اطبع هذه الصفحة


رؤيا أنقذت رجلًا!

أحمد بن عبد المحسن العساف
@ahmalassaf


بعد وفاة والدي -غفر الله له- بفترة قصيرة، أخبرني أخي عبدالرّحمن برؤيا عجيبة رآها في منامه، ولم أعرض الرّؤيا على عابر لوضوحها فيما بدا لي حينها، وآمل أن يقع أجر الفعل لوالدي وورثته سواء أكان متوافقًا مع تعبير الرّؤيا أو غير متوافق، فالفضل لا يندم عليه أحد، والخير لا يضيع عند الله.

كان لوالدي رحمه الله تجارة وتعامل عريض مع شركات وأفراد داخل المملكة بعد انتهاء قوافل العقيلات التي شارك فيها مع والده امتدادًا لمسيرة أجداده وأعمامه في عالم التّجارة، وضمن العقيلات على وجه التّحديد، ومن مزايا والدي في معاملاته الماليّة الدّقة، والوضوح، والتّوثيق، وضبط ما له أو عليه، ومنها سمة عظيمة نادرة إذ كان سمح التّعامل وكم من مرّة ومرّة أقال ذا عِثار أو أنظر ذا عسرة، أو تجاوز عن مضطّر.

أمّا رؤيا عبدالرّحمن فكانت في شهر رمضان، ومختصرها أنّه دخل على الوالد في مكان يشرح الصّدر، فوجده جالسًا مع أشياخ كبار يعرف بعضهم دون بعض، وحين سلّم على الوالد قال له: انظر إلى الباب! فنظر ورأى رجلًا كبير السّن يحبو نحو الباب فتمنعه خشبة معترضة من الدّخول وهو يعاود التّجربة دونما فائدة! وحينها قال الوالد لعبدالرّحمن: هذا الرّجل لن يدخل معنا إلّا إذا سامحتموه!
وحين قصّ عليّ رؤياه وقع في نفسي أنّها تخصّ رجلًا لوالدي عليه دين، فصرمت أيّامًا وليالي أبحث في أوراق والدي ودفاتره مستفيدًا من معرفتي العميقة بها، وحصرت كلّ من بقيت عليه مبالغ ماليّة، وجميعهم أعرفهم وهم على قيد الحياة وتحت المتابعة حينذاك إلّا واحدًا لا أعرفه، ولم يدفع شيء منذ عشر سنوات أو أزيد، وليس له كفيل، ولم يكتب الوالد أيّ ملاحظة عنده، وليس له وسيلة تواصل مثبتة.
كان الخيط الوحيد الذي يمكن أن يوصلني لخبر هذا المستدين هو أنّ آخر قسط دفعه عنه رجل من أهل بريدة، فتواصلت معه وسألته مباشرة أين فلان؟ فقال لي: توفي منذ فترة قريبة، فاستوضحت منه عن خبره فأجابني: كان من أطيب الرّجال وأكثرهم أمانة وديانة، ولأنّه لا يملك مالًا زائدًا لينفقه فقد هبّ للتّبرع بدمه لأيّ مريض يعرفه أو لا يعرفه، وفجأة أغمي عليه ومات، وليس له وارث سوى زوجة وصبية صغار لأنّه تزوّج على كبر.

ففهمت لماذا لم يتابعه والدي ولم يخبرنا عنه أصلًا، وعرفت لماذا لم يطلب منه كفيلًا ثقة بأمانته ومروءته، وقدّرت أنّ والدي لو كان حيًّا لعفى عنه بل ودفع الصّدقة والزّكاة لوارثيه إن كانوا من أهلها، ووقر في نفسي أنّ الرّؤيا فضل من الله علينا وعلى الرّجل، واستمرار لعمل أبينا الصّالح تقبّل الله منه.

وصادف أن كان ورثة الوالد مجتمعين في ذلك اليوم على الفطور الرّمضاني؛ فأخبرتهم بالرّؤيا، ونتيجة بحثي، وخلاصة إجابة الرّجل من أهل بريدة، فقالوا جميعهم عن رضا وطيب خاطر: سامحناه لوجه الله تعالى ثمّ إجابة لما نجزم أنّه مراد والدنا في الرّؤيا، واقتفاء لطريقته في مثل هذه الأحوال، فعدت للأوراق وكتبت عليها ذلك جريًا على إجراءات والدي في إنهاء المديونيّة.

ولأهميّة هذه الواقعة، أحببت إثباتها، حتى يظلّ المعروف والوفاء في مجتمعنا، ولتكريس أثر الأخلاق الحميدة على صاحبها حتى لو مات، ولتأكيد المعنى الشّرعي الوارد بما معناه أنّ الله سبحانه وتعالى يعين المقترض على الأداء إذا صدقت نيّته وصلحت، وعسى الله أن يجعل فيها أجرًا حسنًا لجميع من ورد فيها بالاسم أو بالصّفة، ولكلّ من عمل المعروف أو نشره أو دافع عنه.


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
@ahmalassaf
الاثنين 14 من شهرِ شوال عام 1440
17 من شهر يونيو عام 2019م


https://ahmalassaf.com/5185



 

أحمد العساف
  • قراءة في كتاب
  • مقالات دعوية وتربوية
  • مقالات أدبية ولغوية
  • مقالات إدارية
  • مقالات فكرية
  • الصفحة الرئيسية