بسم الله الرحمن الرحيم

(30) الشـفـاخانـة


الطريق طويل إلى بغمان ..
يمشي الهايلكس أربعة أيام .. و نحن .. مجموعة من الشباب .. في الصندوق الخلفي
مع الأغراض و الشنط .. بعضنا نصفه في الصندوق ونصفه معلق في الهواء
و البعض .. رجله خارج نطاق التغطية .. و البعض واقف ليس له مكان يجلس .
يقطع بك الوانيت جبال بكتيكا العالية و أوديتها .. ثم صحاري غزني بغبارها و أتربتها ..
ثم سهول و مزارع ميدان وردك .. بجمالها و روعتها
تقف السيارة أخيراً في كرخمار .. قرية جميلة جداً .. مزارع و أشجار باسقة
و بيوت طين .. الأنهار تجري خلالها .. المياه في كل مكان ..
ترى الصلابيخ في قاع النهر صافية كأن ليس بينك و بينها ماء ..
أعذب من مياه الصحة المعبأة .. و باردة بطبيعتها .. فلا حاجة إلى ثلاجة ..
أشجار التوت .. و المشمش .. في متناول اليد ..
قرية عامرة .. ترى الرجال يخرجون إلى حقولهم في الصباح الباكر
و الأطفال يلعبون في أزقة القرية و سككها .. و بعض الصبية الصغار يخرجون بالماعز لترعى في الجبال
و النساء في أفنية البيوت يخبزن الخبز .. و يكنسن أحواش البقر .. هذه كل حياتهم ..
لا يدرون أن خلف تلك الجبال .. عالم آخر ..
فلا شيئ يربطهم بالعالم .. لا تلفون .. و لا تلفزيون .. و لا حتى جرايد
تبيت في هذه القرية .. لتنطلق في الصباح
تصعد الجبل المجاور للقرية .. لتنزل منه .. إلى جحيم المعركة ..
أليس عجيباً .. أن يفصل هذا الجبل فقط بين جنة الدنيا .. و نارها ..
مجرد أن تنتهي من صعود الجبل و تبدأ في النزول .. يبدأ الاستقبال
قرووم .. قرررام .. شووونج .. فتكمل بقية الطريق ركضاً
و انبطاح .. ركض .. و انبطاح .. لين ينهد حيلك
الطريق مرصود من العدو من بداية نزول الجبل ..
و المجاهدين لا يمشون فيه إلا في الليل ..
و لكن ربعنا .. عرب ..
الحمدلله .. عدّت على خير ..
لا يوجد إصابات .. إلاّ .. حصان .. انقطع نصفين ..
و بوسة على الرأس .. لأحد الشباب ..
شظية صغيرة .. حبّت راسه و هي ماشية ..
حتى إذا وصلت المجموعة إلى قاع الوادي توقف القصف .. العدو لم يعد يرانا
وصلنا إلى المكان المطلوب .. في وادي صخري يقيم المجاهدين على جنباته في خنادق أفقية
محفورة في الجبل .. هناك .. أمضينا فصل الصيف ..
كان معنا طبيب .. الله يحفظه و يغفر له و يتقبل منه .. حبيب ..
عصبي .. بس حبيب
أنشأنا مستشفى ( شفاخانة ) هناك .. عبارة عن غرفة واحدة بثلاث أسرة
اثنان للتنويم .. و واحد خشبي لتقطيع اللحم ( عفواً أقصد للتضميد و الخياطة )
تدخل المستشفى تحسبه ملحمة ( قصاب )
أرجل السرير الخشبية .. صارت عنّابية من تعاقب الدماء عليها ..
و لكن .. سأروي لكم إن شاء الله .. كم مرة ..
شممت .. في ذلك المستشفى .. و من تلك الدماء ..
تلك الرائحة الزكية العجيبة ..
التي لم أشم إلى الآن مثلها .. و لن أنساها ما حييت ..
.. تشمها بأنفك و صدرك و قلبك .. فتنسيك هموم دنياك
تحس بارتياح بالغ ... شيء لا يوصف
لا شك .. أنها من عالم آخر ..
فهي لاشك .. ليست من أطياب الدنيا
وش رايكم .. ؟؟


الشـفـاخـانــة /2 ...... مـهـجـتـي

قذيفة هاون يتيمة غريبة تسقط على سفح الوادي ..
كان هناك .. يعمل في المخبز كعادته ..
خباز .. من الفجر .. يعجن و يخبز الخبز للمجاهدين
أصابت شظية أحد فخذيه .. أعلى الفخذ
فجرحت الشريان الكبير .. و تفجر الدم .. كأنها ماسورة بلدية مكسورة ..
نقله ولده على ظهره .. خطوات فقط .. من المخبز إلى الشفاخانة
و لكنه خلال هذه المدة القصيرة فقد كل الدم الذي في جسمه
كان لونه أصفر .. أصفر
اسمه .. مهجتي ..
حاول الطبيب إسعافه .. و لكن ..
كان قضاء الله أسرع ..
كان ولده يبكي عنده و نحن حوله .. واجمون من هول المفاجأة
لم يكن هناك قصف .. قذيفة واحدة فقط .. تائهة ؟؟ ..
لا والله ليست تائهة .. بل عارفة دربها .. مرسلة له ..
مكتوب عليها اسمه .. مهجتي ..
جاءت تبحث عنه من بين مئات المجاهدين
و هو .. إذا عد المجاهدين لم يذكر معهم .. .. لم يحمل السلاح ..
و لكنه .. قضى عمره .. يخبز للمجاهدين
أشعث أغبر .. ذو طمرين .. مدفوع بالأبواب
لم يكن يؤبه له ..
لحظات من الوجوم .. سبحان الله
إن للموت هيبة .. كان الصمت يلفنا ..
كان ممداً على السرير يحتضر ... و ابنه جاثياً على ركبتيه يبكي كالطفل ..
مات مهجتي ..
و ما إن فارقت روحه جسده .. حتى انبعثت تلك الرائحة العجيبة
فعطرت أجواء الشفاخانة ..
نظر بعضنا إلى بعض .. كل منا يخاف أن يسأل الآخر
فمن خصائص تلك الرائحة .. أنه لا يشمها كل أحد
وقعت عيني على عين الطبيب .. فابتسم
فهززت رأسي أن نعم ..
ثالث من الشباب .. أدرك لغة العيون ..
فهز رأسه .. و أنا أيضاً أشمها ..
ما أزكاها ..
كثير من الموجودين .. لم يحسوا بشيء .. سبحان الله لا ندري ما هو السر
خرج الجميع يجهزون أغراض الجنازة ..
و بقينا نحن ..مع مهجتي ..
و الرائحة تغيب .. و تعود .. تنتشر .. ثم تختفي ..
نفحات جميلة جميلة .. نتلقفها .. و ننتظرها .. فإذا انبعثت
رأيت بعض الشباب .. يتنشق بعمق .. و الآخر يحاول أن يمسك بها قبل أن تغيب
يالها من لحظات تاريخية ..
يجب عليك أن تسجلها في ذاكرتك
لعلك لا تشم هذه الرائحة مرة أخرى في هذه الدنيا ..
جاءوا و حملوا الجنازة ..
راح مهجتي ..
و بقيت الرائحة .. على السرير .. بقايا من القطن و الدماء
اخذ الطبيب قطنة ناقعة بدماء مهجتي .. و وضعها في ظرف
سبحان الله ..
ظلت الرائحة في هذه القطنة أسابيع ..
كلما جاءنا ضيف جديد .. أخرجناها له ..
فمنهم من يشمها كأجمل رائحة رآها في حياته ..
و منهم .. من لا يشم شيئاً ..


الشفاخانة / 3 ...... البتّو الأخضر ..

كان عندنا مستودع لا يصل إليه نور الشمس ..
غرفة صغيرة .. أرضيتها تراب و جدرانها طين .. بدون شبابيك و رائحتها عفنة من الرطوبة
غير مرتبة .. طبقات من الغبار و الأتربة تغطي كل شيء
أغراض قديمة .. شنط و ملابس .. و أحذية لم يعد لها أصحاب
و لا أحد يسأل عنها ..
إذا أراد أحد الشباب أن يسافر إلى أهله .. رمى بشنطته و أغراضه في هذه الغرفة و ذهب
تتكوم الأغراض .. تمر فترة طويلة قبل أن يرتب المستودع و تؤخذ الأغراض و توزع على المحتاجين
دخلت يوماً أبحث عن شيء .. نسيت ماذا كنت أريد
و لكني لن أنسى ما حصل أبداً ..
الغبار يخنقني .. كل شئ تحركه يخرج منه سحابة من الغبار
و يتراكض من تحته مجموعة من الفئران الصغيرة ..
كانت الملابس معبأة في خياش كبيرة .. ملابس بأحجام و ألوان مختلفة .
كنت أفتح الخياش .. أبحث عن شيئ لا أدري ما هو ..
ربما قميص أو سروال .. أو بتّو .. ( البتّو هو رداء الأفغان متعدد الاستعمالات )
فتحت الأكياس الواحد تلو الآخر .. و أنا في عجلة من أمري
أريد الخروج قبل أن أموت اختناقاً ..
فتحت أحد الأكياس .. فانبعثت منه رائحة زكية لا أستطيع أن أصفها ..
طيب .. يسحرك .. يطير بك في جو من النشوة و الانشراح فتشعر بخفة و كأنك عديم الوزن
تشعر و كأنك لا تقف على الأرض . ..
استنشقت بعمق .. و مرة أخرى .. لأتأكد ..
الله أكبر .. ما أجملها .. غطت على كل روائح المستودع الصغير .. و على الرطوبة و الغبار
لم أعد أشم إلا تلك الرائحة .. سبحان الله .. ما أزكاها
فتشت داخل الخيشة .. أشم في الملابس و أرمي .. حتى وجدت مصدر الرائحة
بتّو ( رداء أفغاني خفيف صيفي مطرز أخضر اللون ) لن أنسى شكله ..
كان ملطخاً ببقع من الدم قديمة ناشفة ..
و تنبعث منه رائحة من أجمل ما رأيت في حياتي .. إنها عين الرائحة ..
أخذت البتّو .. و ذهبت أسأل الشباب .. واحداً واحداً .. هل تعرفون صاحب هذا الرداء
كلهم يجيب بالنفي ..
أخذته .. و ذهبت إلى الشفاخانة .. سألت الدكتور ..
أخذه و شمّه .. و تعرف على الرائحة .. و على البتّو ..
قال إنه رداء ( عبدالحي ) الأفغاني .. مر علينا جريحاً قبل أكثر من شهر ..
لا إله إلا الله .. يا جماعة ..
قطعة من القماش الملوثة بالدماء .. ملقاة في مستودع قذر .. لمدة أكثر من شهر
كيف تكون رائحتها ....
تذكرت عبدالحي .. ...
جاءوا به من الخطوط الأولى جريحاً ينزف .. أسعفه الدكتور في الشفاخانة ..
ثم حملوه إلى باكستان .. لا أدري
هل مات في الطريق .. أم لا يزال حياً ..
و لكن الرائحة بقيت في ثيابه .. كل تلك المدة .. سبحان ربي ..


الشفاخانة / 4 ....... سر المهنة

جاؤا به يحملونه .. إلى الشفاخانة
صبي مجاهد .. أفغاني في السادسة أو السابعة عشر من عمره
لم ينبت الشارب و اللحية بعد ..
غائب عن الوعي .. و لكنه يتلوى و يتأوه ..
كانت كلمتان على لسانه ..
الله أكبر .. لا إله إلا الله
الله أكبر .. يرددها ..
و يتنفس بسرعة و يشهق
كان من الصعب الإمساك به ..
تشعر أنه يتألم .. بشدة ..
لم يكن هناك أي جرح في جسده .. أو دماء
و لكن كان ينزف من الداخل .. قليل من الدم يخرج من إذنيه
و قليل من أنفه ..
سقطت على الغرفة التي يجلس فيها قنبلة طائرة من الوزن الثقيل
لم يصبه شئ منها .. و لكنه تأثر من اختلال الضغط ..
و نحن نحاول الإمساك به .. حتى يتعامل معه الطبيب ..
قام .. و تقيئ .. دماء كثيرة .. خرجت من بطنه ..
ارتاح .. و سكنت حركته ..
فرح الطبيب .. و قال إن شاء الله خير ..
أخرج الجميع من الشفاخانة .. و استبقاني ..
وضع هوز ( لي ) طويل متصل بكيس من طرفه .. في ذكر الصبي
فخرج من مثانته .. بول أحمر مخلوط بدم .. كثير
فارتاح أكثر .. ..
مازال يردد .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله .. حتى نام
قال الدكتور فلننقله إلى سرير النوم ليرتاح ..
إن شاء الله يكون أحسن .. بعد أن أخرج ما في جوفه من الدم
حملناه أنا و الطبيب ..
و بينما أحمله من سرير القصاب (العمليات) .. إلى سرير النوم
قربت منه .. فإذا بها تمر علي مثل الطيف .. تلك الريح الطيبة
هي .. لحظة واحدة .. سريعة .. و لكنها .. كافية لأن تغيب عقلك
و تسرح بك في عالم آخر ..
كان تنفسه قد انتظم .. و حالته أفضل من الأول
كان الطبيب فرحاً و مستبشرا بأن حالته تحسنت .. و أنه سوف يعيش بإذن الله
قلت له : لا أظنه من أهل الدنيا يا دكتور ..
استغرب .. و قال لماذا ؟ .. قلت : مجرد ظن . ..
بالفعل .. رقد الفتى رقدة .. لم يصحو بعدها أبداً ..
و كان لسانه لا يفتر يردد .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله
قال لي الدكتور .. أنت الطبيب أم أنا .. كيف توقعت أن يستشهد ..
قلت .. سهلة
شممت منه رائحة الشهداء ..

همام

الصفحة الرئيسة