اطبع هذه الصفحة


مآثر بين الصّيدلة والإدارة

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


لا يدري الإنسان ماهي أجلّ ثمراته، وأبقاها، وأعظمها تأثيرًا، ولذا فمن التّوفيق ألّا يكفّ أحدنا عن العمل وإبداء الرّأي ونقل الخبرة، فربّ عمل مقبول واحد يرفع درجاته عند مولاه، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، ومن هذا الباب كتابة السّير والتّجارب؛ عسى أن تجد مقتديًا أو تعيها أذن واعية.

لأجل ذلك تسارعت لدينا حركة إصدار السّير الذّاتيّة في الآونة الأخيرة، وهذا منحى حميد عظيم الفائدة، ومن آخرها كتاب عنوانه: لعلّي تركتُ خلفي أثرًا: حياتي بين الصّيدلة والإدارة، تأليف معالي أ.د. محمّد المشعل، أصدرت دار مدارك للنّشر طبعته الأولى في مايو عام (2019م)، وسيكون متوافرًا في الأسواق بعد عيد الفطر القريب، وهي أوّل سيرة ذاتيّة منشورة لصيدلي سعودي فيما أعلم.

يقع الكتاب في (٢٧٩) صفحة، ويتكوّن من إهداء لعائلته، والبروفيسور بيتر يورك، وأهل الصّيدلة، والبالطو الأبيض الذي كان حلمًا تحقّق، ويلي الإهداء أربعون عنوانًا أوّلها في البدء وآخرها مختصر سيرة ذاتيّة، وبينهما مسيرة حياة بين العلم والعمل طالبًا وصيدلانيًا ومبتعثًا وأستاذًا جامعيًا ومدير مصنع ورئيسًا تنفيذيًا، وبينها مشاركات في لجان وجمعيّات وأعمال علميّة.

بينما غابت المعلومات الشّخصيّة كما لاحظ المؤلّف إلّا من جرعات يسيرة بدا منها اعتزازه بالأب وتربيته، واعترافه بفضل الزّوجة، فوجود الأنثى في حياة الرّجل يصبغ حياته بألوان من فرح وسعادة خاصّة إذا كانت رفيقة الحياة أكثر جماهير زوجها حماسة له، وأصدقهم، وأكثرهم حبًا كما وصف أبو يزيد زوجته.

اختصر معاليه في البدء مقدّمته ليخبرنا أنّنا سنقرأ عن رجل أدركته حرفة الصّيدلة خلافًا للأدب الذي يفقر من يدركه؛ لأنّ الصّيدلة تجلب الرّزق بفضل الله من منافذ عديدة، مع أنّي أذكر كلمة للإمام القاضي أبي يوسف يقول فيها من اشتغل بثلاث لم يسلم من ثلاث، ومنها من اشتغل بالكيمياء لم يأمن من الإفلاس؛ وبذلك فالصّيدلة أخت الأدب أعاذنا الله ومن يقرأ من الإفلاس والفقر!
وكان الموت مفترق حياة في سيرته؛ إذ بلغه نبأ وفاة أبيه وهو في سنته الأولى بكليّة الطّب، فأظلمت الدّنيا في عينيه، وحمل الخبر له حزن الموت متراكمًا بغياب مرجعه الرّوحي، وتضاعف طعم الفجيعة التي لم يذقها على أمّه المرتحلة عن الحياة وهو في عامه الأوّل.

واسترجع ابن حريملاء ذكرياته في الخرج حديقة نجد كما وصفها، وفيها شيء من تربية والده التي عرف منها الأخلاق والعزيمة وصلاة الاستخارة، وضمنها طرف من تشجيع معلّميه حتى قفز من الصّف الثّاني إلى الرّابع مباشرة، وكم من موهبة تضيع في رمال النّسيان أو تجاويف الإهمال.

ومن قصص السّيرة العجيبة حكاية ابتعاثه للدّراسة، إذ ذهب إلى وزارة الصّحة ليتابع طلبًا لفتح ركن داخل صيدليّة مستشفى الشّميسي -مدينة الملك سعود الطّبيّة لاحقًا-لتجهيز مستحضرات طبيّة، فكان جواب أحد موظفي الوزارة: أنا وأهل بيتي لن نستخدم ما ستصنعونه! فطلب المشعل منه ورقة بيضاء، وكتب عليها رغبته بأن يبتعث لدراسة الصّيدلة الصّناعيّة.

وجد الكاتب مساندة من مدير المستشفى د.إسحاق الخواشكي، ومن معالي وزير الصّحة د.حسين الجزائري الذي اعتنى بالطّلب والتّخصص مع أنّه لم يكن له واقع عملي في المملكة، ومن حماسة الوزير سعيه لتسهيل إجراءات الابتعاث كي لا يعوقها عائق من بشر أو ورق، وحين يتذكر الكاتب هذه الواقعة يصف حواره مع الموظف الممتنع عن استخدام مستحضراته بأنّه كان ملهمًا.

كانت شروط البعثة قاسية، فهي ثلاث سنوات فقط، وللماجستير دون دكتوراه، وبعد بحث وسؤال عرف أن بريطانيا هي الخيار المناسب له، ونصحه زميله أ.د.محمّد اليحيى بلهجته القصيميّة بما معناه ضرورة الالتصاق بالمختبر لإنهاء متطلبات الدّراسة وترفيعها من ماجستير لدكتوراه وهي الخصيصة المتاحة في النّظام البريطاني، ومع أنّ اليحيى غادر دنيانا إلّا أنّ نصيحته المخلصة بقيت بعده، ومنحته الفرصة لأن يُذكر ويدعى له.

أصبح المشعل أوّل طالب سعودي في جامعة برادفور، ولذلك أرادوا اختبار مستواه فألزموه بدراسة مقرّرات مع طلبة البكالوريس، وبناء على نتيجته يُعامل من يأتي بعده من طلبة بلاده؛ فكان نعم الرّائد بل الفاتح، وأمضى فترته دارسًا وباحثًا بلا ترفيه ولا إضاعة وقت، وشاء الله أن يشارك في مؤتمر بريطاني تخصصي، فجعلوا ورقته الأولى، وما أصعب الحديث أمام مختصين من الإنجليز؛ ولكنّ الله مكنّه وسلّمه فسعد مشرفه بقدراته، وصنع الاجتهاد والعلم بينهما ألفة ومحبّة، حتى عاد لبلاده بشهادة الدّكتوراه عن جدارة.

ومن ملاحظاته في بريطانيا أنّ الأساتذة يطلبون مناداتهم بلا ألقاب، ويمنح أيّ دارس مفتاحًا لجميع المعامل والمختبرات، وحين ألقى كلمته في المؤتمر العلمي اكتشف أنّ كثيرًا من مخاوفنا لا أساس لها، والتّجربة تذيبها حتى تزيلها تمامًا، وعاش حياته هناك بلا تراكمات ثقافيّة، ودون حكم مسبق على الأشخاص مهما قيل عنهم.

أمّا بعد قفوله إلى المملكة فقضى ثمانية أشهر في وزارة الصّحة بلا عمل وربّما يرجع هذا إلى خوف مدير إدارته على منصبه، ومع ذلك فحين سعى في إجراءات الانتقال للجامعة وجد من مرجعه رفضًا وامتناعًا، وما أعجب النّاس إذ تحكمهم ثقافة النّدرة خوفًا على المكانة مع وفرة غيرها، وتعميهم بليّة الحسد عن خير لغيرهم لا يضرّهم!
وقبل انتقاله للجامعة بحث عن عمل في شركة للتّصنيع الدّوائي حديثة الإنشاء، فاعتذروا بذريعة أنّ تخصّصه لا حاجة له قبل التّشغيل الفعلي للمصنع، ثمّ تفاجأ بقراءة إعلان من ذات الشّركة في مجلّة أجنبيّة تطلب وظائف ومنها نفس الوظيفة التي سأل عنها، ومع أنّ هذه الرّواية لها أربعة عقود تقريبًا إلّا أنّ السّؤال لا يزال قائمًا بإلحاح: هل الممارسة باقية أم لا؟
وخلال فترته الجامعيّة أنجز خمسة وخمسين بحثًا، وارتقى في السّلم الأكاديمي دونما تأخير، واستمتع بالتّدريس مع مهام إداريّة في وكالة كليّة الصّيدلة، وعمل مستشارًا في لجان عدّة بوزارة الصّحة التي ضاقت به يومًا، وتولّى رئاسة لجان مهمّة عن تسجيل الأدوية وتسعيرها، وكتب مسوّدة لمدونة أسس التّصنيع الدّوائي فاعتمدت خليجيًا بجهود معالي الوزير البروفيسور أسامة شبكشي الذي نال ثناءً يستحقّه من البروفيسور المشعل.

كما أصبح أ.د. محمّد المشعل رئيسًا للجمعيّة الصّيدلية السّعوديّة، وأسهمت الجمعيّة في تصحيح كادر المهن الصّحيّة، وصياغة أنظمة مقترحة للمهنة بعضها أعتمد وأصبح معمولًا به، في حين أجهض بعضها الآخر، وما أنفع المشاركة المجتمعيّة والعلميّة إذا خلصت من الشّوائب.

بينما تحقّق له حلم المشاركة في صناعة الدّواء بالعمل مديرًا عامًا لشركة تبوك للصّناعات الدّوائيّة، فصعد بمنتجاتها من ثمانية مستحضرات إلى أكثر من ثلاثمئة مستحضر، وطارت مبيعاتها من عشرة ملايين إلى أربعمئة مليون، وتوسعت رقعة أسواقها في الجوار العربي، وقارّة أفريقيا، والشّمال الأفريقي انطلاقًا من الجزائر، وكم في الأسواق العربيّة والأفريقيّة من فرص تسويقيّة لمنتجاتنا الصّناعيّة والزّراعيّة.
من منجزاته الإداريّة في تبوك تقصير الهرم الوظيفي وهو ما رافقه في أعماله الأخرى وأضحى يوصي به كثيرًا، واعتماد العمل الإليكتروني بعيدًا عن الورق، واستقر في نفسه ضرورة اندماج شركات التّصنيع الدّوائي في كيانات كبيرة كي تواجه الشّركات الأجنبيّة، وبعد سبع سنوات عاد إلى جامعته وطلّابه، وكان للتّدريس بعد العودة من تجرية تبوك طعم مختلف؛ إذ امتزج العلم مع الخبرة وما أسعد الطّلاب بمادة تنبض بالحياة مع أستاذ بصير.

وفي غمرة انهماكه بعمله الأكاديمي، ورده ذات خميس اتّصال من الدّيوان الملكي، أبلغه رغبة الملك عبدالله بتعيينه رئيسًا تنفيذيًا للهيئة العامّة للغذاء والدّواء، وتأكد المتّصل من قبوله، فوافق واحتفظ بالخبر لنفسه حتى أعلن بعد يوم واحد، ثمّ ذهب لمقره الجديد في ساعة مبكرة من صباح السّبت واجتمع بالموظفين وطمأنهم أنّه ما جاء للتّغيير أو هدم منجز السّابقين، وإنّما مراده التّطوير وإكمال ما بدأه الآخرون؛ فليس من شأنه البحث عن عثرات غيره أو تضييع الوقت لإثبات فشلهم، وسيكون تركيزه على مراكمة النّجاح.

وسرد خبره مع الهيئة وهي أطول موضوع في الكتاب، وهذا مفهوم لطبيعة المكان، والتصاقه بالتّخصص وممارسة الإدارة، وكونه الأخير حين صدور هذه السّيرة، ولا غرو أن يصف عمله فيها بواسطة العقد وتاج الشّغف بالصّيدلة وخدمة الإنسان المفضية لشعور غامر بالسّعادة والفخر.

ومن أعماله في الهيئة تفعيل الموارد البشريّة، وتطوير التّدريب، والجودة، وهيكلة العمل، وزيادة الخدمات الإليكترونيّة، وعقد الشّراكات، وتطوير القادة، واعتماد مؤشرات الأداء بناء على أهداف وخطط، يتبعها تقييم وقياس ومتابعة للعمل من أيّ مكان، وفي الختام أشار للجهود في حقل التّوعية العامّة، وتمنى أن تكتمل هذه المشروعات بعد أن غادر الهيئة، ولم يوقفنا على نبأ المغادرة وإن باختصار كما فعل بالتّكليف.

من لطائف السّيرة حكاية الطّفل التّنفيذي، ومشورة خبراء أجانب لاستنبات النّخيل من العسيب والجريد، وإلقاء المشعل كلمة الطّلاب في حفل بمدرسته الابتدائيّة دون استعداد مسبق، وحصوله بعدها على قلم ثمين، وتشاركه السّكنى في شقة واحده مع أخيه الذي يدرسه في الكليّة.

ومنها الأدوية التي تخرج من صيدليّة المستشفى على هيئة هدايا مسافرة مع بعض الوافدين، ومستحضرات العم أبو عيسى التي فقدت جميع شروط السّلامة والمهنيّة والأمانة، وحكايته مع مطعم السّمك والزّبون الأخير، وانبهار أستاذه البريطاني بالمطبخ السّعودي، واقتراحه على المشعل استثمار مهارة زوجه بإعداد الطّعام؛ فمردود ذلك أجدى ماديًا من الشّهادة، وبعد ثلاثين سنة نرى مصداق ذلك في تاجرات الطّبخ عبر وسائل التّواصل!

إنّنا نكرّر مع أستاذنا الأمنية بأن يكون كتابه زكاة علم وعمل، وصدقة جارية تنفعه في محياه وآخرته، فالحياة فرص تهتبل من أجل تأسيس المستقبل، والانفتاح بثقة مع الاستعداد للمنافسة، وتأهيل طاقاتنا المحليّة، والارتقاء بالمهن من خلال الاحتكاك بمن سبقنا، والتّدريب بطريقة تنفعنا، فخدمة البلد وأناسه من أجلّ ما يقدمه المخلصون وإن لم ينبسوا بكلمة الوطن؛ ففعالهم رشد ونضج وخير الآن وفي كلّ آن.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الخميس 25 من شهرِ رمضان المبارك عام 1440
30 من شهر مايو عام 2019م


https://ahmalassaf.com/5104
 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية