اطبع هذه الصفحة


الشّبيلي: سفير بلا نظير!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


تعود هذه الكلمة إلى وصف أطلقه الملك خالد على معالي السّفير الشّيخ محمّد الحمد الشّبيلي حسبما ذكر معالي الشّيخ د.عبدالله بن عبدالمحسن التّركي؛ حين أثنى في مجلس الملك على السّفير، وسرد طرفًا من مواقفه مقترحًا أن يتدرب السّفراء على يديه.

نال أبو سليمان هذه المكانة المتميّزة لأنّه ولج إلى العمل الحكومي بعد تأهيل متين من أسرة عريقة بالتّجارة والإدارة والمكارم، ثمّ أفاد من زملائه ورؤسائه في ديوان الملك، ووزارة الخارجيّة، والقنصليّات والسّفارات، فوق ما وهبه الله من فطرة سليمة، وعقل منفتح، وقلب عامر بالإنسانيّة، وأخلاق مبدأيّة لا يحيد عنها، وبهذا يتضح الفرق بين من استخلص لكفاءته، ومن جاءت به الصّدف والدّهاليز!
كما يركن الشّبيلي الكبير إلى ثقة الحكومة ورجالاتها به، فحين عمل قنصلًا في البصرة؛ لفتت مصروفاته النّظر، فجاء إليه ثلاثة نفر على أنّهم موظفون وهم إلى الرّقابة أقرب؛ ولأنّهم يخشون الله والدّار الآخرة، ويبتغون تحقيق المصلحة الوطنيّة؛ كتبوا لمرجعهم بأنّ الرّجل يهلك راتبه وأمواله وما يأتيه من أثرياء عنيزة أوّلًا، ثمّ يدفع من أموال القنصليّة! وبذلك عظم قدره، وصار لا يُسأل عمّا صرف، وبعد أن مضى إلى خالقه أمر الملك فهد بسداد جميع ديونه مهما بلغت.

وإذا كان حاتم الطّائي قد ساد عصره بكرمه، فكذلك فعل أبو سليمان في دنيا الدّبلوماسيّة، فماله مبذول، وهداياه تصل إلى كلّ أحد، وخيره ليس ببعيد عن المقبل والكاشح، وعطاياه متنوعة، ما بين طعام لذيذ، وشراب مستطاب، وولائم عامرة، ومجالس مفتوحة، وعطور وبخور، وأجهزة وتسهيلات، وهبّات ومساعدات، وملابس وعلاج، وتذاكر وسكن، مع بذل الجاه للقريب والغريب، ولذا قال الملك سلمان بتأثر حينما زاره وهو مغمى عليه: إذا أردتم أن يستيقظ أبو سليمان فقولوا له: أتاك ضيف!
يتكئ الشّبيلي على أهليّته المتينة، وعلى الثّقة الممنوحة له، فيبادر ويفعل ويقول ويتصرف، والمبادرة الحكيمة سرّ نجاح العامل خاصّة صاحب المنصب الكبير، أو الواقع في موقف لا يحتمل الأناة. وعندما طرح سفير في مجلس كريم سؤالًا عن سبب ضعف أعمال بعض المسؤولين؛ قلت له: ضمور المبادرة، والتّهالك على البقاء في المنصب!
ومع بدار أبي سليمان فهو شخصيّة مستقلّة، يوضّح رأيه، ويعترض بتوقير، ويكاتب المسؤولين بما يراه، وأفاده في ذلك ما عرف عنه من طول بال، وسعة خاطر، حتى أنّه تأخّر أكثر من مرّة عن تنفيذ طلبات من الملك فيصل دون أن يلومه، وتباطأ عن رحلة فيصليّة عائدة من إيطاليا، فرجع أبو سليمان مع طائرة الهدايا والحقائب، ومن ضمنها قفص يربض فيه أسد! ورجل هذه طريقته يكون بريئًا من التّزلف المقيت.

ومن استقلاله ما ذكره الّلواء السّعدون أنّ الشّبيلي كان عميد السّلك الدّبلوماسي في ماليزيا، فذهب لزيارة سفير الصّين على إثر مرض دهمه، وكانت زيارته مثار استغراب الصّيني لانتفاء العلاقات بين البلدين؛ فأخبره الشّبيلي بأنّ ديننا يأمرنا بزيارة المريض! وروى الشّيخ التّركي أنّه حضر حفل إفطار رمضاني دبلوماسي في كوالالمبور، جلس فيه السّفير المصري وحيدًا بسبب تبعات اتفاقيّة كامب ديفيد، فتأفّف الشّبيلي من السّياسة وصنيعها، وانتقل إلى جوار سفير مصر حاملًا معه التّمر والقهوة.

أحبّ الشّبيلي عمله الدّبلوماسي كثيرًا، وعُرض عليه في الثّمانينيّات الهجريّة أن يصبح وزيرًا للعمل والشّؤون الاجتماعيّة فأبى، ثمّ عرض عليه إدارة ديوان ولي العهد- الملك فيصل- فلم يقبل، وكأنّه يقول بأنّ مواهبه وقدراته تتوافق مع عمل السّفارات، ولذلك أبدع، وكان إمامًا فريدًا جديرًا بالاقتداء، وأحسب أنّ تمنّعه واقعة نادرة رفعته ولم تضعه.

وخلال عمله سفيرًا، بنى الشّبيلي علاقات واسعة علميّة، وسياسيّة، وثقافيّة، واقتصاديّة، فكان علماء المسلمين من سنّة أو شيعة يفدون عليه، ويساعدهم بتأشيرات الحج، ويحضر حفلات المؤسسات الإسلاميّة، ويلّقن الشّهادة لمن أسلم حديثًا، وله مواقف في خدمة العلم والثّقافة بتسهيل نقل المخطوطات للرّياض، ومتابعة أطروحة دكتوراه تاهت بين المدن، مع مشاركة واسعة في المناسبات والأعياد، وحضور لافت في ميادين عديدة.

وأمّا السّاسة فحظي لديهم بتقدير كبير، إذ كان اختياره سفيرًا في بلد ما يعني اهتمام المملكة بذلك البلد، ومن تقديمهم له أنّ رئاسة العراق لم تستجب لوزير سعودي جاء يشفع لرجل أعمال معتقل، وحين وصل الشّبيلي ليلًا لمطار بغداد استقبل مثل الزّعماء، ودعته الرّئاسة العراقيّة لإفطار صباحي شاركه فيه التّاجر المعتقل دون أن ينطق أبو سليمان بكلمة واحدة، فعاد به معه لبلاده، وأولئك آبائي...

لا يلتفت الشّبيلي لراحة الجسد، وهو قليل النّوم جبلّة، ومع ذلك يسهر لأجل عمله، ويستقبل المسافرين سواء كانوا من الكبار العابرين، أو من العامّة العالقين، ولا فرق عنده في البشاشة، والبذل، ورحابة الخلق، وسعة النّفس، ومن عجب أنّه يرتّب للنّاس برامجهم في البلد الذي يعمل فيه وفي غيره من البلدان، ولا يتشامخ عن أيّ خدمة فأصبح مترجمًا ومرافقًا لمواطن مريض في دولة أوروبيّة أعيته الّلغة، ولم تسعفه السّفارة هناك! ومن جمال خلقه ما قاله معالي د.نزار مدني عن سلامه على صغار الموظفين وكبارهم، ومغادرة المكان دون أن يدير ظهره لمن فيه!
وتمتاز خدماته بثنائيّة الاتّجاه، حتى قيل عنه هو سفير السّعوديّة في البلد المضيف، وسفير البلد المضيف في الرّياض، وقصصه في خدمة مواطني الدول التي عمل بها عجيبة عجيبة، وهي خدمات ماليّة، وعلميّة، وطبيّة، وسياسيّة، ولذلك حين رآه معارض ماليزي أصلح الشّبيلي بينه وبين حكومته، سقط مغشيًّا عليه لما هاله من تردي حالة السّفير الصّحيّة.

وعنده حميّة لدينه وثقافته، إذ لاحظ غربة ثقافيّة على أطفال تاجر سعودي مقيم في بغداد حين زاروه، فانزعج أبو سليمان، وألحقهم بمدرسة إسلاميّة، وتواصل مع والدهم مغضبًا، وتابعهم حتى شبّوا، ولازال أولئك الشّيوخ الآن يذكرون الشّبيلي ومواقفه بامتنان كبير. ومن غيرة الشّبيلي حرصه على خدمة المسلمين أينما حلّ، وسعيه لجعل أكثر تأشيرات العمل لأهل دينه قدر استطاعته.

إنّ هذا الإنسان شغوف بالعلياء، مرتبط بالمكارم، جامع للفضائل، قد نسى نفسه، ونسب أعماله البديعة لصالح دولته وقادتها، ولم يبخل على أحد قطّ، وحين أنهكه المرض غدت غرفته مزارًا لأصناف النّاس وأجناسهم، وصدرت منهم كلمات ذات دلالة على مكانته وقدره، ومن أراد الاستزادة فدونه الكتاب الجامع الذي ألّفه د. عبدالرّحمن الصّالح الشّبيلي عن أبي سليمان، ففيه وقائع تستعذب وإن رويت مرارًا.
وكم هو جدير بمن يعمل ممثّلًا لبلاده وثقافتها وأهلها أن يكون كأبي سليمان، أو فيه قبسات منه، فلنا أهل البلد، ولحكومته، ودينه، وثقافة مجتمعه، حقوق يجب أن تراعى، والرّائد لا يكذب أهله، والسّفير كما الوزير وأيّ رجل كبير، أولى الأجراء بالاحتياط والتّبصر، والانطلاق صوب المصلحة العامّة، ومراعاة المشتركات والمرجعيّة العليا، وتلك أعظم سمات رجل الدّولة.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الثّلاثاء 30 من شهرِ جمادى الأولى عام 1440
05 من شهر فبراير عام 2019م


https://ahmalassaf.com/4484

 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية