صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
  • اعرف نبيك
  • العلماء وطلبة العلم
  • أفكار دعوية
  • مكتبة صيد الفوائد
  • الأنشطة الدعوية
  • زاد الـداعـيـة
  • زاد الخـطـيـب
  • العروض الدعوية
  • للنساء فقط
  • ملتقى الداعيات
  • رسائل دعوية
  • الفلاشات - القصص
  • مقالات - تغريدات
  • واحة الأدب
  • منوعات - مختارات
  • الملل والنحل
  • الطبيب الداعية
  • بحوث علمية
  • تربية الأبناء
  • سيادة الشريعة
  • جهاد المسلمين
  • محمد بن عبدالوهاب
  • صفحات مهمة







    أسس وتجارب في التعامل مع الناس

    د. بدر عبد الحميد هميسه


    بسم الله الرحمن الرحيم


    فن التعامل مع الناس فن لا يتقنه كل أحد ؛ بل يحتاج إلى مهارات خاصة قد يجبل عليها الإنسان أو يرثها, وقد يكتسبه ممن حوله , وقد يتعلمها من القراءة والمعرفة والمعايشة والتجربة .
    ولقد اهتم ديننا الحنيف أيما اهتمام بالخلق الكريم وحسن التعامل مع جميع الناس , وأن يقابل المسلم السيئة بالحسنة ,قال تعالى : وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) سورة فصلت .
    بل جعل الإسلام درجة حسن الخلق وطيب التعامل مع الناس مساوية لدرجة الصائم الذي لا يفتر والقائم الذي لا يفتر , عَنْ عَائِشَةَ ، رَحِمَهَا اللَّهُ ، قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ. أخرجه أحمد 6/64 و\"أبو داود\" 4798 , الألباني : صحيح الترغيب والترهيب 3/5.

    وهذه الرسالة تتحدث عن بعض الأسس والتجارب في التعامل مع الناس وهذه الأسس هي :

    أولاً : لا تتعامل مع الجانب المظلم في الناس :
    ما من إنسان إلا وتتنازعه قوتان : قوة الخير وقوة الشر . فأيهما انتصر كانت طباع الإنسان عليه . فإذا انتصر الخير كان الإنسان مفيداً في مجتمعه نافعاً لذويه . وإذا انتصر الشر كان الإنسان مفسداً . فالناس على تقلب من أمرهم , يجتمع فيهم النور والظلمة , الحق والباطل , الجمال والقبح , وهذا الصراع هو سنة ربانية , وحكمة إلهية , وطبيعة بشرية , لأن الله لم يكتب العصمة للبشر؛ إلا للأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام .
    وهذا الصراع هو صراع أزلي لا ينتهي لأن الربح والخسارة تكون لأحد الطرفين مرات،ومرات أخرى للطرف الآخر.
    قال الشاعر:

    الخير في الناس مصنوع إذا جبروا * * * والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

    والنفس البشرية ستبقى دائماً في هذا التنازع بين الخير والشر ، بين الفجور والتقوى , قال تعالى : \" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا\"(7-8) سورة الشمس.
    ومن الناس من هو مفتاح للخير ومنهم من هو مفتاح للشر , عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ ، مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ.أخرجه ابن ماجة (237). الألباني \" السلسلة الصحيحة \" 3 / 320 .
    قال أبو العتاهية :

    الخير والشر عادات وأهواء * * * وقد يكون من الأحباب أعداء
    للحكم شاهد صدق من تعمده * * * وللحليم عن العورات إغضاء
    كل له سعيه والسعي مختلف * * * وكل نفس لها في سعيها شاء

    فلا يوجد في الكون إنسان يكون خيراً محضاً , ولا إنسان يكون شرا محضاً خلا الأنبياء المعصومين عليهم السلام ,حتى أعتى أهل الأرض فجورا وعلوا واستكبارا كان يجتمع فيهم الخير والشر .
    فها هو إن ابن آدم ( قابيل) حينما ارتكب أول جريمة قتل على ظهر الأرض وبعد أن قتل أخاه (هابيل )وعصى ربه وأباه تحركت بذرة الخير في قلبه فندم على فعلته واخذ يبحث عن مكان يواري فيه جثة أخيه . قال تعالى : \" فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) سورة المائدة.

    وفرعون أشد الملوك تجبراً وعتواً وكفراً , فرعون الذي قال : { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (24) سورة النازعات.
    فرعون رمز الضلال , قال تعالى : {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} (79) سورة طـه.
    فرعون رمز العلو والاستكبار , قال تعالى : {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (4) سورة القصص.
    قيل عنه : أنه كان فرعون بارا جداً بوالديه.
    بل حينما تقرأ قصته مع موسى عليه السلام لا تجده شراً محضاً , بل تجد لديه بعض الرحمة والشفقة والإنصاف . فقد ترك قتل موسى على الرغم من شكه في أن هذا الطفل من الممكن أن يكون سبب هلاكه , قال تعالى : \" وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ\" (9) سورة القصص.
    وتأمل كذلك حواره مع موسى حينما دعاه إلى الإيمان بالله تعالى وحده , فترك موسى يعبر عن رأيه ويناظره بكل حرية ويأتي بالأدلة التي تثبت صدق قوله , وكان بإمكانه أن لا يترك لك فرصة من هذه الفرص ويأمر بقتل مباشرة , كما يفعا بعض الحكام مع معاريضهم .
    قال تعالى يحكي هذا الحوار الرائع الماتع : (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ* قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ *قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ* قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ *وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ *قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ * سورة الشعراء 23-51.

    وحتى أعدى أعداء الإسلام من عتاة الكفر والضلال كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم تجد في شخصيتهم بعض الخير والإنسانية , فكما جاء في الآثار من استبشار وفرح أبي لهب بمولد النبي صلى الله عليه وسلم برغم عداوته للإسلام بعد ذلك ,

    وما ذكره ابن إسحاق من قصة أبي جهل مع الأراشي , قال : قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ إرَاشَةَ - بِإِبِلِ لَهُ مَكّةَ ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْل ٍ فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا . فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، مَنْ رَجُلٌ يُؤَدّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ ، فَإِنّي رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّي ؟ قَالَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِك الْمَجْلِسِ أَتَرَى ذَلِك الرّجُلَ الْجَالِسَ - لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ - اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنّهُ يُؤَدّيك عَلَيْهِ . فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللّهِ إنّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّ لِي قِبَلَهُ وَأَنَا رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ سَأَلْت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدّينِي عَلَيْهِ يَأْخُذُ لِي حَقّي مِنْهُ فَأَشَارُوا لِي إلَيْك ، فَخُذْ لِي حَقّي مِنْهُ يَرْحَمُك اللّهُ قَالَ انْطَلِقْ إلَيْهِ وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ قَالُوا لِرَجُلِ مِمّنْ مَعَهُمْ اتْبَعْهُ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ . قَالَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ مُحَمّدٌ فَاخْرُجْ إلَيّ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ قَدْ اُنْتُقِعَ لَوْنُهُ فَقَالَ أَعْطِ هَذَا الرّجُلَ حَقّهُ قَالَ نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُعْطِيَهُ الّذِي لَهُ قَالَ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ قَالَ: ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ لِلْإِرَاشِيّ الْحَقْ بِشَأْنِك ، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ جَزَاهُ اللّهُ خَيْرًا ، فَقَدْ وَاَللّهِ أَخَذَ لِي حَقّي قَالَ وَجَاءَ الرّجُلُ الّذِي بَعَثُوا مَعَهُ فَقَالُوا : وَيْحَك مَاذَا رَأَيْت ؟ قَالَ عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ وَاَللّهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ فَقَالَ لَهُ أَعْطِ هَذَا حَقّهُ فَقَالَ نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقّهُ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَأَعْطَاهُ إيّاهُ . قَالَ ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو جَهْلٍ أَنْ جَاءَ فَقَالُوا ( لَهُ ) وَيْلَك مَا لَك ؟ وَاَللّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْت قَطّ قَالَ وَيْحَكُمْ وَاَللّهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيّ بَابِي ، وَسَمِعْت صَوْتَهُ فَمُلِئَتْ رُعْبًا ، ثُمّ خَرَجْتُ إلَيْهِ وَإِنّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطّ ، وَاَللّهِ لَوْ أَبَيْتُ لَأَكَلَنِي . انظر : ابن هشام : السيرة النبوية 1/389, البيهقي : دلائل النبوة 2/139, ابن كثير : البداية والنهاية 3/59 .

    وما روي كذلك من إعجاب الوليد بن المغيرة وانبهاره بأي القرآن الكريم , وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال لما نزل قوله تعالى : \" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) سورة النحل ,قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال: يا آل غالب، اتبعوه تفلحوا، فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق. وفي حديث - إن أبا طالب لما قيل له: إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان} الآية، قال: اتبعوا ابن أخي، فوالله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق. وقال عكرمة: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحسان} إلى آخرها، فقال: يا ابن أخي أعد، فأعاد عليه فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمورق، وأعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر . تفسير القرطبي 10/165, تفسير ابن كثير 4 / 466.
    فهذا يؤكد أن النفس البشرية فيها مادتان : خير وشر , كفر وإيمان فأيهما غلب كانت له الغلبة .

    وقد ذكر لنا الرسول صلى الله عليه وسلم قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً لكن بذرة الخير تحركت في نفسه , فذهب إلى احد الرهبان وعرض عليه أمر التوبة فلم يلتفت هذا الراهب إلا إلى بذرة الشر في نفس الرجل فقتله وأكمل به المائة , ثم بحث عن رجل عالم فقيه فحرك بذرة الخير فيه وتعامل معها بحكمة فكان سببا لتوبة الله عليه ,فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: \" كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِىٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ التي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ.قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ\".رواه البخاري (5378، 5420، 6175)، ومسلم (220) عن ابن عباس.

    فالعاقل يختار الجانب المضيء في الناس ويتعامل معهم من خلاله ولا يختار الجانب المظلم فيهم .
    وهذا ما فعله النبي – صلى الله عليه وسلم – مع خالد بن الوليد رضي الله عنه والذي كان شديداً على المسلمين ودليله ما فعله في أُحد ضد المسلمين . لكن حينما أسلم أخوه الوليد بن الوليد، ودخل الرسول-صلى الله عليه وسلم –مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد،فقال: (أين خالد ؟)...فقال الوليد: (يأتي به الله. فقال النبي:- صلى الله عليه وسلم-: (ما مثله يجهل الإسلام،ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيراً له،ولقدمناه على غيره)...فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده،فترك له رسالة قال فيها : (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد...فأنى لم أرى أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك،ومثل الإسلام يجهله أحد؟!...وقد سألني عنك رسول الله،فقال أين خالد-وذكر قول النبي-صلى الله عليه وسلم-فيه-ثم قال له:فستدرك يا أخي ما فاتك فيه،فاتتك مواطن صالحة).وقد كان خالد –رضي الله عنه-يفكر في الإسلام، فلما قرأ رسالة سر بها سرورا كبيراً،وأعجبه مقاله النبي-صلى الله عليه وسلم-فيه،فتشجع وأسلم\" ( برهان الدين الحلبي:لسيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون 2/777).

    وفي فتح مكة قال الْعَبّاسُ : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا قَالَ نَعَم مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنٌ\" . ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هَدْي خير العباد 3/347 .

    ومن هنا فقد شرع الإسلام سهما في الزكاة للمؤلفة قلوبهم , وهم قوم كانوا يُتَألَّفون على الإسلام، ممن لم تصحّ نصرته، استصلاحًا به نفسَه وعشيرتَه وقال ابن كثير : وأما المؤلفة قلوبهم: فأقسام: منهم من يعطى ليُسلم، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركا. قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحبَّ الناس إليَّ بعد أن كان أبغض الناس إلي. (تفسير الطبري 14/312 , تفسير ابن كثير 4/167) .
    أذكر حينما كنت بالخارج وكان ( بالعمارة ) التي كنت أسكن فيها حارس اشتهر عنه الفظاظة وسوء التعامل مع سكان ( العمارة ) والتعالي عليهم وكأنه صاحب ذلك المِلك, حتى أن كثيرا منهم ترك العمارة بسببه , لككني بحمد الله تعالى جاورت في ذلك المسكن لمدة ثماني سنوات , فكان يقول لسكان : أنا لا أحب إلا فلان فقد – يقصدني – فيتعجبون ويسألونني عن ذلك , ويقولون ماذا تفعل مع هذا الرجل ؟. فأقول لهم : الأمر أيسر مما تصورون لا شيء إلا أنني أحاول أن أتعامل مع الجانب المضيء فيه , وأشياء ميسورة جدا , يعني مثلا أنتم تمرون عليه كل يوم مرات ولا سلام ولا كلام , لكني كلما مررت عليه ألقيت عليه السلام وبششت وهششت في وجه , وهذا ما تعلمناه من الإسلام , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ. أخرجه و\"أحمد\" 2/391(9073) و\"مسلم\" 104.
    عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَقشُوا السَّلاَمَ تَسْلَمُوا ، وَالأَشَرَةُ شَرٌّ.
    قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : وَالأَشَرُ الْعَبَثُ.أخرجه أحمد 4/286(18729) و\"البُخَارِي\" ، في (الأدب المفرد) 477.
    كما أنني أصافحه وأسأله عن أحواله وأحوال أولاده , وأطلب منه أن يزورني ليشرب الشاي معه , وكلها أشياء بسيطة لم تكلفني شيئا ,فالبر شيء هين : وجه بشوش ولسان لين .

    ثانياً : اقبل الناس على ما هم عليه :

    لا تتطلب المثالية في اختيار الناس , وفي اختيار أسلوب التعامل معهم , فلذلك مما سوف يتعبك كثيرا في حياتك , بل اقبل الناس على ما هم فيه من خير وشر , وجمال وقبح , قال تعالى : \" وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) سورة الأنفال .
    وقال : \" وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) سورة يوسف .
    عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ ائْذَنُواْ لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ الكَلامَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ ثمَّ أَلَنْتَ لَهُ في القَوْلِ فَقَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ \"0أخرجه البخاري ( 4 /125 - 126،142 ) ومسلم (8 /21) وأبو داود (4791 ) والترمذي ( 1 / 360 ) و أحمد ( 6 / 38 ).
    عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : أَحِبَّ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا. هَذَا حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ .البوصيري : اتحاف الخيرة المهرة 6/106.
    قال بشار بن برد :

    إِذَا كُنْتَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ مُعَاتِبًا * * * صَدِيقَكَ لَمْ تَلْقَ الَّذِي لَا تُعَاتِبُهْ
    فَعِشْ وَاحِدًا أَوْ صِلْ أَخَاكَ فَإِنَّهُ * * * مُقَارِفُ ذَنْبٍ مَرَّةً وَمُجَانِبُهْ
    إِذَا أَنْتَ لَمْ تَشْرَبَ مِرَارًا عَلَى الْقَذَى * * * ظَمِئْتَ وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُهْ

    أنشد ثعلب:

    أُغمِّضُ عَيني عَن صَديقي تَجَسُّماً * * * كَأَنّي بِما يَأتي مِن الأَمرِ جاهِلُ
    وَما بِيَ جَهلٌ غَيرَ أَنَّ خَليقَتي * * * تُطيقُ اِحتمالُ الكُرهِ فيما تُحاوِلُ

    وليس معنى قبول الناس على ما هم عليه عدم النصح لهم , أو محاولة التغيير من سلوكياتهم وأخلاقهم , فذلك مما يتعارض مع تعاليم الإسلام الذي يدعو إلى الايجابية وعدم الإمعية في التعامل مع الخلق , عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكْمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاؤُوا فَلاَ تَظْلِمُوا. أخرجه التِّرْمِذِي (2007) الألباني : ضعيف الجامع الصغير ( 6271 ) .
    بل إن قبول الناس على ما هم عليه يعني التعامل بواقعية مع ضعفهم وأخطاءهم , وتوقع الهفوات والزلات منهم .

    شكا لي أحد الأصدقاء من صديق له هوايته المبالغة في الكلام , وتضخيم الأمور ووضعها في غير موضعها , حتى أنه وصف لي كلامه وصفا ظريفا فقال : ( إن نصف حديثه إسرائيليات والنصف الآخر أحاديث موضوعة ) قلت له : وماذا عن أخلاقياته ؟ . قال : رجل بمعنى الكلمة كلما احتاجه أجده بجانبي , وأمين لا يخون , قلت : جميل , إذن فاقبله على ما هو عليه وحاول أن تغير مما تراه لا يصلح للصداقة الخالصة الصادقة .

    ثالثاً : عليك باليأس مما في أيدي الناس :

    بعض الناس يضع آماله وطموحاته كلها على الناس , ويراقبهم أكثر مما يراقب ربه تعالى , وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : \" وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ .. (37) سورة الأحزاب .
    فالراحة كل الراحة في عدم الطمع مما في أيدي الناس , وأن لا يراقبهم بل ويستوي عنده المادح والذام , عَنْ إِسْمَاعِيلَ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَوْصِنِي وَأَوْجِزْ ، فَقَالَ : عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ ، وَصَلِّ صَلَوَاتِكَ وَأَنْتَ مُوَدِّعٌ وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ .[كنز العمال 8852 ] أخرجه: ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (4/246 ، رقم 2249) .
    وعَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: : مَنْ يَضْمَنُ لِي وَاحِدَةً ، وَأَضْمَنُ لَهُ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : لاَ تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا.
    فَكَانَ ثَوْبَانُ يَقَعُ سَوْطُهُ ، وَهُوَ رَاكِبٌ ، فَلاَ يَقُولُ لأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ ، حَتَّى يَنْزِلَ فَيَتَنَاوَلَهُ. أخرجه أحمد 5/277(22744) و\"ابن ماجة\" 1837 و\"النَّسائي\" 5/96 ، وفي \"الكبرى\" 2382 ( صحيح ) انظر حديث رقم : 7307 في صحيح الجامع .
    فالأرزاق مقدرة والآجال مقدرة والناس لا تملك لك غنى ولا فقرا ولا حياة ولا موتا , عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه لا يستبطئن أحد منكم رزقه أن جبريل عليه السلام ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس واجملوا في الطلب فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصية ( الحاكم في مستدركه ج 2/ ص 5 حديث رقم: 2136 وهو صحيح).
    قال الشاعر :

    لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ * * * فَإِنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْك فِي الدِّينِ
    وَاسْتَرْزِقْ اللَّهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ * * * فَإِنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ

    قال شقيق بن إبراهيم البلخي قال لي إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى أخبرني عما أنت عليه قلت إن رزقت أكلت وإن منعت صبرت قال هكذا تعمل كلاب بلخ فقلت كيف تعمل أنت قال أن رزقت آثرت وان منعت شكرت.

    أيا مالك لا تسأل الناس والتمس * * * بكفيك فضل الله فالله أوسع
    ولو تسأل الناس التراب لأوشكوا * * * إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا

    ومن راقب الناس مات كمدا ورضا الناس غاية لا تدرك , فلا تضيع وقتك في تتبع كلام الناس عنك ومن مدحك ومن ذمك .

    كنت في بداية حياتي في الخطابة حينما أنتهي من خطبة الجمعة أو إلقاء محاضرة ما أهتم كثيرا بما يقولونه الناس عن الخطبة أو المحاضرة , وأسعد كثيرا بالثناء وأحزن كثيرا للنقد والملاحظات , ولكن مع مرور الأيام واكتساب الخبرات وجدت أن هذا الأمر يسبب لي كثيرا من الإزعاج , وأن ثناء الناس قد يكون من باب المجاملة وفقط وأن نقدهم قد تكون له أسباب أخرى غير النقد والتصحيح , ثم صار الأمر عندي على السواء .

    رابعاً : التمس لأخيك سبعين عذراً :

    بعض الناس لا يشغله إلا تتبع سقطات الناس وإساءة الظن بهم , وسوء الظن بالناس نهانا عنه الدين الحنيف , قال تعالى : \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ\" (12) سورة الحجرات .
    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا.
    - وفي رواية : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَنَافَسُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا. أخرجه عَبْد الرَّزَّاق (20228) . وأحمد 2/312(8103) و\"البُخاري\" 6064 .

    وقد طبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عمليا مع أصحابه في قصة حاطب بن أبي بلتعه , فعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ ، وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهُوَ يَقُولُ:بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَا ، وَالزُّبَيْرَ ، وَالْمِقْدَادَ ، فَقَالَ : ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً ، مَعَهَا كِتَابٌ ، فَخُذُوهُ مِنْهَا ، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا ، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ ، فَقُلْنَا : أَخْرِجِي الْكِتَابَ ، فَقَالَتْ : مَا مَعِي كِتَابٌ ، فَقُلْنَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ ، أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا ، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذَا فِيهِ : مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبي بَلْتَعَةَ ، إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَا حَاطِبُ ، مَا هَذَا ؟ قَالَ : لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ : كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي ، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا ، وَلاَ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي ، وَلاَ رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : صَدَقَ ، فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ ، أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَمَا يُدْرِيكَ ، لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ .أخرجه أحمد 1/79(600. والبُخَارِي 4/72(3007) و\"مسلم\" 7/167 (6485) و\"أبو داود\" 2650 و\"التِّرمِذي\" 3305 .
    فقد أخطأ حاطب بن أبي بلتعة في ظنه إعلام قومه بخبر قدوم النبي إليهم لفتح مكة ، وهو خطأ لا يقصد منه صاحبه خيانة الله ورسوله , لكن انظر كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الخطأ الغير مقصود ، فلم يجرح صاحبه ، بل ولم يعنفه , بل والتمس له العذر , وفي ذلك نزل قوله تعالى : {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(10) . سورة المجادلة (22)وانظر:( تفسير الطبري 23/311) .

    يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: \"لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً \".
    وقال ابن سيرين رحمه الله: \" إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا ، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه \".
    وقال : حَمْدُونَ الْقَصَّارَ، يَقُولُ: \" إِذَا زَلَّ أَخٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، فَاطْلُبُوا لَهُ سَبْعِينَ عُذْرًا، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْهُ قُلُوبُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَعِيبَ أَنْفُسُكُمْ حَيْثُ ظَهَرَ لِمُسْلِمٍ سَبْعُونَ عُذْرًا، فَلَمْ يَقْبَلْهُ \". شعب الإيمان للبيهقي 13 / 504.
    قال الشاعر :

    تأن ولا تعجل بلومك صاحبًا * * * لعل له عذرًا وأنت تلوم

    وفال القاسمي : «يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَنْبِطَ لِزَلَّةِ أَخِيكَ سَبْعِينَ عُذْرًا ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ قَلْبُكَ فَرُدَّ اللَّوْمَ عَلَى نَفْسِكَ فَتَقُولُ لِقَلْبِكَ : مَا أَقْسَاكَ يَعْتَذِرُ إِلَيْكَ أَخُوكَ سَبْعِينَ عُذْرًا فَلَا تَقْبَلُهُ فَأَنْتَ الْمَعِيبُ لَا أَخُوكَ» وَقَالَ «الْأَحْنَفُ» : «حَقُّ الصَّدِيقِ أَنْ تَحْتَمِلَ مِنْهُ ثَلَاثًا : ظُلْمُ الْغَضَبِ وَظُلْمُ الدَّالَّةِ وَظُلْمُ الْهَفْوَةِ».انظر : موعظة المؤمنين 1/163.

    وها هو الإمام الشافعي رحمه الله حين مرض وأتاه بعض إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوى لله ضعفك، قال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني ، قال: والله ما أردت إلا الخير. فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير.فهكذا تكون الأخوة الحقيقية إحسان الظن بالإخوان حتى فيما يظهر أنه لا يحتمل وجها من أوجه الخير.

    من كان يرجو أن يسود عشيرة * * * فعليه بالتقوى ولين الجانب
    ويغض طرفا عن إساءة من أساء * * * ويحلم عند جهل الصاحب

    مر أبو الدرداء رضي الله عنه على رجل قد أصاب ذنبا والناس يسبونه، فلم يعجبه ما رأى من صنيعهم، وأراد أن يضيف إليهم من خبرته العميقة في الدعوة، قاعدة لم يبد له أنهم يعرفونها فقال لهم:((لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟قالوا: بلى.قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم. فقالوا: أفلا نبغضه؟فقال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه، فهو أخي)).
    قال الشاعر :

    سامح أخاك إذا خلط * * * منه الإصابة بالغـــلط
    و تجافَ عن تعنيفه * * * إن زاغ يوماً أو قســــط
    و اعلم بأنك إن طلبت * * * مهذباً رمت الشطـــط
    من الذي ما ساء قط * * * ومن له الحسنى فقط

    وقد حكي عن الأحنف ابن قيس أنه قال: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره ثلاث خصال:
    إن كان أعلى مني عرفتُ له قدره , وإن كان دوني رفعتُ قدري عنه , وإن كان نظيري تفضلت عليه. فالتمس الأعذار للناس حتى يلتمسون لك الأعذار .

    أعرف أحد الناس كثيرا ما يسيء الظن بالناس , ولا يثق في أي شخص , وتحول الأمر عنده إلى وسواس ومرض , حتى أفسد عليه ذلك المرض حياته فهجره أصدقاؤه وأقاربه , وصار عاقا لوالديه , وانتهى به الأمر إلى الانفصال عن زوجته وهدم حياته وتشرد أولاده , وكل ذلك بسبب سوء الظن وعدم التماس الأعذار للناس .

    خامساً : لا تجعل الناس في سلة واحدة :

    بعض الناس لا يحكم على الناس إلا من خلال المظاهر فقط , وينسى قول الله تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] .
    فهو يضع الناس جميعاً في سلة واحدة , ويتعامل معهم من منطلق واحد , ومن مفهوم لا يتغير , وينسى أن من الناس من هو سهل ومنهم من هو صعب , وأن فيهم العالم وفيهم الجاهل , وفيهم الحكيم وفيهم المتهور , وهذا ما أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله , مما روي عَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَريِّ رضي الله عنه قال : قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنِّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ، وَالأَبْيَضُ ، وَالأَسْوَدُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالسَّهْلُ ، وَالْحَزْنُ ، وَالْخَبِيثُ ، وَالْطَّيِّبُ. أخرجه أحمد 4/40، وأبو داود 4693 والترمذي 2955. سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم الحديث 1630
    ولقد تمثل بعض الشعراء هذا المعنى, فقال:

    الناس كالأرض ومنها هُُمُ *** فمن خَشنِ الطبع ومن ليِّنِ
    فجنـدلٌ تدمـى بـه أرجـلٌ *** وإثـمدٌ يـُوضـع في الأعـينِ

    ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ \" إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ. أخرجه أحمد 2/484(7814) و\"مسلم\" 8/11 و\"ابن ماجة\" 4143 .
    بل وطبق صلى الله عليه وسلم ذلك عملياً , فعن أَبِى حَازِمٍ , عن سهل بن سعد الساعدي , قَالَ:مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم رجل. فَقَالَ النبي : مَا تَقُولُونَ في هَذَا ؟ قَالُوا : رأيك في هذا.نقول : هذا من أشرف الناس , هذا حَرِيٌّ , إِنْ خَطَبَ , أَنْ يخطب ، وَإِنْ شَفَعَ , أَنْ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ : أَنْ يُسْمَعَ لقوله , فسَكَتَ النبي صلى الله عليه وسلم , وَمَرَّ رَجُلٌ آخر , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مَا تَقُولُونَ في هَذَا ؟ قَالُوا : نقول : والله يا رسول الله , هذا من فقراء المسلمين , هذا حَرِيٌّ , إِنْ خَطَبَ , لمَ يُنْكَحَ , وَإِنْ شَفَعَ , لاَ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ , أَنْ لاَ يُسْمَعَ لقوله , فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : لهَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا. أخرجه البخاري 7/9(5091) و\"ابن ماجة\" 4120 .
    وعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ. أخرجه مسلم 8/36 و154.
    وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : \"بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوه وأريقوا على بوله سجلا ( دلوا ) من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين \". أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بترك هذا الأعرابي الجاهل حتى ينتهي من بوله ، فلما انتهي أمر أن يراق على بوله ذنوبا من ماء فزالت المفسدة . ثم دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ، الأعرابي فقال : \"إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة وقراءة القرآن \" . رواه البخاري 1/65(221) .

    فالحكم على الناس لا يكون من خلال المظهر فقط بل لا بد من المعايشة والتجربة , جاء رجل يشهد لرجل بالصلاح عند أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فقال له: أأنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: أسافرت معه في سفر طويل يسفر عن أخلاق الرجال؟، قال: لا، قال: أعاملته بالدينار وبالدرهم ـ الذي به يظهر ورع المرء من شرهه ـ؟ قال: لا، قال: لعلك رأيته في المسجد يمسك بالمصحف، يقرأ القرآن، يرفع رأسه تارة ويخفضها تارة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اذهب فلست تعرفه، وقال للرجل: ائتني بمن يعرفه.إحياء علوم الدين 2/83.
    قال الشاعر :

    لا يغرنك من المرء قميص رقعه * * * أو إزارا فوق كعب الساق منه رفعه
    أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه * * * ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه

    كما أن مخاطبة الناس لا تكون بأسلوب واحد لا يتغير حسب الزمان والمكان والأشخاص , بل لا بد أن يراعى المقال مقتضى الحال , قال علي رضي الله عنه \" حدثوا الناس بما يعرفون ، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟! . أخرجه البخاري (127) .
    وقال ابن مسعود رضي الله عنه : \"إنك لن تحدث قوماً بحدث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة\". رواه مسلم في (( مقدمة الصحيح )) (1/11).

    كنت – أيضاً – في بداية حياتي الخطابية لم أتعلم بعد التنوع في أسلوب الخطابة , فكنت أحيانا أذهب إلى بعض قرى الريف فأحاول أن يكون كل حديثي باللغة الفصحى التي أعشقها وأعتز بحبها والانتساب إليها , وكنت أجد الاستغراب من الناس أو عدم الفهم لكل ما أقول , حتى تعودت بعد ذلك من خلال التجربة أن تكون لكل فئة أسلوبها , وأن يكون لكل مقام مقال ؛ فالمسجد الذي غالب أهله من القرويين البسطاء , يختلف الأسلوب فيه عن المسجد الذي به نسبة من القرويين ونسبة من المتعلمين , عن المسجد الذي تكون الغالبية فيه من المتعلمين , وأسلوب الخطبة غير أسلوب الدرس غير أسلوب المحاضرة .
    وكل ذلك من قبيل حسن التعامل مع الناس والتواصل معهم , فالإحسان إلى الناس وحسن التعامل معهم فن يحتاج إلى دربة ودراسة واكتساب الخبرات من الحياة , ومن خلال المواقف الصعبة قبل السهلة .
    قال أبو الفتح البستي :

    أحسِنْ إلـى النّـاسِ تَستَعبِدْ قُلوبَهُمُ * * * فطالَمـا استعبدَ الإنسـانَ إحسانُ
    مَنْ يزرع الشَّرَ يَحْصُدْ في عَواقِبه * * * وعاشَ وهْو قَرِير العينِ جَذْلاَنُ
    مَنْ اسْتَنَامَ إلى الأشْرارِ نَامَ وفي * * * نَدامةً، ولِحَصْدِ الزَّرْعِ إبَّانُ
    أحْسِنْ إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ * * * رِدَائِه مِنْهُمُ صِلّ وثُعبانُ
    فالروض يزدان بالأنوار فاغمه * * * فلن يدوم على الإحسان إمكان

    وأخيرا .. فإن كسب قلوب الناس مهمة ليست باليسيرة إلا لمن يسرها الله تعالى له ؛ ولذا علينا أن نلح على الله بالدعاء ليفتح قلوبنا وقلوبهم للحق ويجعلنا وإياهم أنصارًا لدينه وحملة دعوته. ومع هذا الدعاء لا بد من الأخذ بالأسباب التي توصلنا بإذن الله إلى كسب القلوب الشاردة وتأليف الصدور المتنافرة , وكل ذلك يتطلب منك تحديد الهدف والتحقق من الوسيلة , وأن يكون عملنا كله خالصا لوجه الكريم فالإخلاص طريق القبول , وصدق الغاية سر الوصول .


     

    اعداد الصفحة للطباعة
    ارسل هذه الصفحة الى صديقك
    د. بدر هميسه
  • مقالات ورسائل
  • الكتب
  • وصية الأسبوع
  • سلسلة أحاديث وفوائد
  • واحة الأدب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية