صيد الفوائد saaid.net
:: الرئيسيه :: :: المكتبة :: :: اتصل بنا :: :: البحث ::







شرح رسالة فضل علم السلف على الخلف 6

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

خالد بن سعود البليهد

 
بسم الله الرحمن الرحيم


(وربما أدى التدقيق فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين في أمصارهم كما وقع ذلك كثيراً من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار وهو باطل).

بين المصنف عند بيان إباحة تعاطيه والنظر فيه أن هناك مسلك خاطئ في استعمال علم التسيير في تعيين القبلة انتشر لدى طائفة من الفلكيين والعوام وهو الغلو والمبالغة في التدقيق فيه بحيث يتكلف الناظر في تحديد الجهات لتعيين القبلة فيحمله ذلك على التشديد في الحكم فيبطل عمل المسلمين في كثير من محاريبهم في المساجد القديمة التي بناها الصحابة وتتابع السلف والأئمة في الصلاة فيها وأقروا الصلاة فيها ويترتب على ذلك القول ببطلان الصلاة فيها بناء على أنها منحرفة عن القبلة ولو كان انحرافا يسيرا لأنه يعتقد اشتراط تعيين القبلة على سبيل التحديد بدقة وهذا مذهب مخالف للشرع من ثلاثة وجوه:

1-الوجه الأول أن الشارع اعتبر تعيين الجهة لمن بعد في القبلة على سبيل التقريب ولم يشترط تحديد عين القبلة كما سيأتي.
2-الوجه الثاني: أن هذا القول مخالف لإجماع الصحابة الذين أقروا الصلاة في مساجد الأمصار في البصرة والكوفة ودمشق والفسطاط وخراسان وغيرها.
3-الوجه الثالث: أن هذا القول فيه غلو وتنطع وتكليف المسلمين بما يشق وقد جاءت الشريعة بنفي الغلو والتكلف والمشقة.

فعلى هذا يكون التكلف والتنطع في تحديد القبلة لمن بعد من أهل الأمصار بحيث يشترطه الناظر ويبطل مخالفه مذهب محدث ليس له أصل في السنة وعمل الصحابة وأقوال الأئمة المعتبرين. ويكفي في صحة الصلاة الاجتهاد في تعيين جهة القبلة على حسب الإمكان وكلما تحرى في إصابة القبلة بأي وسيلة معتبرة كان أفضل وأكمل وليس بشرط ولا يسع المسلمين في شتى البقاع إلا هذا القول لا سيما من كانت بلادهم نائية في أقصى الأرض وهذا هو مذهب الجمهور خلافا للشافعي.


(وقد أنكر
الأمام أحمد الاستدلال بالجدي وقال إنما ورد ما بين المشرق والمغرب قبلة: يعني لم يرد اعتبار الجدي ونحوه من النجوم. وقد أنكر ابن مسعود على كعب قوله أن الفلك تدور وأنكر ذلك مالك وغيره وأنكر الإمام أحمد على المنجمين قولهم أن الزوال يختلف في البلدان).

ذكر المصنف هنا بعض المفاسد التي تترتب على المبالغة والتكلف في طلب علم الفلك والنجوم فذكر ثلاثة أمور:
1-الأمر الأول: الطعن و التشكيك في قبلة المصلين وقد سبق بيانه. وذكر المصنف أن الإمام أحمد أنكر الاستدلال بالجدي في تعيين القبلة نقل الأثرم عن أحمد أنه قيل له: (قبلة أهل بغداد على الجدي فجعل ينكر أمر الجدي فقال ايش الجدي ولكن على حديث عمر مابين المشرق والمغرب قبلة). والجدي هو النجم القطبي الشمالي والشارع اعتبر موافقة الجهة ولم يعتبر موافقة شيء من النجوم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: (ما بين المشرق والمغرب قبلة). رواه الترمذي. والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل القبلة جهة الجنوب على سبيل العموم ولم يشترط في القبلة جهة دقيقة فدل على أن الأمر واسع في هذا من غير تكلف ولا يسوغ لأحد أن يبطل عبادات الناس لأجل انحراف يسير ما دام أن المصلي مستقبلا للجهة والضابط في التوسع في القبلة وصحة الصلاة أن يكون الانحراف يسيرا في العرف أما إذا كان الانحراف شديدا عرفا فلا يجزئ.


2-الأمر الثاني أن ابن مسعود رضي الله عنه أنكر على كعب الأحبار في قوله أن الأرض تدور وكعب هو ابن الأحبار أحد سادات التابعين كان من علماء اليهود فأسلم وكان عالما بالتوراة وكان ينقل كثيرا من كتب بني إسرائيل ومسألة دوران الأرض فيما يظهر سكت عنها الشرع فلم يثبتها ولم ينفها ولم يرد فيها دليل خاص يدل على الإثبات أو النفي وظاهر الآيات مجمل محتمل الدلالة وإنما ترجع إلى دليل الحس والتجربة فمن أثبت دورانها وقال بمقتضى علمه فلا حرج عليه ومن نفاها أو توقف فيها لعدم وقوفه على ما يطمئن به وعمل بالاحتياط والورع فلا حرج عليه وهذه المسألة وجنسها لم نكلف بتعلمها ولا يضر الجهل بها ولا يترتب عليها ثواب ولا يسوغ تكفير وتفسيق المخالف في هذا المسألة وما كان من جنسها مما لم ترد في الشرع وعمل وإنكار الصحابي ابن مسعود رضي الله عنه سيأتي تفسير الباعث إليه وقد استقر اليوم عند كافة علماء الفلك حقيقة علمية أن الأرض تدور حول نفسها وينتج عنه الليل والنهار وتدور حول الشمس وينتج عنه الفصول الأربعة ولا يعارضها ظاهر القرآن لأن قوله تعالى: (
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً). يفيد أن الأرض ساكنة ومستقرة لا تضطرب بالنسبة لنا لما فيها من الجبال وهذا لا يمنع حركتها ودورانها في نفس الوقت كما أن السفينة الكبيرة يشعر سكانها بالاستقرار والسكون مع كونها تتحرك في البحر حركة مستمرة والحاصل إن إثبات دوران الأرض لا ينافي القرآن ولا يخالف الشرع ولا يصح نسبة القول بالنفي إلى مذهب السلف.


3-الأمر الثالث إنكار أحمد بن حنبل على المنجمين من أهل الفلك قولهم أن وقت زوال الشمس يختلف من بلد لآخر وهذا أمر معلوم وإنما أنكره أحمد لأنه يفضي إلى مذهب فاسد كما سيبينه المصنف.


قاعدة:

النظريات العصرية ينقسم حكمها باعتبار الشرع إلى أقسام:
1-نظريات صحيحة قد دل الشرع عليها فهي حق يجب اعتقاد صحتها.
2-نظريات فاسدة قد دل الشرع على فسادها فهي باطلة يجب إنكارها وعدم اعتقادها.
3-نظريات مسكوت عليها في الشرع ليس في الأدلة ما يدل على نفيها أو إثابتها فإن ثبتت حسا وأصبحت حقيقة علمية اعتقدنا صحتها وإن لم تثبت حسا لم يلتفت إليها.
وكثير من المتكلمين اليوم في هذا الباب ليسوا من أهل الرسوخ في العلم يلوون أعناق النصوص ويحرفون الكلم عن مواضعه ليثبتوا صحة النظريات في القرآن وقد أنكر العلماء هذا المسلك إنكارا شديدا وذموه والمتأمل في استدلالاتهم يجدها باطلة لا تصح من جهة معنى المفردة ودلالة السياق وتعيين مراد الله.

 

 

اعداد الصفحة للطباعة      
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
خالد البليهد
  • النصيحة
  • فقه المنهج
  • شرح السنة
  • عمدة الأحكام
  • فقه العبادات
  • تزكية النفس
  • فقه الأسرة
  • كشف الشبهات
  • بوح الخاطر
  • شروح الكتب العلمية
  • الفتاوى
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية