صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    إمكانات متزايدة

    أ.د. عبدالكريم بكار

     
    إن الله –جل وعلا- خلق الدنيا دارًا للابتلاء، فوفّر فيها كل شروط الابتلاء، وإن من تمام الابتلاء أن يمكّن الله عباده من الوصول إلى ما يطمحون إليه ما دام في إطار سننه في الخلق، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المعنى بوضوح تام؛ حيث قال –تباركت أسماؤه-: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء بك وما كان عطاء ربك محظورًا) [الإسراء:18-20]
    إن إرادة الله –تعالى- طليقة، فهو يوجه عطاءه إلى من يسعى إليه –إن شاء- ويطلبه، ويأخذ بأسبابه بقطع النظر عن كون المطلوب أمرًا دنيويًا أو أخرويًا. وهذا ما نشاهده اليوم على أوسع نطاق ممكن؛ حيث إن التقدم التقني والعلمي واتساع المدن ووفرة الأموال – بين يدي شريحة واسعة على الأقل- وتلون فنون العيش –قد أدّت إلى بسط غير مسبوق في إمكانات الناس وقدراتهم. إن المجال المتاح لِرجل يعيش مع إبله في البادية أو مع شجره وزرعه في القرية محدود جدًا. إن الوسائل المتاحة له كي ينفع وكي يضر وكي يدفع بالمسيرة إلى الأمام أو يكون حجر عثرة في طريقها – محدودة للغاية؛ وذلك بسبب ضعف التمدن وتخلف العمران في كل من البادية والقرية. وإذا قارنت ما يمكن لعشرين راعيًا للغنم أن يتركوه في الناس من آثار في سلوكهم مع ما يمكن أن يفعله اليوم عشرون شخصًا يعملون في قناة فضائية، لأدركت حجم الإضافة التي حدثت في الخمسين سنة الماضية. ما الذي حدث فعلاً خلال هذه المدة على صعيد توسع الإمكانات، وما مدى تأثيره في الوعي والخلُق والسلوك؟
    بمقاربة أولية يمكن أن نقول الآتي:
    1- كلما زادت الإمكانات التقنية والمادية بين أيدي الناس اتسعت مساحات الحركة أمامهم، وزادت الخيارات والبدائل مما يزيد الناس قوة إلى قوتهم. ويزيد مع كل هذا ابتلاء الله –تعالى- لهم.
    2- يكثر أهل الخير ويعظم تأثيرهم، ويكثر أهل الشر والباطل، ويعظم أيضًا تأثيرهم، وذلك بسبب كثرة الوسائل التي يمكن أن يستخدمها هؤلاء وهؤلاء. وبعض الناس لا يدرك هذا؛ فيتحدث عن الشر المستطير الذي يقلقه، ولا يتحدث عن الخير الذي يحيط به. وبعض الناس يفعل العكس.
    3- تنحسر الاجتهادات والرؤى السابقة وتقصر عن توفير التغطية الثقافية والتوجيهية، ويجد أهل العلم والفكر أنفسهم في حاجة ماسّة إلى التوصل إلى فتاوى واجتهادات ونظريات جديدة. وهذا يعني بداهة أن تكثر المسائل المثيرة للجدل.
    4- تضعف الرقابة الاجتماعية، وتتسع مساحات الخصوصيات، ويذوق الناس طعم الرفاهية، ويصبح لجم النفوس عن مشتهياتها أشق. وكل هذا من تصاعد الابتلاء مع تصاعد القدرة والمُكنة.
    5- تصبح إمكانات الحركة أكبر من إمكانات ضبطها، وتقييدها، كما تكبر الفجوة بين إمكانات الغش والتزوير وإمكانات كشفه وحصره.
    6- يظهر على نحو مفاجئ كل ما كان ملغيًا أو متجاهلاً أو مكبوتًا، ويأخذ ظهوره شكل الانفجار، وأحيانًا شكل تعويض ما فات، أو شكل الانتقام ممن تسبب في التهميش والإلغاء.
    7- حين يأخذ التقدم المادي هيئة الطفرة فإن الناس يعيدون ترتيب أولوياتهم من غير وعي منهم. ويكون ذلك -في الغالب- تعبيرًا عن الانحياز إلى المصلحة على حساب المبدأ.
    8- يحدث صراع مكشوف بين الثقافة بوصفها رمزًا لعالم المعنى وبين الحضارة بوصفها مطلبًا لراحة البدن. وكثيرًا ما تغلب الحضارة الثقافة، كما يبدّد الامتدادُ الاتجاه، والمكان الزمان.
    إذن كان هذا التشخيص صحيحًا، فما الذي يجب عمله؟
    9- لا ينبغي أبدًا الاستسلام لليأس والانسحاب من الساحة بسبب ما نرى من كثرة الشر والفساد، وعلينا أن نتأمل بعمق لنرى كثرة الخير بالمقارنة مع ما كان قبلُ، ولنرى أيضًا الإمكانات الكبرى لتكثيره ونشره. لقد كان أهل العلم قديمًا يغبطون العالم إذا اجتمع في حلقته مائة طالب يكتبون ما يقوله. واليوم صار في الإمكان أن يستمع للعالم الواحد مئات الملايين في وقت واحد، كما صار في الإمكان الاطلاع على كثير من الجهود الخيّرة التي تُبذل في سائر أنحاء العالم.
    10- الإسلام مجموعة من المبادئ والمثل والقيم، وهذه مجتمعة تتأبّى على الفرض والإلزام. إن القيم لا تُفرض، لكنها تجذب من خلال تجسّدها في سلوكات الأفذاذ والأخيار. وإن وعي الناس قد تقدم إلى درجة جعلهم لا يكترثون بالكلام المنمّق عن الفضائل والمحامد. وصار الإيحاء الذي تشعه الأوضاع الجيدة والسلوكات المستقيمة والراقية أعظم تأثيرًا في نفوس الشباب وعقولهم، وهذا يحمّلنا مسؤولية تمثّل القيم الإسلامية في حياتنا الشخصية والعامة، وإن كل واحد منا يستطيع –لو أراد- أن يقدم نموذجًا يقتدي به الناس في جانب من جوانب الحياة الفاضلة، أو مسلك من مسالك الطريق القويم.
    11- إذا لم يكن لك روح عصر كانت لك كل شروره. أن تكون فقيرًا بين فقراء أو جاهلاً بين جَهَلة أو فوضويًا بين فوضويين... فذاك أمر يظل محدود الأضرار. لكن أن يكون المرء جاهلاً بين علماء أو فقيرًا بين أغنياء أو فوضويًا بين منظمين.... فهذا يعني أن كل مشاكل أولئك ستُحلّ على حسابه. وهكذا فإن الضريبة التي سندفعها نتيجة عدم فهم روح العصر، ونتيجة عدم الاستجابة لتحدّياته ستكون مضاعفة أضعافًا كثيرة!
    12- لنقلّل من الشكوى قدر الاستطاعة، ففي زمان العولمة تقل فائدة الشكوى، ويقل وجود الذين يمكن أن نشكو إليهم، ولنعمل دائمًا على محاصرة الشر بالخير، والباطل بالحق، والهزيمة بالنصر. ولنكن ملء السمع والبصر.
    13- التقدم الحضاري يتيح الكثير من الفرص، فلنحاول اقتناصها والاستفادة منها. وأولو العزم من المؤمنين يتجاوزون ذلك إلى صناعة الفرص حيث تكشف الإرادة الصلبة والعزيمة الماضية عن الإمكان الحضاري المستتر تارة، وتصنعه تارة أخرى.
    ولله الأمر من قبل ومن بعد.
     


    ذكرت في المقال السابق بعض المعاني والمفاهيم التي تشير إلى التغيرات التي يحدثها التقدم العمراني، وأشرت إلى أن تلك التغيرات تصبّ في اتجاه توسيع مجالات الإدراك والفهم ومجالات العمل والحركة، واليوم أذكر –بإذن الله- المزيد من تلك المفاهيم، لعلي أستطيع تغيير قناعات بعض أولئك اليائسين من الإصلاح والمحبطين من رؤية الضغوط والتعقيدات المتـزايدة:
    6- في حالات التخلف يزداد الشبه بين الناس والأشياء والأوضاع لأن العمل والحركة وقبل ذلك الفكر النشيط هي التي تنتج ما يزيل التشابه الفطري الموروث فيما ذكرناه. حين تنظر إلى عشرة آلاف نائم فإنك تدرك ما أعنيه. وفي المقابل فإننا حين سنسير في شارع مزدحم، ونحاول فهم دوافع الناس وأهدافهم في حركتهم الدائبة ندرك مدى التنوع والتفاوت الناجم من السعي في الأرض واستخدام الوسائل المختلفة. على مدار التاريخ كان (التفاوت) مصدر تعليم وتطوير. إننا من خلال اختلاف سوياتنا ورغباتنا ومصالحنا نجد سبلاً للتعاون وسبلاً للنزاع أيضاً. من خلال اختلاف فكر الفرد وذوقه مع الذائقة الثقافية السائدة في المجتمع ومن خلال اختلاف مصلحته مع مصالح الناس من حوله –تقوم أعظم عمليات التغيير والتطوير للفرد والمجتمع معاً. وهذا كله يأتي من وراء النقد العمراني والازدهار الحضري. التفاوت الناتج من التقدم يدعم حاسة المقارنة لدى الناس، ومن خلال المقارنة يكتشف الناس جزءاً من أنفسهم وجزءاً من دافعهم أيضاً؛ ومن هنا فإننا نجد أن القرآن الكريم كثيراً ما يجعل الحديث عن الجنة مقروناً بالحديث عن النار، كما يجعل الحديث عن الذين آمنوا مقروناً بالحديث عن الذين كفروا... التفاوت الذي يولده التقدم العمراني، يتيح المزيد من النمو من خلال فتح شهية الناس نحو التقليد. ولا يخفى أن كثيراً من الدول الناهضة اليوم بدأت بتقليد منتجات غيرها، ثم أخذت في إبداع منتجات عليها بصمتها الخاصة. وسيكون في إمكان كل واحد أن يفعل ذلك؛ حيث إن من الممكن أن نتعرف على أسباب تفوق عالم من العلماء -مثلاً- من خلال الدخول إلى عالمة الشخصي من أجل فهم ما جعله متفوقًا من سمات وخصائص وبرامج ووسائل ... ثم محاولة تقليده في ذلك أو بعضه. وسيكون في إمكان المؤسسات والشركات والهيئات العادية أن ترتقي بذواتها ومنتجاتها من خلال تقليد نظيراتها المتفوقة باتباع النظم والمعايير والأساليب التي تعدّها عوامل أساسية في نجاحها وهكذا... في حالات التقهقر والجمود الحضاري يكون الجميع في حاجة إلى التعلّم، لكن يكون المعلِّم غير موجود أو يكون نصف جاهل، أو يكون الناس غير مدركين لما يمكن أن يفعله العلم في حياتهم، وهذا ما تعاني منه اليوم شعوب إسلامية كثيرة!.
    7 – يتيح التقدم الحضاري المزيد من فرص العمل، ومع أن ذلك ليس من غير ضريبة يجب دفعها إلا أن من المسلّم به أنه ما كان للأرض أن تتحمل هذا العدد الهائل من البشر لو لا ما فتح الله به على الناس من علوم ومخترعات ولو لا الجهود المنظمة والعظيمة التي بذلها ملايين الجنود المجهولين في التعليم والتدريب والتطوير.. لننظر إلى فرص العمل التي أتاحها اختراع الحاسوب والجوال. ولننظر إلى ما أتاحه من ذلك صنع السيارة والطائرة والمخترعات الكهربائية والإلكترونية من قبل. وسنعرف فضل كل هذا لو قدّرنا –جدلاً- أن الناس سيعودون في معيشتهم وأعمالهم إلى المستوى الذي كان عليه آباؤهم قبل قرنين من الزمان؛ لا شك أن أكثر من نصف القوى العاملة ستجد نفسها في بطالة قاتلة بسبب الاستغناء عن المنتجات التي تقوم على تحضيرها. وعلى المستوى الثقافي والدعوي فقد زادت إمكانات التواصل بين الناس ونشر الأفكار بما لم يكن واردًا حتى في الخيال. إن هناك أعدادًا كبيرة من العلماء الذين ألّفوا كتبًا نفيسة لكن لم تغادر أدراج مكاتبهم لعدم وجود المال المطلوب لطباعتها ونشرها. وهناك مئات الألوف من طلاب العلم الذين حدّثوا أنفسهم بتأليف بعض الكتب لكن أحجموا لأنهم غير واثقين من التمكن من طباعتها أو نشرها، فقد كان تداول الكتاب وانتقاله من دولة إلى أخرى في المرحلة الماضية صعبًا للغاية، وكان تداول بعض الكتب يشبه في مشقته تداول المواد المخدرة، وكان كثير من الدعاة يشكون عدم القدرة على الوصول إلى المدعوين في بلدانهم وفي البلدان الأخرى بسبب القيود الأمنية أو بسبب عدم توفر المال المطلوب للانتقال... إن كل هذا قد انتهى اليوم بفضل وجود (الإنترنت) و(البث الفضائي). قد صار في إمكان أي مثقف أن يبني لنفسه موقعًا على (الإنترنت) ويقوم ببث ما لديه من معارف وخبرات وإرشادات على ذلك الموقع وبتكلفة لا تكاد تذكر. وصار في إمكان كل داعية أن يوصل كلمته إلى مئات الملايين من الناس في شتى أنحاء المعمورة دون أن يغادر بيته. بل إن شيئًا مذهلاً قد حدث على هذا الصعيد، هو أنه في الماضي لم يكن في الإمكان لشخصين يجلسان في غرفتين متجاورتين أن يطّلعا على كتاب واحد في آن واحد بسبب الشروط الصارمة للرؤية؛ أما اليوم فإننا إذاً وضعنا كتابًا أو مقالاً على (الإنترنت) فإن في إمكان ملايين البشر الإطلاع عليه ونسخه ونشره في آن واحد! وهذا أمر مثير حقًا. إذا كان الأمر على هذه الصورة؛ فلماذا نجد إذًا عشرات الملايين من الشباب المسلم المثقف واللامع، لا يقدم لدينه ودعوته أي شيء ذي قيمة، ويعتقد أنه إذا صار مستهلكًا للثقافة فهذا كافٍ بل يعده مفخرة له؟!
    إنه القصور التربوي والثقافي الذي نعاني منه والذي طالما تحدثنا عن مخاطره. قد طوّر لنا الآخرون الوسائل التي تساعدنا على الانتشار السريع والفعال، لكننا لم نستفد من ذلك كثيرًا لأننا لم نقم بتطوير أنفسنا وصقل استعداداتنا، ولم نقم بتحطيم الأوهام والقيود التي تشل حركتنا، وهذا ما لا يستطيع أحد أن يقوم به بالنيابة عنا وحتى نعرف كيف استفاد غيرنا من الوسائل الحديثة فيكفي أن نعلم أن الأوربيين أنشؤوا شبكة معلومات أنزلوا عليها نفائس المكتبات الأوربية، وقد بلغت الكتب التي تم وضعها على تلك الشبكة نحوًا من (مليارين ومئة مليون كتاب) وقد نهض بهذه المهمة قرابة ربع مليون شخص. فماذا علمنا نحن؟!
    وللحديث صلة
     


    عرضت في المقالَيْن السابقيْن بعض الإمكانات الجديدة التي وفّرها التقدم الحضاري، واليوم أستعرض أيضًا المزيد منها على أمل تكوين صورة متكاملة عن هذه المسألة.
    8 – حين يتحرك الإنسان، ويسعى إلى تحقيق مآربه وقضاء حاجاته الكثيرة يجد نفسه مكبّلاً بقصوره الذاتي وطاقاته المحدودة، إن عينه لا ترى إلا إلى حدٍّ معين وضمن شروط معينة، كما أن قدرة يده على التعامل مع الأشياء أيضًا محدودة، وقل مثل هذا في لسانه وحاسة شمّه ورجله وأذنه... التقدم العلمي والتقني والحضاري عامة يزيد في سلطان الحواس، وإمكانات الجسد إلى درجات كان مجرد تخيلنا أمرًا عسيرًا. إن وسائط النقل من الدراجة إلى الطائرة زادت في سلطان الرِّجل. وإن كل أنواع العتاد التي يستخدمها أهل الحرف وموظفو الصيانة زادت في سلطان اليد. وزاد الهاتف في سلطان اللِّسان والأذن؛ حيث صرنا نسمع مَن يتحدث في مكان بعيد جدًا عنّا، ونوصل كلامنا إلى من هم أيضًا بعيدون. أما الهاتف (الجوّال) فقد جعل إمكانات التواصل العالمي شبه مطلقة، وسيكون لذلك آثاره الثقافية الخطيرة في المستقبل وهكذا...
    وقد أدّى كل ذلك إلى اختصار الوقت وتحسين الإنتاجية وتخفيف العبء عن البدن. ومع تقدم والوسائل والآلات، تولد معايير جديدة للتحضّر؛ فالإنسان المتخلف اليوم كثيرًا ما يكون كذلك بسبب عدم رغبته أو عدم قدرته على استخدام الأدوات التي يستخدمها معاصروه. وهذا يعني أن الأمم التي تقود حركة الإنتاج العالمي هي التي تصنع مواصفات التقدم والتخلف، وهذا مع كل المميّزات التي حققها، يزيد في أعباء الأمم الفقيرة التي لا تستطيع إنتاج الآلات، ولا تجد المال الكافي لاستيرادها، وهذه الوضعية تغذي حالة الفقر وترسخها. إننا سوف ندهش إذا تأملنا في الوقت الذي توفَّر لربة المنـزل بسبب وجود الآلات الحديثة، لكن معظم النساء صار وقت الفراغ وبالاً عليهن ومصدرًا كبيراً للإزعاج لهنّ، وذلك بسبب مواكبة التقدم الإنساني للتقدم التقني والصناعي.
    9 – في الماضي كانت أوصال العالم مقطّعة، وكانت الصّور الذهنيّة التي تكوّنها الشعوب عن بعضها مشوّهة ومشوّشة، بل إن أذهان الشعوب مملوءة بالخرافات والترّهات حول الأوضاع والعادات السائدة في المجتمعات المغايرة والبعيدة، وبسبب نقص المعلومات فإن كل وجهات النظر التي كانت يسمها شعب عن شعب آخر كانت تُتلقى على أنها حقائق قاطعة لا تحتمل الجدل. وقد تغير كل ذلك بسبب سهولة الانتقال وسهولة الاتصال، والبث الفضائي اليوم يضع بين أيدينا كل ما نريد معرفته عن شعوب الأرض على نحو لم يسبق له مثيل. هذا كله يعني أن الوعي الذاتي آخذ في التحسن؛ إذ إن رؤية الآخرين على ما هم عليه في واقع الحال تحسّن مستوى رؤيتنا لأنفسنا، وهذا يشكل مكسبًا عظيماً، لكن الذي يحول دون الاستفادة الكاملة من معرفة الآخر هو ما نعانيه من ضعف وقصور في محاكاتنا العقلية، وفي قوى الاستبصار ونظم الإدراك والتفسير، ولكن هذا لن يدوم، وسنشهد مع الأيام الكثير من التقدم في كل هذا.
    10- التطوّر المذهل في وسائل الاتصال آخذ في تخفيف الحاجة إلى السفر والانتقال، فهناك اليوم إمكانية ممتازة لعقد اجتماعات بالصوت والصورة بين أشخاص يعيشون في قارات مختلفة. كما أن من الممكن للمرء أن يتلقى تدريباً جيداً، ويحصل على شهادة في علم من العلوم دون أن يغادر بيته وذلك عن طريق (الإنترنت)، كما أن في إمكان المرء أن يبيع ويشتري في أسواق تبعد عنه آلاف الأميال. والتقدم في برامج الترجمة الآلية، يخفف من مشكلات التباين اللغوي، ويجعل الاتصال المعرفي أسهل.
    11- مع التقدم الحضاري المتسارع يعود شيء من الاعتبار للقدرات الذاتية والمهارات الشخصية، وصار في إمكان أعداد متزايدة من الناس أن يصبحوا أصحاب ثروات عريضة دون أن يكونوا من أبناء الأسر الغنية أو ممن ورثوا عن آبائهم المجد والمال.
    إذا امتلك الشاب فكرة لمشروع ناجح، فإن في إمكانه أن يبيعها، ويصبح من وراء ثمنها في عداد الموسرين، وإذا نمّى الشاب ملكاته وإمكاناته الإدارية فإن في إمكانه أن يحصل على دخل عالٍ من وراء إدارة جيدة لمشروع جيد.
    إن التمويل لأي مشروع صار اليوم سهلاً، وصارت الفكرة الذكية والقدرة على الإشراف والمتابعة محوراً مهماً للنجاح. وفي إمكان كثير من الشباب التأهل لذلك والإبداع فيه من غير الحاجة إلى المال.
    لا أريد أن أفيض أكثر فأكثر في الإمكانات المتزايدة، لكن أريد أن أوضح الشروط الجوهرية للاستفادة من كل ذلك، وهي ليست كثيرة.

    ولعل من أهمها الآتي:
    1- التخلص من الأفكار القديمة والسائدة حول الممكن و(المستحيل العادي) والقريب والبعيد والسهل والصعب، والاحتفاظ بقدر جيد من الانفتاح على المعطيات الجديدة. والنظر بعين الاتهام إلى معلوماتنا الحالية تجاه ما يمكن لنا الاستفادة منه.
    2- الاعتقاد بأن ما لدينا من نظم وترتيبات وأساليب.. يشوبه النقص –كما هو شأن كل ما ينظمه البشر- ويظلّ قابلاً للتطوير والتحسين. ومع أن هذه النظرة مكلفة جداً إلا أنها شرط أساسي في مقاومة التكلّس.
    3- ترتيب أوضاعنا الخاصة والعامة على أساس أن لدى الآخرين شيئاً يمكن أن نتعلمه منهم. والنظر إلى الآخر المناوئ والمخاصم بأنه يشكل تحدّياً، كما أن لديه في الوقت نفسه شيئاً من الحلّ لما نعاني منه.
    4- إدخال عنصر الوقت في حل أي مشكلة تواجهنا، وفي تخفيف أي إنجاز نريد تحقيقه، وعدم النظر إلى الأمور من زاوية معطياتها الحالية، وإنما من أفق تطورها واتجاهات سيرورتها.
    5- تنظيم الذات والتحفز المستمر نحو استيعاب الجديد والبحث عنه والتغيير في الرؤية وفق معطياته.
    6- إن شرط كل الشروط وأساس كل الأسس هو الإرادة الصُّلبة والقدرة على الاستمرار والمثابرة في الأداء والعطاء. وشيء بدهي أن يستعين المسلم في كل ذلك بالله –جل وعلا- ويخلص له في أمره كله.
     

    اعداد الصفحة للطباعة           
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    عبدالكريم بكار
  • مقالات
  • إشراقات قرآنية
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية