صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    قصور العقل

    أ.د. عبدالكريم بكار

     
    كان من أشد ما يهلك بني البشر على مدار التاريخ احتقارهم لأشياء كبيرة ، وتعظيمهم لأمور صغيرة ، وقد كان العقل البشري من جملة الأشياء التي أخطأت الحضارة الحديثة في تعاملها معها ؛ حيث إن الغرب بعد أن نفض يديه من إصلاح النصرانية ومن جعلها مصدراً يعتدُّ به لتغطية عالم الغيب عمدت إلى ( العقل ) تستنجد به في توفير مظلة روحية ومادية لكل شؤون البشر واحتياجاتهم . واليوم ينسج على منوال الغرب في هذا العلمانيون الجدد الذين يشنون حملات منظمة ضد التدين والمتدينين ، ويحاولون تفتيت مرجعية الوحي ، واختزالها بطرق عديدة .
    وأود هنا أن أوضح في مسألة « قصور العقل » النقاط الآتية :
    1 - العقل البشري عقل محدود ، وهو يوفر بيئة لنمو الدلالات والمفاهيم ، كما أنه قادر على استخدام ما تنقله إليه الحواس في محاولته الوصول إلى بعض الأشياء المجهولة ؛ لكن العقل غير قادر على الخوض في مسائل لا تتوفر له عنها معلومات جيدة ؛ فهو لا يستطيع تحديد الغاية من الخلق : أي لماذا نحن هنا كما لا يستطيع سن تشريعات تأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الناس وأوضاعهم دون أن يقع حيف على بعض منهم . أضف إلى هذا أنه لا يستطيع أن يخبرنا عن الأمور المهمة في حياتنا والأمور التافهة ؛ حيث ليس فيه أبواب ندخل منها إلى مجالات كل منها .
    والعقل البشري بعد هذا وذاك بنية يسهل خداعها ؛ فحين نزوده بمعلومات خاطئة فإنه يقع في الخطأ بسهولة ؛ إنه عقل قادر على البحث في الأدوات والأشكال والأساليب وكل الأمور المحدودة ؛ لكنه غير قادر على البحث في مصيره الذاتي .
    وهو على مقدار ما يبدي من البراعة في التعامل مع ( الكم ) يبدي القصور في التعامل مع ( الكيف ) أو ما يسمى ( الصفات ) . وتجاهل كل هذه الأمور المحددة لقدرة العقل على العمل يؤدي إلى حدوث أخطاء فاحشة تتعلق بمصير الإنسان على هذه الأرض .
    2 - العقل البشري ليس بنية مكتملة متميزة منحازة معزولة عن السياقات المعرفية أو عن المشكلات والقضايا التي يعالجها أو يشتغل عليها . وإنما هو إمكانات ومفاهيم وبدهيات ملتبسة بالمعطيات المعرفية ومتفاعلة معها ، كما أنها ملتبسة بالمشكلات الوجودية المختلفة ، ومتفاعلة معها أيضاً وهذا يعني أننا ونحن نحاور نؤثر ونتأثر ، كما أننا حين نعلِّم نتعلم ، كما أن عقولنا تتأثر بالمعلومات التي تعالجها والمشكلات التي تسعى إلى حلها . وهذا كثيراً ما يؤدي إلى اضطراب العقل وتراجعه عن كثير من مقولاته وطروحاته ؛ ولهذا فإنه ليس هناك أي ضمان لاطِّراد تقدم أي مفكر في خط واحد مهما كان ألمعياً ومتمكناً من الأفكار والمفاهيم التي يتبناها ، والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى ، هذا ( هوسرل ) بعد أن كتب ألوف الصفحات في استجلاء علم ( الظاهريات ) محاولاً الوصول إلى البُنى الموضوعية للماهيات المحضة نراه يتحول من رجل يبشر بمنهج جديد إلى واعظ يحذر أوروبا من المخاطر التي تنتظرها إذا هي استمرت في منهجيتها العلمية والفكرية ؛ بل إنه يهاجم ( العقل ) ويتساءل في محاضرة له عام 1935م : هل استقال العقل وفقد دوره في الحياة ، أم أنه خلافاً لذلك كشف عن وجهه الحقيقي الانتهازي الماكر والنفعي ؟
    هذا يعني أن تفويض كل شؤون الحياة للعقل وسدنته يشتمل على مخاطرة كبرى ، وليس هناك أي حل سوى العودة بالعقل إلى وظيفته الأصلية في الحركة ضمن أطر ومسلَّمات كبرى يؤمنها الوحي بما يصوغه من أصول ومبادئ ، وبما يرسمه من خطوط عريضة لترشيد حركة الإنسان وعلاقاته .
    3 - العقل البشري أبدع حلولاً كثيرة لمشكلات الناس ، وأسهم في توفير الراحة لهم ، وفي تخليصهم من الكثير من أشكال العناء ، وهذا موضع تقدير منا جميعاً ، ولكن علينا أن نقول : إن إبداعات العقل أوجدت مشكلات كثيرة مثل تلوث البيئة ومخاطر الطاقة النووية وسيطرة الآلة على حياة الإنسان وفشو أمراض الحضارة .... وعقولنا غير قادرة على إبداع الحلول للمشكلات التي أوجدتها ؛ إنها تكشف دائماً عن مساحات فاصلة بين وجود المشكلات والقدرة على حلها ؛ وما ذلك إلا لأن منتجات العقول تدخل في تعقيدات وملابسات يعجز العقل عن فك رموزها والتحكم بها . وماذا يمكن للعقل أن يفعل لشخص أدمن الجلوس إلى ( التلفاز ) واستسلم لرغباته فأضاع الكثير من واجباته ؟
    وهذا يعني أن الاعتماد على العقل في تصحيح مسار البشرية بعيداً عن القيم والمبادئ التي يوفرها الوحي مجافٍ للصواب وباعث على خيبة الأمل والخذلان .
    4 - أكثر الناس استخداماً لعقولهم واستثماراً لها هم الفلاسفة ؛ حيث إن صياغة المفاهيم بواسطة العقل هي شغلهم الشاغل ؛ ومع ذلك فإن كل المشتغلين بالفلسفة يعترفون أنه ليس من شأنها أن تمنحنا اليقين ، أو تحدد لنا موطن الداء في قضية من القضايا ، أو تصف لنا الدواء ، أو تقدم لنا مفاتيح حلول المشكلة من المشكلات ، إنها نشاط فكري لا يتوقف عن إثارة الأسئلة ، وإعادة صوغ المشكلات ؛ إنها أشبه بمسلسل ليس له نهاية ، وهي دائماً في حركة مستمرة من إشكال إلى إشكال أعمق وأكثر تعقيداً من سابقه . ولست أقصد هنا إلى الإزراء بالفلسفة ؛ وإنما أريد أن أقول : إن الناس بحاجة إلى اليقين وإلى أطرٍ مهما تكن واسعة إلا أنها في النهاية موجودة وواضحة . وتلك الأطر تضع حداً لكثير من الأسئلة التي يطرحها العقل ، كما ترشد إلى المسار الذي يمكن أن يسلكه في الإجابة على الأسئلة المطروحة . وهذه الأطر لن يجدها الناس إلا في الدين الذي جعله الله جل وعلا مستوعباً لكل الخير الذي جاءت به الأديان السابقة .
    5 - العقل البشري عاجز عن التنبؤ الدقيق بما يمكن أن يقع في المستقبل ؛ وقد حاول بعض مفكري أوروبا أن يستعينوا على معرفة ما يمكن أن يقع في المستقبل ببلورة رؤية شاملة للكون : بنيته ، وعناصره ، ونواميسه ، على قاعدة :
    إذا أردت أن تعرف ما سيحدث في المستقبل فانظر إلى ما حدث في الماضي .
    والحقيقة أنه لا يعرف الغيب إلا الله تعالى ، وأن عقولنا تستطيع أن تتوقع حدوث أمور صغيرة في المستقبل القريب . أما توقع الأحداث الكبيرة في أزمنة متباعدة فهذا ما يكون غالباً غير ذي جدوى ، ويظل في دائرة الظن أو الوهم ؛ وما ذلك إلا لأننا عاجزون عن معرفة كل التغييرات التي ستقع في المستقبل ، والتي ستؤثر في نوعية الأحداث والتحولات التي يمكن أن تقع .
    أما قراءة التاريخ لاستخراج النواميس والسنن الكونية منه ، فإن عقولنا تكشف عن قصور مدهش في هذا الجانب ؛ والسبب في ذلك أن معرفتنا بالأسباب الحقيقية التي أدت إلى ولادة أحداث التاريخ الكبرى تظل دائماً معرفة ناقصة . وحين نحاول حصر أسباب الأحداث الكبرى ، ونوفق في ذلك فإن المشكلة التي تنتظرنا تكمن في تحديد وزن كل سبب وحجم تأثيره في وقوع تلك الحوادث ، لكن حين نتأمل سنن الله تعالى في الخلق كما وردت في نصوص الكتاب والسنة ، فإن دائرة خطئنا تضيق ، ودرجة اليقين لدينا تكون أكبر .
    6 - لا يملك العقل البشري أي عتاد حقيقي يمنعه من التورط في صناعة الخرافة وقبولها . ولست أبالغ إذا قلت : إن البنية العميقة لعقول معظم الناس هي بنية خرافية ؛ حتى كأن الخرافة هي الأصل لديهم ؛ إذ بمجرد حدوث ضعف في التثقيف الجيد أو وقوع الناس في حالات استثنائية من الشدة والكرب تطفو تلك البنية على السطح .

    لو تساءلنا : من أين تأتي قابلية عقولنا للسقوط في مستنقع الخرافة ؟ لوجدنا أننا تجاه حالة لا تخلو من الغموض ؛ لكن يبدو لي أن مصدر ذلك يعود إلى أمرين جوهريين :
    الأول : هو جهلنا بمعظم ما يقع في الوجود من أحداث ؛ فإذا قلنا : إنه يقع على الكرة الأرضية في الدقيقة مئة مليون حدث ، فإن الواحد منا قد لا يشاهد منها سوى خمسة أو عشرة ؛ والباقي يقع بعيداً عن النظر ، أضف إلى هذا أن خبرتنا بما حدث في الماضي أيضاً محدودة جداً . ولدى الناس إحساس بأن هناك عوالم لا تغطيها حواسنا ؛ ونحن المسلمين مثلاً نعتقد بوجود عالميِ الجن والملائكة ؛ فإذا ما حُدِّثنا عن حصول بعض الأمور الخارقة أو غير المألوفة ، فإن عقولنا كثيراً ما تتقبلها على أنها تنتمي إلى عالم من العوالم التي لا يراها الإنسان ، أو تتصل بالأحداث التي لم يشاهدها ، وتكون تلك الأمور من الخيال أو من الكذب المحض .
    الثاني : هو أن عقولنا تتقبل الأخبار التي نسمعها ما دامت تقع في دائرة المعقول ، وترفضها إذا خرجت عن تلك الدائرة ؛ فإذا ما قيل لنا : إن الناس في البلد الفلاني رأوا شخصاً يحمل عشرة قناطير على ظهره ، فإننا نرفض ذلك ، ونعده من قبيل الخرافة ؛ لأنه يقع خارج دائرة المعقول بالنسبة إلينا ؛ لكن المشكلة هنا أن الذي يرسم دوائر المعقول وغير المعقول في غالب الأمر ليس العقل ، وإنما الثقافة والخبرة ؛ فإذا ما قال لك شخص : أعطني ألف دينار لأتاجر لك به ، وستربح مائة ألف في آخر السنة فإن القناعة بذلك وعدم القناعة به لا يقودان إلى العقل وإنما إلى الخبرة والمعرفة بالتجارة وأحوال السوق في تلك السنة ؛ فصاحب الخبرة ربما يقول لك : لا تصدق ذلك ؛ فأمهر التجار لا يستطيع اليوم مضاعفة رأس ماله مرتين أو ثلاثاً في العام فضلاً عن أن يضاعفه مئة مرة ؛ لكن يأتي شخص آخر عديم الخبرة ، أو له خبرة مختلفة بأحوال السوق ، فيقول : كلام ذلك الرجل معقول ، وقد حدث مثل ذلك في العام الفلاني مع الشركة الفلانية ، ولا مانع من أن يحدث الآن ، وهكذا فمضاعفة رأس المال مئة مرة في السنة تعد من قبيل المعقول في خبرة شخص معين ، وتعد من قبيل الخرافة والاحتيال في خبرة شخص آخر ؛ ولهذا فطالما انقسمنا تجاه بعض الأخبار والأحداث إلى فريقين : فريق يقول :
    هذا معقول ، وفريق يقول : هذا غير معقول .
    وهكذا فقد ظُلم العقل مرتين مرة من قِبَل المشعوذين والمخرِّفين الذين ألغوا دور العقل ، ومرة من قِبَل الذين حرموا نعمة الهداية بأنوار الوحي ، فألهوا العقل ، وطلبوا منه أموراً ليس من شأنه الاشتغال بها .
    والله ولي التوفيق .
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    عبدالكريم بكار
  • مقالات
  • إشراقات قرآنية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية