صيد الفوائد saaid.net
صيد الفوائد على الفيسبوك صيد الفوائد على التويتر
:: الرئيسيه :: :: العروض الدعوية :: :: اخبر صديقك :: :: اتصل بنا :: :: ساهم معنا :: :: البحث :: :: المكتبة ::
الرئيسة
الصفحات المميزة



الأنشطة الدعوية



إصلاح التعليم آمال وطموحات

د. بدر عبد الحميد هميسه


بسم الله الرحمن الرحيم


قضية إصلاح التعليم قضية من أهم وأخطر القضايا في حياتنا ؛ وذلك لأمرين : أولهما : أن صلاح الحياة وإصلاح الأحياء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإصلاح التعليم لذا فقد قيل : اثنان إذا صلحا صلح أمر الناس وإذا فسدا فسد أمر الناس : الأمراء والعلماء , وعن هلال بن خباب قال قلت لسعيد بن جبير: يا أبا عبد الله ما علامة هلاك الناس؟ قال: \" إذا هلك فقهاؤهم هلكوا \".الخطيب البغدادي : الفقيه والمتفقة ص37.
وقديما قال الشاعر :

البَيْتُ لا يُبْتَنَى إلا لهُ عَمَدٌ * * * ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أَوْتادُ
وإنْ تَجَمَّعَ أَوْتادٌ وأَعْمِدَةٌ * * * وساكِنٌ بَلَغُوا الأَمْرَ الذي كادُوا
لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَراة لَهُمْ * * * و لا سراة إذا جالهم سادوا
تُهْدَى الْأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ* * * فإنْ تَوَلَّتْ فبِالأَشْرارِ تَنْقادُ

ودخل محمد بن زياد مؤدِّب الواثق على الواثق ، فأظهر إكرامه ، وأكثر إعظامَه ، فقيل له : مَنْ هذا أيا أمير المؤمنين ؟ قال هذا أولُ من فَتق لساني بِذِكْرِ اللَهِ ، وأدْناني من رحمة اللّه .
وقيلَ للإسكندر : ما بالُ تعظيمك لمؤدِّبك أكثر من تعظيمك لأبيك ؟ قال : لأنَ أبي سبَبُ حياتي الفانية ومؤدِّبي سببُ حياتي الباقية .القيرواني : زهر الآداب وثمر الألباب 201.
وثانيهما : أن قضية إصلاح التعليم من القضايا الشائكة والمتشابكة لأنها لا تهم ولا تخص فرداً بعينه ولا طائفة بشخصها فقضايا الاقتصاد تخص أهل الاقتصاد وقضايا أهل الطب تخص أهل الطب وقضايا أرباب الحرف تخصهم وهم أولى الناس بحل مشاكلها وهكذا ؛ أما قضية التعليم فهي قضية تخص المجتمع كله بل والأمة بأسرها , لذا يجب أن يشترك في حلها الأسرة والمدرسة والمجتمع والساسة والاقتصاديون والتربيون .
ولكن هناك ثلاثة عناصر أساسية تعد ضامنة متضامنة في حل قضية التعليم وفي إصلاحه وهذه العناصر الثلاثة هي :الأسرة , والمدرسة , والدولة .

أولاً : دور الأسرة في إصلاح التعليم :

دور الأسرة في إصلاح التعليم دور مهم وخطير , فالطفل حينما يولد يولد على الفطرة ولا يدرك من أمر الحياة شيئا , فيتعاهده الوالدان بالرعاية والتربية ويبذلان له الحقوق التي شرعها الدين الحنيف ومنها : حسن اختيار الأرض والبذرة الصالحة له , فيحسن الرجل اختيار الزوجة الصالحة , وتحسن المرأة اختيار الزوج الصالح , وأن يحسنا اسمه , فيختاران له الاسم الحسن الذي لا يخجل من ذكره للناس ويحسنا أدبه وتربيته ورعايته , قال تعالى : \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) سورة التحريم.
عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. أَخْرَجَهُ أحمد 2/5(4495) و\"البُخَارِي\" 3/196(2554) و\"مسلم\" 7/6(4751) ,وعَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:كَفَى بِالْمَرْءَ إِثْمًا ، أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ.أخرجه \"أحمد\" 2/160(6495) و\"أبو داود\" 1692صحيح الترغيب والترهيب 2/203.
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين أشكو إليك عقوق ولدي، فقال: ائتنى به، فجاء الولد إلى عمر ، فقال عمر: لم تعق أباك؟ فقال الولد: يا أمير المؤمنين ما هو حقي على والدي؟ فقال عمر: حقك عليه أن يحسن اختيار أمك، وأن يحسن اختيار اسمك وأن يعلمك القرآن. فقال الولد: والله ما فعل أبي شيء من ذلك، فالتفت عمر إلى الوالد وقال: انطلق لقد عققت ولدك قبل أن يعقك. (توضيح المشتبه ج7/ص82 ).

وللأبويين دور كبير ومهم في إصلاح التعليم وذلك عن طريق :
1- حث الأولاد وتشجيعهم على طلب العلم :
فمن حسن التأديب والتربية أن يغرس الوالدان في أولادهم حب التعلم والحرص على طلب العلم , وأن يبنا لهم كيف جعل الله تعالى أول آيات القرآن الكريم \" : \"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ\". سورة العلق: 1-5.
وأن القرآن الكريم قد اشتمل على ما يقارب (750) سبعمائة وخمسين آية تحث وتدعو إلى إعمال الفكر في هذا الكون وما فيه من مخلوقات مسخرة للإنسان .
وأن النبي - صلى الله عليه وسلم – قد جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ ، كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ.أخرجه ابن ماجة (224) صحيح الترغيب والترهيب 1/17, بل وجعله سبيلاً إلى دخول الجنة فقال : \" مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا ، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا ، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ.أخرجه أحمد 5/196(22059) و\"الدرامي\" 342 و\"ابن ماجة\"223 .
وأن الله تعالى رفع من شأن العلماء ومن قدرهم , قال سبحانه :\" إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) سورة فاطر , وقال :\" يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) سورة المجادلة.
قال أبو الأسود الدؤلي :

العلم نور وتشريف لصاحبه * * * فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
العلم كنز وذخر لا فناء له * * * نعم القرين إذا ما صاحب صحبا

قال ابن الوردي :

اطــلــب العــلم ولا تــكسل فــما * * *أبعد الخيرات عن أهل الكسل
لا تقـــل قــد ذهــبــت أربـــــابه * * * كل من سار على الدرب وصل

لذا فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تشجيع الأطفال الصغار وتربيتهم على حب طلب العلم ، وإفساح المجال أمامهم لمخالطة من يكبرونهم سنّاً في مجالس العلم , روى الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -‏ رضى الله عنهما -‏ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرُونِى بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِم ، تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ، وَلاَ تَحُتُّ وَرَقَهَا فَوَقَعَ في نفسي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم هي النَّخْلَةُ فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِى قُلْتُ يَا أَبَتَاهْ وَقَعَ في نفسي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ مَا مَنَعَنِى إِلاَّ أَنِّى لَمْ أَرَكَ وَلاَ أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا ، فَكَرِهْتُ.أخرجه البخاري 6/99 (4698) و\"مسلم\" 8/138 (7204) .
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِى مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا ، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ. قَالَ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ ، وَدَعَانِى مَعَهُمْ قَالَ وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ مِنِّى فَقَالَ مَا تَقُولُونَ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ) حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نَدْرِى. أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ لي يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَذَاكَ تَقُولُ قُلْتُ لاَ. قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَتْحُ مَكَّةَ ، فَذَاكَ عَلاَمَةُ أَجَلِكَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) قَال عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ. أخرجه أحمد 1/337(3127) و\"البُخَارِي\" 4/248(3627) والتِّرْمِذِيّ\" 3362.
لذا فقد ضرب السلف الصالح أروع الأمثلة على تشجيع أولادهم وحثهم على طلب العلم وإنفاق الغالي والنفيس في ذلك ,قال هشام بن عمار رحمه الله: باع أبي بيتاً بعشرين ديناراً وجهزني للحج فلما وصلت المدينة أتيت مجلس الإمام مالك رحمه الله وهو جالس في مجلسه في هيئة الملوك والناس يسألونه وهو يجيبهم فلما حان دوري قلت له: حدثني فقال لا، بل اقرأ أنت فقلت لا بل حدثني ، فلما راددته وجادلته غضب وقال: يا غلام تعال أذهب بهذا فاضربه خمسة عشر، قال: فذهب بي فضربني ثم ردني إلى مالك فقلت :قد ظلمتني فإن أبي باع منزله وأرسلني إليك أتشرف بالسماع منك وطلب العلم على يديك ، فضربتني خمسة عشر دُرّة بغير جرم ، لا أجعلك في حل، فقال مالك، فما كفارة هذا الظلم؟فقلت كفارته أن تُحدثني بخمسة عشر حديثاً ،فقال هشام:فحدثني مالك بخمسة عشر حديثاً فلما انتهى منها قلت له: زد في الضرب وزد في الحديث، فضحك مالك وقال لي: اذهب وانصرف. معرفة القراء الكبار للذهبي(1/196).
قال عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: حدثني مشايخ أهل المدينة أن فروخاً أبا ربيعة الرأي خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازياً وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرساً وفي يده رمح، فنزل ودفع الباب برمحه فخرج ربيعة، وقال: يا عدو الله، أتهجم على منزلي فقال فروخ: يا عدو الله، أنت دخلت على حرمي، فتؤاثبا وتلبب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران، فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة، فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان، وعل فروخ يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان وأنت مع امرأتي؛ وكثر الضجيج، فلما أبصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هي داري وأنا فروخ، فسمعت امرأته كلامه فخرجت وقالت: هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلفه وأنا حامل به، فاعتنقا جميعاً وبكيا. فدخل فروخ المنزل وقال: هذا ابني فقالت: نعم، قال: أخرجي المال الذي لي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار، قالت: قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام، ثم خرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته، فأتاه مالك والحسن بن زيد وابن أبي علي اللهبي والمساحقي وأشراف أهل المدينة وأحدق الناس به، فقالت امرأته لزوجها فروخ: اخرج فصل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة فأتاها فوقف عليها فأفرجوا له قليلاً فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه يره، وعليه دنية طويلة، فشك أبوه فيه، فقال: من هذا الرجل فقالوا: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال: فقد رفع الله ابني !، ورجع إلى منزله، وقال لوالدته: لقد رأيت ولدك على حالة ما رأيت أحداً من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: فأيما أحب إليك ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه فقال: لا والله بل هذا، فقالت: فإني أنفقت المال كله عليه، قال: فو الله ما ضيعته.ابن خلكان : وفيات الأعيان 2/289.
قال الذهبي في \" سير أعلام النبلاء 42/91\" في ترجمة ابن الدهان الواسطي : وَكَانَ حليماً، بطيء الغَضَب، مُتَوَاضِعاً، دَيِّناً، صَالِحاً، كَثِيْر الصَّدَقَة، متفقّداً لِلْفُقَرَاء وَالطّلبَة؛ تَفَقَّهَ أَوَّلاً لأَبِي حَنِيْفَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ شَافِعِيّاً بَعْد عُلُوِّ سنّه، وَوَلِيَ تدرِيس النَّحْو بِالنّظَامِيَّة، إِلَى أَنْ مَاتَ، قَرَأْت عَلَيْهِ كَثِيْراً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتح فَمِي بِالعِلْمِ، لأَنْ أُمِّي أَسلمتَنِي إِلَيْهِ وَلِي عشر سِنِيْنَ، فَكُنْت أَقرَأُ عَلَيْهِ القُرْآن وَالفِقْه وَالنَّحْو، وَأُطَالع لَهُ ليلاً وَنَهَاراً، وَإِذَا مَشَى، كُنْت آخذاً بِيَدِهِ، وَكَانَ ثِقَةً، نبيلاً، أَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ:

أَيُّهَا المَغْرُوْر بِالدُّنْيَا انتبِه * * * إِنَّهَا حَالٌ ستفنَى وَتحوْلُ
وَاجتهِدْ فِي نِيلِ مُلْكٍ دَائِمٍ * * * أَيُّ خَيْرٍ فِي نَعيمٍ سَيَزُولُ
لَوْ عَقلْنَا مَا ضَحِكْنَا لَحْظَةً * * * غَيْر أَنَّا فُقِدَتْ مِنَّا العُقُوْلُ


2- تأديبهم بأدب وأخلاق أهل العلم :

على الوالدين تربية الأولاد على التأدب والتخلق بأخلاق أهل العلم , روى مسلم في صحيحه أن سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال : لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غُلاَماً فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِى مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ أَنَّ هَا هُنَا رِجَالاً هُمْ أَسَنُّ منى . أخرجه مسلم 2/664.
قال الحسن البصري في وصيّته لابنه رحمهما الله : يا بني ! إذا جالست العلماء فكن على السمع أحرص منك على أن تقول ، و تعلّم حسن الاستماع كما تتعلّم حسن الكلام.
ومن أخلاق أهل العلم البعد عن الفاحش والسيئ من الكلام , ذكر أن تاج الدين السبكي فيما نقله عنه ولده قال : كنت جالسا بدهليز دارنا فأقبل كلب فقلت له : اخسأ كلب بن كلب فزجرني والدي فقلت له : أليس هو كلب ابن كلب قال :شرط الجواز عدم قصد التحقير فقلت هذه فائدة .المناوي: فيض القدير 1/115.
قال الإمام السخاوي : روينا عن المزني قال : سَمِعَني الشافعي يوماً وأنا أقول : فلان كذَّاب ، فقال لي : يا إبراهيم أكس ألفاظك أحسنها ، لا تقل كذاب ، ولكن قل حديثه ليس بشيء.
روت كتب الأدب أن صبيا تكلم بين يى الخليفة المأمون فأحسن الجواب , فقال له المأمون :ابن من أنت يا غلام؟قال :أنا ابن الأدب با أمير المؤمنيين , فقال المأمون: نعم النسب, ثم أنشد:

كن ابن من شئت واكتسب * * * أدبا يغنيك محموده عن النسب

وتربيتهم على الصدق والأمانة والتواضع , قال الشيخ عبد القادر الكيلاني رضي الله عنه بنيت أمري على الصدق وذلك أني خرجت من مكة إلى بغداد أطلب العلم فأعطتني أمي أربعين دينارا وعاهدتني على الصدق فلما وصلنا أرض همدان خرج علينا عرب فأخذوا القافلة فمر واحد منهم وقال ما معك قلت أربعون دينارا فظن أني أهزأ به فتركني فرآني رجل آخر فقال ما معك فأخبرته فأخذني إلى كبيرهم فسألني فأخبرته فقال ما حملك على الصدق قلت عاهدتني أمي على الصدق فأخاف أن أخون عهدها فصاح ومزق ثيابه وقال أنت تخاف أن تخون عهد أمك وأنا لا خاف أن أخون عهد الله ثم أمر برد ما أخذوه من القافلة وقال أنا تائب لله على يديك فقال من معه أنت كبيرهم في قطع الطريق وأنت اليوم كبيرنا في التوبة فتابوا جميعا ببركة الصدق .الصفوري : نزهة المجالس ومنتخب النفائس 1/160.
وكذا تربيتهم على النشاط وعلو الهمة , دعا يحيى بن خالد البرمكى ابنه يوماً ، ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه وأحبابه فقال : ما حال ابني هذا ؟ قالوا : قد بلغ من الأدب كذا وكذا ، نظر في كذا وكذا !قال : ليس عن هذا سألت ، قالوا : قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا ، قال : ولا هذا سألت إنما سألت عن بُعد همته ، وهل اتخذتم له في أعناق الرجال مننا وحببتموه إلى الناس ؟ قالوا : لا ، قال : فبئس العشراء انتم والأصحاب هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم. البيهقى : المحاسن والمساوئ ص 161 .
مكث ابن جرير الطبري أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة وقد صار مجموع ما صنفه نحو 358 ألف ورقة ، وقد ولد بن جرير سنة 224هـ وتوفى سنة 310هـ فعاش 81 سنة فإذا طرحنا منها سنة قبل البلوغ وقدرناها بأربع عشرة سنة يكون قد بقى ابن جرير سنتين وسبعين سنة يكتب كل يوم 14 ورقة فإذا حسبنا الاثنين والسبعين سنة وجعلت كل يوم منها 14 ورقة تضيفا كان مجموع ما صنعه نحو 358 ألف ورقة . عبد الفتاح أبو غدة : قيمة الزمن عند العلماء ص 43 .

3- اكتشاف قدراتهم ومواهبهم والعمل على تنميتها :

من الأخطاء التي يقع فيها بعض الإباء في تربيتهم للأبناء: الجهل بما لدى هؤلاء الأبناء من ميول ومواهب وقدرات ,فاكتشاف موهبة الطفل منذ البداية يساعد على تنمية تلك الموهبة وتوجيهها التوجبه الأمثل والصحيح , فلقد أكدت دراسة أكاديمية ضرورة الاكتشاف‏ ‏المبكر لموهبة الطفل والعمل على تنميتها بالطرق العلمية الصحيحة حيث أن التدخل‏ ‏المبكر لتنمية هذه المواهب يكون اكثر فاعلية من التدخل المتأخر.‏ وقالت الدراسة التي أعدها رئيس قسم رياض الأطفال بكلية التربية في جامعة طنطا ‏‏الدكتور محمد متولي قنديل \"إذا تم اكتشاف موهبة الطفل مبكرا فسيصبح بالإمكان‏ ‏التعامل معها بغرض تطويرها وتحسينها\".‏ ‏
وأضافت الدراسة، أن هناك ‏ ‏اختلافا بين بعض المفاهيم مثل مفهوم الذكاء والإبداع والموهبة غير أن الأخيرة ‏ ‏تعنى قدرة الطفل المبكرة على أداء فعل معين قبل وصوله إلى درجة عقلية معينة.‏
فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يكتشف شجاعة أسامة بن زيد رضي الله عنه وهو شاب صغير وحرصه على الجهاد فيوليه قيادة الجيش , كما اكتشف حب زيد بن ثابت للعلم فيطلب منه تعلم اللغات .
فتشجيع الطفل على القراءة والمعرفة والبحث يخلق لديه حب المعرفة والحرص على معرفة كل جديد ونافع , قال ابن القيم -رحمه الله- في :( روضة المحبين ص 70 ) وهو يتكلم عن عِشْق العلم-: وحدثني أخو شيخنا (يعني أحمد ابن تيمية) عبدُالرحمن ابن تيمية، عن أبيه (عبد الحليم) قال: كان الجَدُّ (أبو البركات) إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأْ في هذا الكتاب وارْفَعْ صوتكم حتى اسمعُ.
وكان الفتح بن خاقان يحمل الكتاب في كمه أو في خفه فإذا قام من بين يدي المتوكل للبول أو الصلاة أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشى حتى يبلغ الموضع الذي يريده ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه فإذا أراد المتوكل القيام لحاجة أخرج الكتاب من كمه أو خفة فقرأه في مجلس المتوكل إلى حين عوده. عبد الفتاح أبو غدة : قيمة الزمن عند العلماء ص 39 .
وموهبة الطفل وقدراته لا تنمو إلا في جو من الحب والحرية , وتموت تلك المواهب والقدرات إذا عاشت في جو من العسف والقهر والتسلط , ولقد أوضح ذلك ابن خلدون في مقدمته الرائعة \" في الفصل الأربعون في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم\" فقال : \"وذلك أن إرهاف الحد في التعليم مضمر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة. ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله.وصار عيالاً على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين. وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف، واعتبره في كل من يملك أمرة عليه. ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء. وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالخرج، ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد، وسببه ما قلناه. فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدوا عليهم في التأديب. راجع : مقدمة ابن خلدون 347 .
قال أحدهم موصيا ولده :

أيْ بنيَّ اسمعْ وصايا جَمعتْ * * * حكماً خُصَّتْ بها خيرُ المللْ
اطلبِ العلمَ ولا تكسلْ فما * * * أبعدَ الخيرَ على أهلِ الكسلْ
واحتفلْ للفقهِ في الدينِ ولا * * * تشتغلْ عنهُ بمالٍ أوْ خَوَلْ
واهجرِ النومَ وحصِّلْهُ فَمَنْ * * * يعرفِ المطلوبَ يحقرْ ما بذلْ
لا تقلْ قدْ ذهبَتْ أربابُهُ * * * كلُّ مَنْ سارَ على الدربِ وصلْ
في ازديادِ العلمِ إرغامُ العِدى * * * وجمالُ العلمِ يا صاحِ العملْ


ثانياً : دور المدرسة في إصلاح التعليم :

للمدرسة دور كبير في إصلاح حال التعليم لا يقل بحال من الأحوال عن دور البيت ودور الدولة ,فالطفل يذهب إلى المدرسة كالصفحة البيضاء وكالأرض البكر لا يملك شيئاً من الخبرات التعليمية سوى ما اكتسبه من أسرته , وهناك يبدأ دور الأب الثاني للتلميذ وهو المعلم والذي يتخذ منه التلميذ المثل والقدوة, ثم دور الطالب والذي هو الأساس في العملية التعليمية , ثم دور الإدارة المدرسية في ضبط نظام العملية التعليمية والسير بها على أحسن وجوهها.

1- دور المعلم في العملية التعليمية :

المعلم له دوره المهم والبارز في العملية التعليمية , فالطالب ينظر إلى معلمه نظرة اقتداء واهتداء , ويتخذ منه القدوة والنموذج الأعلى , يقلده في أقواله وأفعاله ,أوصى عتبة بن أبي سفيان عبد الصمد مؤدَب ولده فقال: ليكن إصلاحُك بَني إصلاحَك نفسك، فإن عُيوبَهم معقودة بعَيْبك، فالحسنُ عندهم ما استحسنتَ، والقبيحُ ما استقبحت؛ وعلِّمهم سِيَرَ الحكماءِ، وأخلاقَ الأدباء، وتهدَدْهم بي وأدَبْهم دوني؛ وكن لهم كالطبيب الذي لا يَعْجَل بالدواء حتى يَعْرِف الداء؛ ولا تَتَكِلَنَ على عذر مني، فإني قد اتكلتُ على كِفاية منك. ابن قتيبة : عيون الأخبار 199.
لذا ينبغي على المعلم أن يضع نفسه دائما موضع القدوة , وأن لا يتخذ من هذه الرسالة العالية الفاضلة مجرد وظيفة ووسيلة للتكسب والارتزاق.

والمعلم الجيد هو الذي يتصف بالصفات الإيجابية ومنها :

أولاً : حسن الإخلاص والتقوى : وذلك بتصحيح النية , تلك النية التي تحتاج إلى مجاهدةٍ في تحصيلها واستصحابها، وإلى مدافعة أضدادها ومفسداتها، قال سبحانه: \" فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا\" [الكهف: 110].
وقد افتتح الإمام البخاري وبعض الأئمة مؤلَّفاتهم بحديث «إنما الأعمال بالنيات...»، وهي تدخل كما قال الإمام الشافعي في سبعين بابًا من أبواب الفقه. انظر: ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، ص: 11. ولقد حذر الإسلام من تعلم العلم للدنيا فقط , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: \" إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ . قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ . فَقَدْ قِيلَ . ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ . قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ . وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ . فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ في النَّارِ . وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ . فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ في النَّار. أخرجه أحمد 2/321(8260) و\"مسلم\" 6/47 و\"النَّسائي\" 6/23 , وفي \"الكبرى\" 4330 و11495 .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ ، لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا ، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يَعْنِى رِيحَهَا. أخرجه \"أحمد\" 2/338(8438) و\"أبو داود\" 3664 و\"ابن ماجة\" 252 و\"ابن حِبَّان\" 78 صحيح الترغيب والترهيب 1/25 .
قال الإمام النووي: ويجب على الْمُعلِّم أن يقصد بتعليمه وجه الله لِما سبق، وألاَّ يجعله وسيلة إلى غرضٍ دنيوي، فيستحضر الْمُعلِّم في ذهنه كون التعليم آكد العبادات، ليكون ذلك حاثًا له على تصحيح النية، ومُحرِّضًا له على صيانته من مُكدِّراته ومن مكروهاته، مخافة فوات هذا الفضل العظيم والخير الجسيم.المجموع شرح المهذب. ج1، ص30.
فالمعلم الذي يجعل هدفه الأول الكسب المادي ولا يبالي إذا كان من حلال أم من حرام هو معلم لا يدرك كنه الرسالة والمسؤولية التي سوف يسأل عنها أمام الله يوم القيامة .

ثانياً :
الصبر والحلم : فالله سبحانه وتعالى أعلن حبَّه للصابرين بقوله: \" وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ \" [آل عمران: 146].
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه ، قَالَ :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلاَ مُتَعَنِّتًا ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا. أخرجه أحمد 3/328(14569) و\"مسلم\" 4/187(3683).
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ، فَقُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللهُ ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ ، فَقُلْتُ : وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ.ى أَفْخَاذِهِمْ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ ، فَوَاللهِ ، مَا كَهَرَنِي وَلاَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي ، قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. أخرجه أحمد 5/447 و\"البُخَارِي\" في \"خلق أفعال العباد\" 26 و\"مسلم\"2/70(1136) .
قال تعالى : \" وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ\" [آل عمران: 159].
قال ابن جماعة: وكذلك ينبغي أن يرحب بالطلبة إذا لقيهم، وعند إقبالهم عليه، ويُكرمهم إذا جلسوا إليه، ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلَّق بهم بعد ردِّ سلامهم، وليعاملهم بطلاقة الوجه وظهور البشر وحُسن المودة وإعلام المحبة وإضمار الشفقة؛ لأنَّ ذلك أشرح لصدره وأطلق لوجهه وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك لمن يُرجى فلاحه، ويظهر صلاحه. راجع : : تَذْكِرَةُ السَّامِعِ والمُتَكَلِّم في أَدَب العَالِم والمُتَعَلِّم 34.

ثالثاً :
العدل والإنصاف : وذلك بأن لا يفرق بين طلابه ويحابي أحدهم على حساب الآخرين ، فقال تعالى: \" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ \" [النحل: 90].
عقد ابن سحنون بابًا في ذلك «ما جاء في العدل بين الصبيان»، وأورد فيه بإسناده عن الحسن قال: إذا قوطع الْمُعلِّم على الأجرة فلم يعدل بينهم – أي الصبيان – كُتب من الظلمة. .أدب الْمُعلِّمين. المطبوع في نهاية كتاب المذهب التربوي عند ابن سحنون ص115.
وقال في موضع آخر: وليجعلهم بالسواء في التعليم، الشريف والوضيع، وإلا كان خائنًا.
جاء هارون الرشيد ونزل في بيت الإمارة فطلب الإمام مالك بن أنس , ليأتي بموطئه ليقرأه عليه وعلى الأمين والمأمون ابني هارون الرشيد فنظر إليه مالك وقال: يا أمير المؤمنين إن العلم يؤتى إليه ولا يأتي إلى أحد, فجاء هارون وقف على باب مالك واستأذن, فأخبرت الجارية مالك بأن هارون أمير المؤمنين على باب البيت, فذهب واغتسل وارتدى خير ثيابه وتطيب, كل هذا وهارون على الباب, أذن له, فلما دخل قال : ما هذا يا مالك؟ طلبناك فامتنعت علينا, جئناك حبستنا على بابك؛ قال: أفدتك أن العلم يؤتى إليه ولا يأتي, أما أني حبستك على الباب فصحيح, لأني حينما أخبرت أنك تأتي ولم أكن أعلم في أي وقت, علمت أنك لا تأتي لمالك, لا لمال ولا لجاه ولا لشيء إلا للعلم, فأردت أن أكون على أحسن هيئة وأنا أدارسك العلم . انظر : شرح متن الرحبية للشيخ عطية محمد سالم 13 .

رابعاً
التواضع والرجوع إلى الحق : قال تعالى : \" وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ\". سورة الشعراء: 21].
ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحدٌ لله إلاَّ رفعه». رواه مسلم برقم (2588).
ومن التواضع أن يقول لا أدري فيما لا يعلمه وأن يرجع إلى الصواب إذا أخطأ , وروى بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، جئتكم من مسيرة ستة أشهر، حمَّلني أهل بلدي مسألة أسألك عنها. قال: فسل. قال: فسأله الرجل عن المسألة. فقال: لا أُحسنها.
قال: فبُهِت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كلَّ شيء. قال: أيُّ شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟
قال: تقول لهم: قال مالك: لا أُحسِن. جامع بيان العلوم وفضله، ج2 ص53.
قال الشافعي رحمه الله \" ما ناظرني أحد فباليت أظهرت الحجة على لسانه، أو على لساني\'.
عن حاتم الأصم أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تفصح، وما ناظرك أحد إلا قطعته، فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال:\' بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه\' فقال أحمد:\'ما أعقله من رجل\'. ابن الجوزي : المنتظم (1 /220) .

خامساًُ :
أن يكون قدوة صالحة لطلابه : فالتربية بالقدوة من أنجح الوسائل المؤثِّرة في إعداد المتعلِّم خُلقيًا وتكوينه نفسيًا واجتماعيًا، ذلك لأنَّ الْمُعلِّم هو المثل الأعلى في نظر المتعلِّم، والأسوة الصالحة في عينه، يُقلِّده سلوكيًا ويُحاكيه خُلقيًا من حيث يشعر أو لا يشعر، بل تنطبع في نفسه وإحساسه صورته القولية والفعلية والحسية والمعنوية من حيث لا يدري أو يدري.
قال تعالى: \" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ\" [الصف: 2، 3].
وعن أسامة بن زيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». رواه البخاري برقم (3094) ومسلم برقم (2989).
قال الشاعر:

يا أيهَا الرجلُ المعلِّمُ غيرَه *** هلاَّ لنفسِك كانَ ذا التعليمُ
تَصِف الدواءَ لِذي السقامِ وذي الضنَا *** ومِن الضَّنَا وجَواهُ أنتَ سقيمُ
وأراكَ تلقحُ بالرشادِ عقُولَنا *** نُصْحاً ، وأنت مِن الرشادِ عديمُ
أبدأ بنفسِك فانْهَهَا عَن غَيَّها *** فإذا انتهتْ عنه فأنتَ حكيمُ
فَهُناك يُقْبَلُ إن وعظتَ ، ويُقتدَى *** بالقول منكَ ، وينفعُ التعليمُ
لا تَنْهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثلَه *** عارٌ علَيكَ إذا فعلتَ عظيمُ

سادساً : أن يعتني ويهتم بتخصصه وبمادته العلمية : لأن بعض المعلم تقف حدود معرفته وثقافته عن مرحلة الجامعية وبعدها يهجر الكتاب ويجافي المعرفة , ولا يحاول أن يطور من قدراته وأن يرتقي بذاته,
فالاهتمام بالتخصص والعناية به والسعي لبلوغ الذروة فيه هو ما ينبغي أن يكون من شأن الْمُعلِّم، لأنه سيكون مرجعًا لطلابه يسألونه ويستفتونه به، ويلتزمون بما يمليه عليهم ويوجِّههم إليه، وينقلون هذا عنه إلى غيرهم من زملائهم أو طلابهم حينما يتصدُّون للتعليم فيما بعد، فلا بدَّ من العناية به ,وقد سُئل سفيان بن عيينة: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟ قال: أعلمهم؛ لأنَّ الخطأ منه أقبح.ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، ص156.
قال تعالى: \" فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ\" [النحل: 43].
وقال صلى الله عليه وسلم : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان بن عفان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكلِّ أمَّة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». رواه الترمذي برقم (3790). وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه. وابن ماجه برقم (154).
فكل هذه الصفات الطيبة وغيرها تجعل المعلم يقوم بدوره المنوط به , وتجعله يحقق الأهداف التي يسعى إليها , وبدونها يصبح المعلم جسداً بلا روح وشمساً بلا ضوء .

2- دور الطالب في العملية التعليمية :

كما للمعلم آداب وأخلاق يجب أن يتصف بها حتى يستطيع أداء دوره في العملية التعليمة ؛ فإن على المتعلم ( الطالب ) كذلك صفات وآداب يجب أن يلتزم بها حتى يحقق دوره في إصلاح التعليم , ومن هذه الصفات :
أ – الصدق والإخلاص في طلب العلم : وذلك بأن يبذل النفس والنفيس والوقت والجهد في تحصيله، والإعراض عن كل ما يشغل عنه من لغو أو بطالة أو اقتراف لمعصية أو محرم. قال الشافعي رحمه الله:

شكوت الى وكيع سوء حفظي ***** فأرشدني الى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ***** ونور الله لا يهدى لعاصي

عن ابن عباس رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؛أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَسُئِلَ : أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ فَقَالَ : أَنَا ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : بَلَى ، لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. أخرجه \"أحمد\" 5/118(21434) و\"البُخَارِي\" 1/41(122) و\"مسلم\" 7/103(6239).

ب- التحلي بالأخلاق والصفات الطيبة :
وذلك بالابتعاد عن المراء، وتجنب الجدال بعد ظهور الحق، فإن المراء لا يأتي بخير، لأنه يضيع الوقت، ويقسي القلوب، ويورث الأحقاد، ويسبب البغضاء قال الله تعالى:\" وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\" العنكبوت 46.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، وَيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ ، أَدْخَلَهُ اللهُ جَهَنَّمَ. أخرجه ابن ماجة (260) الألباني : حسن ، المشكاة ( 225 و 226 ).
قال الشاعر:

لا تحسبنّ العلم ينفع وحده ***** ما لم يتوّج ربّه بخلاق

وقال آخر:

لو كان للعلم من دون التقى شرف ***** لكان أشرف خلق الله إبليس

ومن حسن الخلق المحافظة على السمت الحسن، والاتزان والهدوء، ووقار العلم، وما يطبعه في النفس من خشية لله، ومعرفة بأقدار الناس. والابتعاد عن كل ما يخلّ بشرف العلم ومكانته في النطق والمشي والأمكنة والمعاملات.

ج- طلب العلم النافع المفيد:
وهو العلم الذي ينفع المسلم في دينه وفي دنياه ويتجنب العلوم التي انقضى زمانها، أو التي لا طائل منها.
كما أن عليه أن يتلقى العلم عن أهله الأكفاء، من العلماء الراسخين، والأتقياء الصالحين، وأخذ كل فن من المختصين به، المحسنين له.
عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:\" إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم\" رواه الحاكم.
وعليه بالصبر على التعلم ، واستغلال الوقت واكتساب الفراغ، قبل ذهابهما , وعدم التعلل بالحياء في رفض سؤال أهل العلم ففي الحديث : \" نِعْمَ النِّسَاءً نِساءُ الأنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدَينِ. أخرجه أحمد 6/147 و\"الدارِمِي\" 779 و\"مسلم\" 1/179 و180 و\"أبو داود\" 314.
قال مجاهد : لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبرٌ, وقال عبد العزيز بن عمر : ما شيء إلا وقد علمت منه ، إلا أشياء كنت أستحي أن أسأل عنها ، فكبرت وفيّ جهالتها.
َقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: \" لَا يَزَالُ الرَّجُلُ عَالِمًا مَا تَعَلَّمَ، فَإِذَا تَرَكَ الْعِلْمَ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَغْنَى وَاكْتَفَى بِمَا عِنْدَهُ فَهُوَ أَجْهَلُ مَا يَكُونُ \" المجموع للنووي 1/52.
قال الشاعر:

إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي * * * يسأل من يدرى فكيف إذا تدرى

ومما يروى في ذلك ما قاله القاضى إبراهيم بن الجراح الكوفي تلميذ أبى يوسف : قال : لقد أتيته أعوده فوجدته مغمى عليه . فلما أفاق قال لي : يا إبراهيم ما تقول في مسألة ! قلت : في مثل هذه الحالة ؟ ! قال : لا باس بذلك ندرس لعلة ينحو به ناج ! ثم قال : يا إبراهيم : أيهما أفضل في رمى الجمال – أي في مناسك الحج – أن يرميها ماشياً أو راكباً ؟ قلت : راكباً ، قال : أخطأت ، قلت ماشياً قال : أخطأت ، قلت : قل فيها يرضى الله عنك . قال : أما ما كان يوقف عنده للدعاء فالأفضل أن يرميه راكباً ، ثم قمت من عنده فما بلغنا باب داره حتى سمعت الصراخ عليه ، وإذ هو قد مات رحمة الله عليه . عبد الفتاح أبو غدة : قيمة الزمن عند العلماء ص 29 .

د- التأدب بآداب طالب العلم :
ومنها الصبر على طلب العلم والطاعة للمعلم وعدم التعنت معه , قال تعالى : \" قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) سورة الكهف .
قال الرازي : اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر . فأحدها : أنه جعل نفسه تبعاً له لأنه قال : { هَلْ أَتَّبِعُكَ } . وثانيها : أن استأذن في إثبات هذا التبعية فإنه قال هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك وهذا مبالغة عظيمة في التواضع . وثالثها : أنه قال على أن : { تعلمني } وهذا إقرار له على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم . ورابعها : أنه قال : { مِمَّا عُلّمْتَ } وصيغة من للتبعيض فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله ، وهذا أيضاً مشعر بالتواضع كأنه يقول له لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً في العلم لك ، بل أطلب منك أن تعطيني جزأً من أجزاء علمك ، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزأً من أجزاء ماله . وخامسها : أن قوله : { مِمَّا عُلّمْتَ } اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم . وسادسها : أن قوله : { رَشَدًا } طلب منه للإرشاد والهداية والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال . وسابعها : أن قوله : { تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ } معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيهاً بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم ولهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت منه حرفاً . . وقول موسى له : { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع الشديد ، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم إظهار التواضع بأقصى الغايات ، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير . فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة وذلك يمنعه من التعلم ثم قال : { فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } أي لا تستخبرني عما تراه مني مما لا تعلم وجهه حتى أكون أنا المبتدىء لتعليمك إياه وإخبارك به . تفسير الرازي 10/232 وما بعدها.
وكذا تقدير المعلم ومعرفة قدره , عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ. أخرجه أحمد (5/323 ، رقم 22807)الألباني : ( حسن ) انظر حديث رقم : 5443 في صحيح الجامع .
قال الشاعر :

قمْ للمعلمِ وفِّهِ التبجيلا * * * كاد المعلمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي * * * يبني وينشيءُ أنفساً وعقولا

قال الشافعي: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رقيقا هيبة لئلا يسمع وقعها. وعن الربيع بن سليمان قال : \" والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له \",وقال الإمام أحمد : \" لزمت هشيمًا أربع سنين ما سألته عن شئ إلا مرتين هيبة له \",وقال عبدوس : \" رآني أبو عبد الله ( يقصد الإمام أحمد ) يومًا وأنا أضحك ، فأنا أستحييه إلى اليوم \". روى أن أبا حنيفة قال: ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد؛ إجلالاً له. وكان بين داره وداره سبع سِكك.
قال إسحاق الشهيدي : \" كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده ، فيقف بين يديه علي بن المديني و أحمد بن حنبل و يحيى بن معين وغيرهم ، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم : اجلس ، ولا يجلسون هيبة له وإعظاما \" .
وقال حماد بن زيد قال سمعت أيوب يقول لقد جالست الحسن أربع سنين فما سألته هيبة . حلية الأولياء 3/11.
عَنِ الشَّعْبِيِّ ؛ قَالَ : رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَأَخَذَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ ، فَقَالَ لَهُ : لا تَفْعَلْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ : هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا . فَقَالَ زَيْدٌ : أَرِنِي يَدَكَ . فَأَخْرَجَ يَدَهُ ، فَقَبَّلَهَا زَيْدٌ وَقَالَ : هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رواه ابن سعد في الطبقات (2/360) والذهبي في السير (2/437) وابن الجوزي في صفة الصفوة (1/706) وابن عبد البر : المجالسة وجواهر العلم 4/146والحافظ في الإصابة (4/146) وجود إسنادها الحافظ في الفتح (11/57).
وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ حمدُوْن بنِ رُسْتُمَ: سَمِعْتُ مُسْلِمَ بنَ الحَجَّاجِ، وَجَاءَ إِلَى البُخَارِيِّ فَقَالَ: دَعْنِي أُقَبِّلْ رجليكَ يَا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِين، وَسَيِّدَ المُحَدِّثِيْنَ، وَطبيبَ الحَدِيْثِ فِي عِلَلِهِ.سير أعلام النبلاء 23/425.
جاءه سهل بن عبد الله التستري فقيل له: يا أبا داود، هذا سهل بن عبد الله قد جاءك زائراً، قال: فرحب به وأجلسه، فقال: يا أبا داود لي إليك حاجة، وما هي قال: حتى تقول قضيتها مع الإمكان، قال: قد قضيتها مع الإمكان، قال: أخرج لي لسانك الذي حدثت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبله، قال: فأخرج له لسانه فقبله. وفيات الأعيان 2/405 .
لما‏ مرض أبو يوسف مرضًا شديدًا، فعاده أستاذه أبو حنيفة مرارًا. فلما صار إليه آخر مرة، رآه ثقيلاً، استرجع، ثم قال: لقد كنتُ أُؤَمّله بعدي للمسلمين، ولئن أُصيبَ الناسُ به ليموتَنّ علمٌ كثير. ‏ثم رُزق أبو يوسف العافية، وخرج من العِلَّة. فلما أُخبِر بقول أبي حنيفة فيه، ارتفعت نفسُه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسـًا في الفقه، وقصـَّر عن لُزوم مجلس أبي حنيفة. وسأل أبو حنيفة عنه فأُخبر أنه عقد لنفسه مجلسًا بعد أن بلغه كلام أستاذه فيه. فدعا أبو حنيفة رجلاً وقال له: ‏ صـِرْ إلى مجلس أبي يوسف، فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قَصَّار ثوبًا ليصبغه بدرهم، فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصار: ما لك عندي شيء، وأنكره. ثم إن صاحب الثوب رجع إليه، فدفع إليه الثوب مصبوغًا، أَلَه أجرُه؟ فإن قال أبو يوسف: له أجره، فقل له: أخطأت. وإن قال: لا أجرَ له فقل له: أخطأت! ‏ فصار الرجل إلى أبي يوسف وسأله، فقال أبو يوسف: ‏له الأجرة. قال الرجل: أخطأت. ‏ففكر ساعة، ثم قال: ‏لا أجرة له. ‏ ‏ فقال له: أخطأت! ‏ ‏ فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة. فقال له :ما جاء بك إلا مسألةُ القصَّار. ‏ ‏ قال: أجل. ‏فقال أبو حنيفة: سبحان اللّه! من قعد يُفتي الناس، وعقد مجلسًا يتكلم في دين اللّه، لا يُحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات؟! ‏فقال: ‏يا أبا حنيفة، علِّمني. فقال: إنْ صبغه القصار بعدما غَصَبه فلا أجرة له، لأنه صبغ لنفسه، وإن كان صبغه قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه صبغه لصاحبه ثم قال: مَن ظن أن يستغني عن التعلُّم فَلْيَبكِ على نفسه‏. تاريخ بغداد 13/350 , وفيات الأعيان 5/408 , الفقيه والمتفقه 1/281 , الصيمري: أخبار أبي حنيفة وأصحابه 39.

3- الإدارة المدرسية ودورها في اصلاح التعليم :

للإدارة المدرسية دور مهم في إصلاح التعليم , فالإدارة الناجحة تستطيع أن ترتقي بمستوى المعلمين والمتعلمين وتستخرج ما لديهم من كنوز دفينة , وتلعب الدور المنوط بها في تنمية الإبداع وصقل الموهبة لدى الطلاب وإنتاج أساليب في التعلم مثل التعلم الاكتشافي وبحث الطلاب عن المعلومات والحقائق بأنفسهم ، أي باستخدام أسلوب التعلم وليس الحفظ والتلين والترديد دون فهم ووعي .
وذلك أن الطفولة تعتبر من أهم المراحل النمائية التي يمر بها الإنسان ، فهي تمثل نقطة البدء في النمو بمختلف مظاهره الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية ، كما أنها الأساس في بناء الشخصية وفي اكتساب المعارف والمهارات ، وفي تكوين الميول والاتجاهات ، ومن هنا يؤكد علماء النفس على ضرورة العناية بمرحلة الطفولة وتهيئة البيئة المناسبة لإثارة دوافع الطفل وإبداعاته انطلاقاً من البيئة المنزلية ثم بيئة الروضة فالبيئة المدرسية ، إذ أن هذه البيئات هي مصدر الإلهام الإبداعي للطفل وهي المسؤولة عن نموه وارتقائه أو إحباطه وفشله ، فإذا كانت البيئة خصبة ثرية مشجعة تثير دوافع الطفل وتشبع حاجاته العضوية والنفسية والاجتماعية وتجيب على تساؤلاته وحواراته ، ويسودها الاطمئنان النفسي والثقة بالنفس وتتوافر أيضاً على الإمكانات المادية المناسبة للمرحلة العمرية ، فإن ذلك ييسر عملية الإبداع ، فتنمو الموهبة وتترعرع صاعدة نحو الكمال لتحقيق الإنجازات الهائلة مستقبلاً ، وأما إذا كانت فقيرة معدمة في مثيراتها الفكرية ويسودها روح التسلط والخوف وتنعدم فيها الثقة بالنفس ولا تتوافر على العناصر المادية ، والثقافية اللازمة للعملية الإبداعية ، فغالباً ما تكون سبباً في إحباطات الموهوب وفشله .
والإدارة المدرسية تستطيع أن توجد التواصل بين البيت والمدرسة والذي يعد أساساً من أسس الارتقاء بالمتعلم , والوقوف على نقاط الضعف لديه ومعالجتها أولاً بأول .
كما أنها تستطيع الارتقاء بالمعلم وجعله في الصورة الطيبة التي ينبغي أن يكون عليها وأن يعامل على أـساسها , فتجعل المعلم قدوة لطلابه وترفع مكانته وسط تلاميذه , كان العالم المسلم (الكسائي) يربي ويؤدب ابني خليفة المسلمين في زمانه هارون الرشيد،وهما الأمين والمأمون وبعد انتهاء الدرس في أحد الأيام ، قام الإمام الكسائي فذهب الأمين والمأمون ليقدما نعلي المعلم له ، فاختلفا فيمن يفعل ذلك ، وأخيراً اتفقا على أن يقدم كلاً منهما واحدة ..ورفع الخبر إلى الرشيد ، فاستدعى الكسائي وقال له :من أعز الناس ؟ قال: لا أعلم أعز من أمير المؤمنين قال : بلى ،إن أعز الناس من إذا نهض من مجلسه تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين ، حتى يرضى كل منهما أن يقدم له واحدة فظن الكسائي أن ذلك أغضب الخليفة فاعتذر الكسائي ،فقال الرشيد : لو منعتهما لعاتبتك ، فإن ذلك رفع من قدرهما. اب خلكان : وفيات الأعيان 2/510 .

ثالثاً : دور الدولة في إصلاح التعليم :

التعليم أساس للتنمية والتقدم ومن ثم فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بالتعليم ونشر العلم وكفالة الحرية للبحث العلمي ودعم العلماء ماديا وأدبيا بما يضمن لهم حياة كريمة توفر لهم القدرة علي مواصلة البحث العلمي وإمكانيات نشر الفكر العلمي وتطويره‏.
من هنا يجب أن مؤسسات التعليم منفتحة علي كل المستويات‏,‏ ومرصدا للتقدم الكوني العلمي والتكنولوجي‏,‏ وقبلة للباحثين الجادين‏,‏ ومختبرا للاكتشاف والإبداع, وأن يكون هذا الإبداع‏,‏ مطبوعاً بروح المبادئ الايجابية والإنتاج النافع‏.‏
وللأسف فإن برامج التعليم لا تعتبر خلاقة في أغلب البلدان العربية، أي وسيلة للتغيير الثقافي، بل هي على العكس من ذلك تجتر ثقافة الآخرين وتعطيها شرعية وحيوية .

وإصلاح التعليم لا بد أن يكون شمولياً : يشمل :


1-إصلاح حال المعلم :
وذلك بالارتقاء بمستواه العلمي والمادي وإعداد وتأهيله للتعامل مع التقنيات التربوية الحديثة وأن تجعل الدولة المعلم في أسمى وأعلى مكانه , قدم هارون الرشيد إلى الرقة في غرب بغداد فاستقبله أفراد من الحرس والشرطة، وعندما قدم عبد الله بن المبارك من نفس المكان خرج الناس عن بكرة أبيهم لاستقباله فنظرت جارية في قصر الخليفة إلى المنظر فقالت ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلى بشرط وأعوان. انظر: تاريخ بغداد الخطيب البغدادي (1/152) وانظر حلية الأولياء لأبي نعيم (8/ 167) .
قال الشاعر :

إنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا * * * لَا يَنْصَحَانِ إذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا
فَاصْبِرْ لِدَائِك إنْ أَهَنْت طَبِيبَهُ * * * وَاصْبِرْ لِجَهْلِك إنْ جَفَوْت مُعَلِّمَا


2-إصلاح حال المتعلم :
الارتقاء بمستوى المتعلم هدف أساسي لجميع الدول, وذلك يكون بالاستغلال الأمثل لتكنولوجيا المعلومات بهدف تحسين عمل المعلمين والوضع المهني والفني لهم, واستثمار الإمكانات الحديثة التي تجعل المتعلم يبتعد عن الحفظ والاستظهار دون وعي وابتكار , كما أن المتعلم يحتاج إلى تشجيع وتحفيز دائمين ؛ حتى يشعر بأنه شريك أساسي في العملية التعليمية ولا يكتفي بدور المتفرج .
حينما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفدت الوفود من كل بلد لبيان حاجاتها وللتهنئة، فوفد عليه الحجازيون، فتقدم غلام هاشمي للكلام، وكان حديث السن، فقال عمر:- لينطلق من هو أسن منك.فقال الغلام:-أصلح الله أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبداً لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك. فقال عمر:- صدقت، قل ما بدا لك،فقال الغلام: - أصلح الله أمير المؤمنين، نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة، وقد أتيناك لمنَّ الله الذي منَّ علينا بك، ولم يقدمنا إليك رغبة أو رهبة، أما الرغبة فقد أتيناك من بلادنا، وأما الرغبة فقد أمنا جورك بعدلك. فقال عمر: عظني يا غلام، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن ناساً من الناس غرهم حلم الله عنهم وطول أملهم وكثرة ثناء الناس عليهم فزلت بهم الأقدام فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عنك وطول أملك وكثرة ثناء الناس عليك، فتزل قدمك، فتلحق بالقوم، فلا جعلك الله منهم، وألحقك بصالحي هذه الأمة، ثم سكت. فقال عمر: كم عمر الغلام، فقيل له: ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عنه فإذا هو من ولد سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهم، فأثنى عليه خيراً، ودعا له، وتمثَّل قائلاً:

تعلم فليس المرء يولد عالماً * * * وليس أخو علم كمن هو جاهلُ
فإن كبير القوم لا علم عنده * * * صغير إذ التفت عليه المحافلُ

راجع : الطرطوشي : سراج الملوك 1/26 , صور من ابتلاء العلماء لوحيد عبد السلام بالي 9 .

3- إصلاح حال الكتب والمناهج الدراسية :
تطوير وإصلاح الكتب والمناهج الدراسية صار أمرا محتما في ظل التغيرات السريعة والمستجدات الحديثة , وليس من المنطق أن يتطور العصر وتبقى الكتب والمناهج الدراسية كما هي , فإن عالمنا اليوم يشهد تطورات علمية هائلة ، بل نستطيع القول ثورات علمية جبارة في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والصحية التي جاءت سريعة قد يقف الإنسان مذهولاً أمامها على الرغم من أنه هو الذي أوجدها وطورها ، فنحن نرى ونعيش اليوم عصر الذرة والأقمار الصناعية ، وعصر الكومبيوتر والإنترنيت ، والاتصالات وأجهزة الاستقبال التي حولت العالم إلى قرية صغيرة ومكنت الإنسان من الحصول على كل ما يحلم به من المعلومات بدقائق معدودة
ولم يقتصر التطور العلمي على الاختراعات و الصناعات المختلفة ، فقد كان لابد أن يحدث التطور في المجال التربوي والتعليمي جنباً إلى جنب ، لأن المجالين يكمل بعضهما بعضاً ، ولأن التطور التقني يتطلب قدرات متطورة وعالية لدى العاملين لكي يستطيعوا مواكبة التطور التقني في العصر الحديث.

وهكذا ارتفعت أصوات المفكرين والعلماء العاملين في المجال التربوي لإجراء ثورة في أساليب التربية والتعليم في مدارسنا ، وإعادة النظر في المناهج والكتب المدرسية والوسائل التي تمكن المدرسة من أداء عملها على الوجه الأكمل .

4- إصلاح حال الإدارة المدرسية:
للإدارة المدرسية دور في تثقيف المعلمين والمتعلمين من خلال المناشط المدرسية المختلفة التي ترقي بالمستوى العقلي والمهاري للطلاب والمعلمين ,وذلك برصد الاحتياجات التدريبية للمعلمين والمتعلمين , كما أن لها دوراً بارزاً في خلق الجو التعليمي المناسب الذي ينتج فرداً منتجا ومبدعا .
وللإدارة المدرسية دور مهم في إيجاد التواصل الفعال بين البيت والمدرسة من ناحية , وبين المدرسة والمجتمع كله من ناحية أخرى .
ولها دور في رصد المشكلات التدريسية والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها .
إذن فتطوير سياسة التعليم وإصلاحها قد يتطلب تغييرات جذرية (هيكلية، مؤسسية، ثقافية) ولا بد حينئذ من تكاتف الجميع في إحداث هذا الإصلاح وذلك التغيير , وجعل ذلك أمراً لا يحتمل إلا واحدة من اثنتين : إما حياة وإما موت, ولنعلم أن إصلاح التعليم هو إصلاح للمجتمع .


 

اعداد الصفحة للطباعة           
ارسل هذه الصفحة الى صديقك
د. بدر هميسه
  • مقالات ورسائل
  • الكتب
  • وصية الأسبوع
  • سلسلة أحاديث وفوائد
  • واحة الأدب
  • الصفحة الرئيسية
  • مواقع اسلامية