الله ولاة الأمر لإعادة النّظر والعفو.

وذكر د. حمد الماجد في مقالات له عن القصيبي بعد أن زامله سبع سنوات سمان في لندن، أنّ القصيبي فاز بجائزة ماليّة ضخمة من الكويت، فتبرع بها كلّها لصالح مكتبة المركز الإسلامي شريطة أن تصرف لشراء الكتب وليس لمستهلكات تفنى، ومصارف إداريّة محدودة النّفع.

ويروي د. الماجد أنّ القصيبي أوّل من أقام صلاة الجمعة في سفارة لندن، ولم يمنعه منصبه وسنّه من ارتقاء المنصّة مرّة أخرى لتكريم الطّفلة هناء ابنة الدّكتور حمد إذ وصلت للحفل متأخرة بسبب زحام الطّرق، فكان الموقف ذا وقع في نفس الصّغيرة ووالدها، وكانت الهناء محلّ غبطة الزّميلات بهذا الاختصاص.

سعى السّفير القصيبي لكسب الولاء لبلده، فحرص على المنح الدّراسيّة من بلده لمواطني البحرين، مع تسهيل فرص العلاج لمن يحتاجه، فكلّ منحة، وفرصة علاج، تعني مكسبًا للوطن خارج حدوده، ويتجاوز الرّبح المستفيد المباشر إلى عائلته، وأسرته، ومحيطه، وهو مسلك له من الفائدة أفضل مما تفعله كبريات شركات العلاقات العامّة.

ومع أنّ لندن تغص بالمعارضين، والشّانئين، وأصحاب المواقف المختلفة، إلّا أنّ السّفير د. القصيبي استفرغ وسعه في مدّ الجسور مع من استطاع منهم، وكان التّمر الفاخر، وماء زمزم الطّاهر، وشهر رمضان المبارك، وموسم الحج والعمرة، فرصًا سانحة لتجديد العلاقات، وتلطيف الأجواء، حتى ذكره بخير المعارضون قبل الموافقين.

ويقترح القصيبي على أيّ سفير أن يفتتح ديوانيّة في البلد المضيف، يستقبل فيها مواطنيه وغيرهم، وذكر تجربته العامرة بالثّقافة في البحرين، ونسب هذه الفكرة للسّفير فهد السّديري حينما كان في الكويت خلال حقبة التّسعينات الهجريّة، ويرى ضرورة أن يتعرف السّفير إلى البلد المضيف، وثقافته، والمؤثرين فيه، ويمضي فيه خمس سنوات على أقلّ تقدير.

كما يحذّر السّفراء من الحساسية المفرطة، ويصفها بأنّها أخطر شيء على عمل السّفير، ويأسف لأهميّة المراسم الشّكلية لدى السفير العربي، وهي لا قيمة لها عند السّفير الغربي، ويعلّل ذلك بأنّ السّفير العربي قد يكون بلا مهام ذات بال؛ فيعظّم من شأن المراسم، خلافًا للغربي الغارق في تفاصيل علاقات بلاده مع البلد المضيف، وله في هذه المسألة بالتّحديد ملاحظات محزنة، وآمل أنّها قد تلاشت الآن، أو في طريقها نحو الأفول بعلاج قوي أمين.

ولأنّ مهمّة السّفير نقل مواقف دولته كما هي دون تجميلها حتى لا يزري بأمانته، فقد سألته حكومة بريطانيا أو المنظمات الحقوقيّة هناك، عن مصير مواطن سعودي قاتل وهارب إلى بريطانيا، والمملكة تطالب بتسليمه، فقال القصيبي بوضوح: يحاكم، وإذا طلب أولياء الدّم القصاص فسوف يقتل!
يشير د. غازي إلى أنّ الصّمت من الفضائل التي يجب على السّفير اكتسابها، وأنّ الحساسية آفة عمل السّفير، وقد تفسد علاقات بلاده مع غيرها، وأنّ سوء العلاقات مؤشر على فشل السّفير، ويأسف لأنّ السّفير العربي ليس لديه من الصّلاحيات مثل ما لدى زميله الغربي؛ ولذا لا تأبه به وزارات الخارجيّة الأجنبيّة إلّا نادراً.

ومن تهكماته الجميلة، أنّ السّفير العربي لا يعلم شيئًا عن فحوى الرّسائل بين البلدين حتى لو حملها بنفسه، خلافًا للسّفير الغربي الذي يكتب الرّسالة بنفسه في أكثر الأحيان! وبنبرة حزينة قال: يعمل طاقم الاستخبارات في السّفارة الغربيّة تحت عين السّفير؛ بينما أقصى أمنيات السّفير العربي أن يسلم منهم!

هذا طرف غير محيط من خبر رجل شغل المجتمع والسّاسة والإعلام بنتاج قلمه نثرًا وشعرًا، وبأسلوبه في التّعليم والإدارة، وبحضوره في الميادين التي يحسنها، وبمواقفه الثّابتة لصالح أمته وقضاياها، وبسبب بروزه الكبير، وتقاطر الصّحافة العالميّة، مع الثّناء على نزاهته وإنجازاته، أصبح موضع الغيرة المفرطة من زملائه وأقرانه المعاصرين وغيرهم، وآمل أن تكون حسناته قدوة لمن قرأ عنه أو سمع، عسى أن تكون له أجرًا ولسان صدق.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الخميس 25 من شهرِ جمادى الأولى عام 1440
31 من شهر يناير عام 2019م


https://ahmalassaf.com/4461


 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية